هل تكتب رسائل بريدية تثير غضب الآخرين؟

امرأة تقرأ شيئا يثير الضيق لديها على شاشة الكمبيوتر مصدر الصورة Getty Images

بعد التفاعل الكبير الذي حققته تغريدة لكاتبة أمريكية شهيرة عن رسائل البريد الإلكتروني، التي يتعمد فيها المرسل توجيه انتقاد لاذع بدهاء للمتلقي، ربما يجدر بك أن تتساءل: هل تبدو فظّا في رسائلك دون أن تقصد؟

لقيت تغريدة دانييلا رينيه، الكاتبة وخبيرة التسويق بالعاصمة الأمريكية واشنطن، التي كتبتها منذ أسبوعين على تويتر، صدى واسعا عندما ذكرت الطريقة المفضلة لإحراج شخص ما بدهاء في مكان العمل باستخدام عبارة بسيطة: "حسبما ذكرت في رسالتي السابقة".

كما طلبت رينية من متابعيها أن يذكروا أيضا نماذج الردود المفضلة التي تدل على أن المرسل يضمر العداء للمتلقي.

وكانت النتائج مدهشة، إذ انتشر تعليقها انتشارا واسعا، وشارك في الحديث مئات الأشخاص، أضاف كل منهم عبارات تبدو في ظاهرها غير مسيئة، لكنهم يستخدمونها في رسائل البريد الإلكتروني بقصد توجيه ضربة موجعة للمتلقي عن طريق الكلمات. لكننا في الغالب نستخدم عبارات استفزازية في رسائلنا من دون أن ندري.

وإذا أرسلت رسالة ووضعت لها مقدمة وافية، ثم جاءك الرد مقتضبا وينم عن الغضب، فقد تكون أنت من ذكرت شيئا في رسالتك أثار - من دون أن تدري- رد الفعل الغاضب هذا.

وقد كشفت ردود المغردين التي عرضوا فيها نماذج العبارات التي قد تثير غضب المتلقي، من عبارة "كما تعلم" إلى "رجاء إحاطتنا"، أن تبادل الرسائل بالبريد الإلكتروني بات لغزا اجتماعيا محيرا، فإذا استخدمت الكلمة أو العبارة غير المناسبة في اللحظة غير المناسبة، قد يحملها المتلقي على محمل الإساءة أو تثير غضبه.

تصف ديبورا تانين، أستاذة اللغويات في جامعة جورج تاون بالعاصمة الأمريكية واشنطن، المراسلات بالبريد الإلكتروني بأنها "ملغومة؛ لأنك لا ترى رد فعل المتلقي على الرسالة".

وعندما ترسل رسالة بريد إلكتروني في مكان العمل، هناك طرق لائقة وأخرى غير لائقة لعرض فكرتك بوضوح، والحصول على ما تطلبه، من دون أن يُساء تفسير كلامك أو تثير غضب المتلقي. وفيما يلي بعض النقاط الأساسية التي ينبغي أن تلتزم بها عند كتابة رسالة بالبريد الإلكتروني.

خصص وقتا كافيا للمراجعة

جميع الرسائل التي نرسلها بالبريد الإلكتروني تنقل معانٍ خلافا للكلمات المكتوبة والمشاعر التي نظهرها، وحتى النية من وراء كتابتها. وقد ينم أيضا طول الرسائل والالتزام بالقواعد النحوية، أو انعدامها، عن طريقة تفكيرنا.

لكن من الصعب التنبؤ برد فعل الأخرين ونظرتهم لنا بعد قراءة الرسالة. وفي الغالب، نرسل الرسالة من دون أن نتريث للتفكير في كيفية تفسير المتلقي للرسالة.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption قد تسبب صياغة رسائل البريد الإلكتروني الرسمية أحيانا التوتر والقلق خشية الإساءة للمتلقي من دون قصد بينما تحاول عرض وجهة نظرك

تقول ناعومي بارون، أستاذة اللغويات بالجامعة الأمريكية بواشنطن، ومؤلفة كتاب "كلمات على الشاشة: مصير القراءة في العالم الرقمي": "لقد أصبحنا نثق في البريد الإلكتروني ثقة عمياء، حتى إننا لم نعد نتساءل: هل كان كلامي واضحا؟ وهل سيساء فهمي؟". وتضيف أنه بعد إرسال الرسالة "سيكوّن الكثير من الناس رأيهم عنك".

حافظ على أدق التفاصيل

في السنوات الأخيرة، أصبح الكثير من الناس يعتبرون البريد الإلكتروني الوسيلة الرسمية للتواصل في مجال العمل، بسبب انتشار الرسائل الفورية بين المكاتب وبعضها داخل الشركات، وغيرها من أساليب التواصل غير الرسمية، التي لا يتقيد فيها المرسل بقواعد ومعايير كتابية ولغوية معينة.

وتقول بارون إن العاملين الشباب يعتقدون الآن أن "البريد الإلكتروني أصبح لكبار السن. وهذه النظرة هي التي جعلت رسائل البريد الإلكتروني أكثر تكلفا وتقيدا بمعايير الكتابة الرسمية".

وفي المقابل، تقول مادهوميتا لاهيري، أستاذة اللغة الإنجليزية بجامعة ميشيغان في مدينة أن أربور، وقد عملت في الهند وجنوب أفريقيا والمملكة المتحدة قبل أن تستقر في الولايات المتحدة، إن عدم مراعاة الأساليب والعبارات التقليدية في البريد الإلكتروني قد يجعلك تبدو قليل الخبرة.

وتشجع لاهيري على استخدام كلمات مثل "عزيزي" أو "أرجو أن تكون بخير"، في بداية الرسالة، وتقول إن هذه الكلمات والعبارات لن تجعلك تبدو متحفظا أو رجعيا. وتضيف: "ثمة كلمات متعارف عليها تستخدم في فاتحة الرسالة وخاتمتها، ويدل استخدامها على أن لديك خبرة بكتابة الرسائل".

تجنب الأسلوب الممل

يقول ألكس مور، الذي شارك في تدشين أداة "بوميرنغ" الإلكترونية لتنظيم رسائل البريد الإلكتروني بهدف زيادة إنتاجية العاملين، في ولاية سان فرانسيسكو، إن التمسك بالأسلوب المهني في صياغة الرسائل لا يتعارض مع إبراز تميزك وإثبات سلامة نواياك.

ووفقا لدراسة أجرتها شركة بوميرنغ لبرامج زيادة الإنتاجية على العبارات التي اختتمت بها 350 ألف رسالة بالبريد الإلكتروني، والردود الواردة عليها، أشارت النتائج إلى أن الرسائل التي تُظهر مشاعر إيجابية أو سلبية تلقت ردودا أكثر بنسبة 10 إلى 15 في المئة من الرسائل التي لم تنقل أي مشاعر.

ويقول مور: "ينبغي ألا تتجاوز الحد في الإطراء، ولا تتجاوز الحد في إظهار امتعاضك في الرسالة، لكن الناس ينزعون إلى الرد على الرسائل التي يظهر المرسل فيها مشاعره، سلبية كانت أو إيجابية، حتى المكتوبة منها".

حافظ على بساطة الرسالة

وفقا للبحث الذي أجرته شركة بوميرنغ، فإن الرسائل ذات الأساليب البسيطة في الكتابة تلقت أعلى الردود.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption وفقا للبحث الذي أجرته شركة بوميرنغ، فإن الرسائل ذات الأساليب البسيطة في الكتابة تتلقى ردودا أكثر

إذ كشفت الدراسات التي أجرتها الشركة أن الرسائل المكتوبة بأسلوب بسيط وموجز تلقت ردودا بمعدل 53 في المئة، في مقابل 39 في المئة للرسائل المكتوبة بأسلوب فصيح وأكثر إحكاما، و46 في المئة للرسائل المكتوبة بأسلوب ركيك.

وبالحفاظ على بساطة اللغة، ستتفادى إساءة تفسير الكلمات الناتج عن تنوع الخلفيات الثقافية. وتقول لاهيري في هذا الصدد إن بعض الناس يعمدون إلى استخدام ألفاظ جزلة لإظهار التأدب حيال المتلقي، لكن هذه الكلمات قد تحمل معانٍ سلبية في مناطق أخرى من العالم.

وتضيف أنه في المملكة المتحدة على سبيل المثال، يعد استخدام عبارات من قبيل "مع الأسف " أو "يؤسفني " لإخبار المتلقي بأن طلبه قوبل بالرفض، أسلوبا مهذبا في الرد، ولكن هذه العبارات قد تُحمَل على محمل الإساءة في أماكن أخرى من العالم.

وتتابع أنه في الولايات المتحدة على سبيل المثال، "يفضل أن تكتفي بقولك 'شكرا جزيلا'".

وتضيف: "إذا أضفت عبارات مثل "يؤسفني أن"، فقد تفسر على أن المرسل يشعر بالندم حقا، ولن تعد أسلوبا مهذبا للتعبير عن الرفض، كما في الولايات المتحدة".

احذر من علامات الترقيم المحيرة

تختلف الآراء حول مواضع استخدام علامات التعجب، ونقاط الحذف، والحروف الكبيرة في اللغة الإنجليزية، وكيف ينم استخدامها في الرسالة عن شخصية المرسل.

وبينما يُكثر الشباب من استخدم علامات التعجب في رسائل البريد الإلكتروني لرفع الكلفة مع المرسل إليه، فإن العاملين الأكبر سنا يقتصدون في استخدامها.

وتقول لاهيري إن الشباب في العشرينيات من العمر ينظرون إلى علامات التعجب على أنها "تدل على الصداقة والود، في حين أن النقطة في نهاية الجملة تدل على الجدية".

وتضيف لاهيري أن علامات الحذف قد تثير التباسا أيضا لدى القراء، إذ يفسرها القراء الأكبر سنا على أنها علامات وقف في نهاية الجملة، في حين قد تحمل إيحاءات سلبية للقراء الأصغر سنا.

وقد يفسر البعض الحروف الكبيرة في الرسالة على أنها تعبير عن الغضب، لكن الأمر يختلف عندما يستخدمها الجيل الأكبر سنا.

كما يختلف تفسير الرجل للرسالة عن تفسير المرأة لها. ففي البحث الذي أجرته تانين، اكتشفت أن النساء اللائي لا يستخدمن في رسائلهن علامات تعجب، ولا يكررن الحروف في بعض الكلمات للتعبير عن مشاعرهن (كشدة الإعجاب وفرط الكراهية)، ينظر إليهن على أنهن متحفظات.

في حين أن الرجال الذين يرسلون رسائل مقتضبة ولا يظهرون فيها إلا القليل من الانفعالات، لا ينظر إليهم على أنهم فاترو المشاعر.

وتضيف أن الرجال يميلون إلى إرسال رسائل أقصر من رسائل النساء، ويدخلون فيها بعض النكات أحيانا، لكن تانين تحذر من أن المتلقي قد يسيء فهم هذه النكات أيضا.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption من المفيد الحرص على تفادي الكلمات والعلامات التي قد تحمل تأويلات تختلف من ثقافة لأخرى ومن جيل لآخر

وتتابع: "احذر من هذه الأساليب في كتابة الرسائل، وما تكشفه عن شخصيتك، وكيف يفسرها المتلقي".

تجنب الرتابة

رغم أن تانين تحث على استخدام الأسلوب المهذب التقليدي في مقدمة الرسالة، فبإمكانك أن تتحرر من الأساليب التقليدية المتكلفة إذا توطدت العلاقة بينك وبين المرسل إليه، وزادت معرفتك به.

وتنصح تانين أيضا بمحاولة التعرف على أسلوب المتلقي في كتابة الرسائل، ثم محاكاته في المرات اللاحقة.

وإذا كان القلق لا يزال يساورك حيال كيفية تفسير المتلقي لرسائلك، قد تساعدك التطبيقات والأدوات التكنولوجية الحديثة، مثل المساعد الافتراضي "ريسبوندابل" الذي دشنته شركة بوميرنغ. ويعتمد هذا التطبيق على الذكاء الاصطناعي للمساعدة في كتابة رسائل البريد الإلكتروني، وخدمة "تون أنلايزر" للتحليل اللغوي للرسائل التي يقدمها نظام "واتسون"، بشركة "أي بي إم".

وهذه البرامج والتطبيقات تساعدك في الكشف عن المعاني الخفية التي تنطوي عليها رسالتك أو رسائل الغير.

تقول راما أكيراجو، المهندسة بقسم واتسون بشركة "أي بي إم" في مقرها بمدينة سان هوزيه بولاية كاليفورنيا: "كل منا ينقل مشاعر مختلفة وأساليب مختلفة في الكتابة".

ويحلل نظام "تون أنالايزر" المستند إلى الذكاء الاصطناعي كل شيء في الرسالة، من اختيار الكلمات، إلى طول الرسالة، وعلامات الترقيم، ليقيّم أسلوبك في الكتابة ويوضح ما إذا كنت منبسطا أو لبقا أو واثقا من نفسك.

فكر في الخاتمة

يقول مور إن أفضل طريقة لإنهاء رسالة هي أن تخبر المتلقي أنك تتطلع لتلقي ردا على رسالتك وأن تظهر امتنانك له.

وأظهرت دراسة أجرتها شركة "بوميرنغ" أن الرسائل التي اختتمت بعبارة "أشكرك مقدما" تلقت 65 في المئة من الردود، أي أنها حصلت على أعلى نسبة ردود بين جميع العبارات التي تستخدم في الخاتمة.

ومن الممكن إنهاء الرسالة بعبارات وكلمات لائقة أخرى مثل: "نشكركم" و"مع الشكر". ويقول مور: "ينبغي أن تستخدم بعض كلمات الشكر لتعبر عن تقديرك لجهود المتلقي".

لكن لاهيري تحذر من المبالغة في الإلحاح على المتلقي للرد على الرسالة، مثل استخدام عبارة "لا تتردد في الاتصال بي" لأنها قد تنم عن سوء نية المرسل وليس استعداده لتقديم المساعدة.

وتقول: "إن هذا النوع من الضغط يدل على السلوك العدواني السلبي في كتابة الرسائل، أي أن المرسل يضمر شرا"، وتضيف أن هذا الأسلوب يجعل القارئ يتردد قبل كتابة الرد خوفا من رد فعل هذا المتلقي على الرسالة.

كل شيء نكتبه يحتمل تأويلات متعددة، ولهذا في المرة القادمة عندما تكتب ردا على عجالة، راجع ما كتبته حتى لا تبدو فظا أمام المتلقي من دون أن تقصد، ما لم تتعمد بالطبع أن تكون فظا.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة