كيف نقضي على التحرش الجنسي في مكان العمل

رسم على الحائط بجواره تعليق "لا للتحرش" مصدر الصورة Getty Images

يعد التساهل مع المضايقات في أماكن العمل أقوى مؤشر على شيوع حالات سوء المعاملة، وكذلك عدم الإبلاغ عنها، كما تقول الصحفية أفروديتي بينا.

بعد أن انطلقت حملة "أنا أيضا"، من خلال هاشتاغ (#Me Too)، في أعقاب مزاعم بالتحرش والاغتصاب ضد المنتج السينمائي هارفي واينستين، ظهرت شكاوى من ملايين النساء من جميع أنحاء العالم حول وقوعهن ضحايا للتحرش الجنسي، وتعرضهن لسوء المعاملة في أماكن العمل وخارجها.

ليس التحرش الجنسي ظاهرة جديدة، وليس من المستغرب ظهور هذا القدر من التفاعل مع حملة "أنا أيضا". لكن الجديد في الأمر هو أننا نشهد حاليا تحولا ثقافيا في طريقة تفكيرنا، وحديثنا عن قضايا كانت تعتبر يوما ما من المحرمات.

وقد أظهرت الأبحاث التي أجريت على مدار العقود الأربعة الماضية أن التحرش الجنسي مشكلة واسعة الانتشار بالنسبة للنساء.

ووفقا لتلك الأبحاث، من المرجح أن تتعرض النساء للتحرش الجنسي أكثر من الرجال، ومن المرجح أن تتمكن النساء من تمييز التحرش الجنسي، وأن تعتبره مشكلة أكثر من الرجال، كما إن النساء الأصغر سنا أكثر عرضة للتحرش.

ومن المهم أن ندرك أن تجارب الناس المتعلقة بالمضايقات الجنسية تختلف من شخص لآخر، وهناك مقياس يمكن من خلاله تحديد نوعية هذه الاعتداءات الجنسية.

وتتراوح هذه المضايقات ما بين السلوك اللفظي أو غير اللفظي، وبين تجارب الاتصال الجسدي غير المرغوب فيه، والاعتداء الجنسي المباشر، والاغتصاب.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption عضوة البرلمان الأوروبي الفرنسية إيفا جولي تحمل لافتة تقول "أنا أيضا"، خلال مناقشة حول التحرش والاعتداء الجنسي

وأكثر أشكال التحرش الجنسي شيوعا هو ما يعرف بالمقايضة. وهي الحالة التي يطلب فيها شخص يتمتع بسلطة مؤسسية (أو متصورة) مطالب جنسية من شخص ذي سلطة أقل نسبيا، مقابل ترقية وظيفية مثلا، أو التهديد بالانتقام الوظيفي (كما هو الحال في المزاعم ضد واينستين).

لكن هذا النوع في الواقع يمثل نسبة صغيرة من تجارب التحرش الجنسي (إذ تبلغ ما بين 3 في المئة و16 في المئة حسب البلاغات). بينما تمثل الاعتداءات الجنسية والاغتصاب في أماكن العمل نسبة أقل من ذلك، (تتراوح ما بين واحد في المئة إلى ستة في المئة).

وأكثر أشكال المضايقات الجنسية انتشارا هو التحرش بالجنس الآخر، مثل تحرش الرجال بالنساء، وهذا يشمل التعليقات الشفهية غير المرغوب فيها، والطلبات غير المناسبة والمتكررة لتحديد موعد غرامي، والملاحظات حول الشكل، والسلوك غير اللفظي، مثل التحديق، والصفير أحيانا، والإيماءات التي غالبا ما تأتي من أشخاص متساوين في المركز والقوة مع الضحية (وهي أمور تبلغ نسبتها حوالي 55 في المئة من حالات التحرش الجنسي).

إلا أن الاعتماد على البلاغات الرسمية عن التحرش الجنسي لا يكشف عن المدى الحقيقي لانتشار هذه الظاهرة. فإذا ما أخذنا في الاعتبار استمرارية هذه السلوكيات، سنجد أنه من المرجح أنها تمارس بشكل أكبر، لكن الاعتراف بها على أنها تحرش جنسي يكون أقل ترجيحا.

ومع ذلك، من المهم الاعتراف بها إذا ما أردنا أن نفهم تماما مدى انتشار التحرش الجنسي في مكان العمل، والأثر الكامل على أولئك الذين يعانون منه، وكيفية مواجهته.

إضافة إلى ذلك، فإن تلك السلوكيات التي تقع على الجانب الأدنى من تلك المضايقات، والمتكررة في كثير من الأحيان، هي التي تؤدي إلى بيئة عدائية في مكان العمل يمكن أن يكون لها نفس العواقب السلبية للاعتداء المباشر على الضحية.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption قال الممثل كيفن سبيسي الحائز على إحدى جوائز الأوسكار إنه يبحث عن علاج لمشكلته، بعد مواجهته مزاعم بسوء السلوك الجنسي ضد عدد من الرجال

ويشمل ذلك الاكتئاب، والقلق، واضطراب ما بعد الصدمة. كما يمكن أن يؤثر على مهنة الضحية مع مرور الوقت، مما يؤدي إلى التغيب عن العمل كثيرا، وفقدان الفرص الوظيفية. ويمكن أيضا أن يؤثر على الآخرين الذين يشهدون ذلك السلوك، ويعيشون البيئة المعادية بشكل مباشر.

استراتيجيات المعالجة

تشير الأبحاث النفسية إلى أنه من المرجح أن تستخدم النساء مجموعة من الأساليب للتعامل مع التحرش الجنسي، اعتمادا على السياق، ودرجة ذلك السلوك. وتتراوح آليات المعالجة ما بين الإنكار وتجنب الجاني، والتحدث إلى الأصدقاء والأقارب والزملاء، والمواجهة المباشرة مع الجاني، والإبلاغ الرسمي.

ورغم أن النساء يعمدن إلى تجنب المتحرش في كثير من الأحيان، فإن احتمال نجاح هذا الأسلوب أقل بكثير من المواجهة المباشرة في وقف التحرش. ولكن بسبب الخوف - والمخاطر- من الانتقام عند مواجهة المتحرش، فإن اختيار المواجهة يكون أقل احتمالا بكثير. وينطبق هذا أيضا على الإبلاغ الرسمي.

وفي الواقع، تبين الأبحاث أن المناخ العام للمؤسسة ودرجة التساهل فيها هما من أقوى المؤشرات على وجود أو غياب التحرش الجنسي. إذ أن درجة التساهل في المؤسسة هي التي تحدد مدى الخطورة التي قد تتعرض لها الضحية عند تقديم الشكوى، ومدى احتمال معاقبة المتحرش، ومدى جدية تلقي الشكاوى من قبل المؤسسة والزملاء.

الموضوع المشترك في المزاعم ضد واينستين هو أن سلوكه كان معروفا على نطاق واسع، وأن موظفين آخرين في شركته كانوا متورطين فيه. لذا، كانت الشكاوى صعبة، وخطرة بالنسبة للضحايا.

وهذا يفسر انخفاض معدل الإبلاغ الرسمي عن تلك الحالات. وإذا ما أخذنا في الاعتبار تأثير "المناخ المتساهل" في هذا السياق، (بعد أن أشار كثيرون إلى الشكاوى المزعومة بشأن واينستين على أنها "سر مكشوف")، يتضح السبب في تأخر إبلاغ الضحايا عن تجاربهن، وذلك بعدما شعرن بالتشجيع من نساء أخريات تقدمن بشكاوى مماثلة.

قد يكون التحرش سهلا لأن يميزه شخص ما، ولكنه قد يستغرق من شخص آخر فترة أطول لإدراكه والرد عليه، وهذا ما يجعل هذه السلوكيات غامضة إلى حد ما. فقد يجد البعض أشياء معينة يمكن تحملها، لكن البعض الآخر لا يتحملها. وتكون الخطوط أحيانا ضبابية، مما يجعل معالجة الموضوع صعبة.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption اهتزت هوليوود لمزاعم النساء اللواتي قلن إنهن تعرضن للتحرش أو الاعتداء الجنسي من قبل هارفي واينستين، وهي المزاعم التي رفضها ذلك المنتج الشهير

يحتاج الناس إلى الشعور بالأمان عند التحدث ضد السلوك الذي غالبا ما يبدأ بشكل حميد.

ويشمل هذا أن يكون الناس قادرين على الإفصاح عن أنهم لا يجدون ذلك الشيء مضحكا، أو إنهم لا يقدرون أن يتم تجاهلهم، أو التركيز عليهم بشكل واضح، أو أن يطلب منهم فعل أشياء لا يريدون فعلها.

لكن الأهم هو أنك تحتاج إلى الشعور بالدعم في قراراتك للتحدث علنا، والشعور بالأمان إزاء ردود فعل انتقامية محتملة.

ونحن جميعا علينا التزام بأن نجعل أماكن العمل بيئات آمنة من شأنها تعزيز الكرامة والاستحسان. فالحق في العمل بكرامة هو من حقوق الإنسان.

ويعد تدريب الموظفين على مكافحة التحرش، ووجود هيئات تحقيق مستقلة داخل المؤسسات أمرين مهمين في مكافحة التحرش الجنسي، كما إن الثقافة السائدة في المؤسسات تعد على نفس القدر من الأهمية.

نحن نحتاج أيضا إلى احترام كل منا للآخر، والاستماع إلى بعضنا البعض.

ويمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن توفر منصة للأصوات المسموعة، وشبكة دعم ومنبرا لمشاركة الناس في كل مكان لتجاربهم.

كما أن حملات مثل هاشتاغ "أنا أيضا" توفر الحرية المهمة لإسماع أصوات الناس ضد التحيز الجنسي، والعنف الجنسي. وهي توفر لنا أيضا فرصة لنستمع للآخرين، ونتعلم منهم، ولأن نكون مناصرين لجميع المتضررين من هذه الظاهرة التي هي أقرب إلى منازلنا (وأماكن أعمالنا) مما نعتقد.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة