كيف ينفق الشباب من أبناء جيل الألفية أموالهم؟

أب وأم من أبناء جيل الألفية مصدر الصورة Alamy

هناك فكرة مفادها أن أبناء جيل الألفية أقل فهماً وحكمة فيما يتعلق بإدارة أموالهم من الأجيال التي تسبقهم، لكن يبدو أن هذه الفكرة مضللة.

يُدان أبناء جيل الألفية بشدة عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية. فعلى ما يبدو، يميل هؤلاء إلى تغيير وظائفهم بشكل متكرر، وربما يؤجلون فكرة الزواج كثيرا، وينشغلون أكثر بإنفاق نقودهم لشراء بعض المأكولات والمشروبات، بدلاً من التوفير لشراء منزل، أو الإدخار لأجل طويل.

وقد تبيّن من إحصاء حديث شمل 1,037 أمريكيا، أن أقل من ثلث أبناء جيل الألفية يشتركون في صناديق التقاعد، في حين كشف بحث آخر أجرته مؤسسة "ميريل أيدج"، إنهم يدخرون، لكنهم لا يدخرون للاشتراك في صناديق التقاعد.

وبالتالي، فهل يعد أبناء جيل الألفية حقاً أقل مهارة فيما يتعلق بتدبير أمورهم المالية مقارنة بالأجيال السابقة؟

ربما ليس الأمر كذلك. إذ يتخلى الناس، عقداً تلو الآخر، عن فكرة التخطيط لفترة شيخوختهم. وليس هذا أمرا جديداً البتة. فعلى سبيل المثال، توصل بحث أجري عام 1998 إلى إن الأصغر سناً من أبناء ما يعرف بجيل "طفرة المواليد" كانوا يدّخرون أقل للرواتب التقاعدية من أبناء نفس الجيل الأكبر سناً.

يقول دوغلاس هيرشي، مدير مختبر أبحاث التخطيط للتقاعد بجامعة أوكلاهوما الحكومية، إن الأمر يتعلق بالشباب أكثر من تعلقه عموماً بأبناء جيل الألفية.

ويضيف: "لا أعتقد أن هناك فرقا كبيرا في تفكير أبناء جيل الألفية في أهمية التقاعد، أو سلوكهم تجاهه، مقارنة مثلا بأبناء جيل 'طفرة المواليد' عندما كانوا في العشرينيات من أعمارهم."

والأهم من ذلك، كما يقول، هو وجود خصال نفسية محددة تؤثر في كيفية إدخارنا للمال، مهما كان عمرنا. ويشير هيرشي إلى وجود عامل واحد يحدد ذلك، وهو "الإنطباع عن المستقبل".

ويضيف قائلا: "يتأمل البعض المستقبل على أنه وحدات من 5 أو 10 أو 20 سنة، في حين يركز آخرون على الحاضر أكثر. إنها من الخصال الشخصية المستقرّة جداً."

مصدر الصورة Getty Images
Image caption بينما تظهر البيانات أن أبناء جيل الألفية يتدبرون بنشاط أمورهم المالية، فإن كثيرين يقولون إنهم لا يدّخرون لفترة تقاعدهم

ويضيف أن تصرف أبناء جيل الألفية وفق ما يميله ضميرهم، وتركيزهم على تفاصيل الأمور هي خصال أخرى جيدة تنبيء بما إذا كانوا يخططون ويدّخرون لتقاعدهم.

وبالرغم مما ذُكر، فإنه يشير إلى مخاوف مالية أكثر آنية بالنسبة للجيل الحالي، مثل ارتفاع أسعار البيوت ونفقات الدراسة.

تعمل سوفيا بيرا البالغة 33 عاماً، في إعداد الخطط المالية للأفراد وتقيم في أوستن بولاية تكساس الأمريكية، وهي أيضا مؤسسة شركة "جين ي. بلانينغ"، التي تعمل في الغالب مع من يقلّون عن عمر 36 عاماً.

وتوصلت بيرا إلى إن أبناء جيل الألفية يقلقون بخصوص الكفاح بشدة من أجل دفع ديون قروض الدراسة أكثر من قلقهم بالإدّخار للتقاعد.

وتقول بيرا: "إذا ما ذهبوا للجامعة لدراسة الطب أو المحاماة، فيقولون إنهم يعرفون بأنه ينبغي عليهم الإدخار للتقاعد لكنهم في الحقيقة يريدون إيجاد وسيلة للتعامل مع القروض الدراسية أولاً."

وتتابع: " بالنسبة لأبناء جيل الألفية، يشبه التخلص من القروض تقريباً الحلم الأمريكي الجديد، ويشغلهم ذلك أكثر من تملّك بيت، ويسبب لهم توتراً عصبياً أكبر."

وتضيف أن الزبائن غالباً ما يقررون تسديد القروض قبل أية أولويات أخرى، حتى عندما يكون معقولاً أكثر من الناحية المالية تأجيل ذلك.

تحديات مختلفة

ويمكن تفسير التقارير الأخيرة التي تفيد بأن أبناء جيل الألفية لا يدّخرون بما يكفي للتقاعد، من خلال النهج الذي يتبعونه في هذه الأيام.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تضاعف متوسط الأعمار تقريباً خلال القرن الماضي نتيجة التقدم في مجال العلوم والنظام الصحي والسلامة

ويمكن للتعميم أن يسبب إشكاليات، إذ يمكننا أن نجد أنظمة تقاعد وطنية متفاوتة في البلدان المختلفة. وفي البعض منها نُظم تقاعد إلزامية يُجبر فيها العاملون على دفع مبلغ لحساب التقاعد، كما في أستراليا وسويسرا.

وفي بلدان أخرى، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، هناك نُظم حكومية لدفع المستحقات أولاً بأول، مثل نظام التأمين الاجتماعي الهادف إلى إبعاد المتقاعدين عن حالة الفقر، الذي تدعمه حسابات التقاعد الفردية من مساهمات أرباب العمل.

لكن ما هو صحيح أيضاً هو أن نُظم التقاعد قديمة وتعود لعقود من الزمن، كما إن الضمانات في أوقات الشدائد، مثل التأمين الاجتماعي، تواجه ضغطاً أكثر من أي وقت مضى.

إن إحدى التحولات الكبيرة التي حصلت في العقود القليلة المنصرمة هي انتقال مسؤولية الإدخار للتقاعد بعيداً عن الشركة التي يعمل بها الموظف لتقع على عاتق الفرد نفسه، حسبما يقول فيليب ديفز، الأستاذ في مجال المصارف والمالية بجامعة برونيل بلندن، وزميل المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية.

ويقول ديفز: "التحولات الكبيرة التي طرأت على المناهج الممولة هي تحولها من فوائد محددة إلى مساهمات محددة"، حسبما يقول. "إننا ننتقل من نوع من التمويل المالي الذي يضمن دخلاً معيناً من سن التقاعد وحتى الوفاة، إلى نوع آخر تساهم أنت بالإدخار فيه، ويكون الدفع فيه إليك وفقا للسوق".

ويقول هيرشي: "إنه لأمر جديد نسبياً أن يُطلب من الناس ترتيب مستقبلهم في بيئة معقدة من التخطيط المالي، بدلاً من إتاحة المجال للشركة التي عملوا بها أن تهتم بهذه الأمور نيابة عنهم. فالموظف هو الذي يتولى زمام القيادة الآن، وعليه اتخاذ قرارات مهمة".

التنويع

وبإعادة العبء على العاملين ليثقفوا أنفسهم بهذه الأمور، فإنه ليس من الصعب رؤية بعض الشباب وهم يفضلون تجنبها كلية.

ليس الجميع على أية حال. فهذا أنخل فيرنانديز أموريس، البالغ من العمر 30 سنة، وكان استشاريا سابقا من مدريد، يقول إن أغلب الذين يعرفهم يخططون للاعتماد على النظام التقاعدي الحكومي في أسبانيا.

ويضيف: "بالرغم من هذا، فإن أسبانيا ليست بأفضل حال. إذ تتغير التركيبة السكانية كثيراً، وسواء سيظل هذا الصندوق التقاعدي قائماً لأمد طويل أم لا، فإنه أمر مرهون بالمستقبل."

مصدر الصورة Alamy
Image caption الزيادة في متوسط الأعمار، وانخفاض نسب المواليد دفعتا باتجاه إحداث تحوّل في التركيبة السكانية عالمياً، مما جعل الحكومات تجد مصاعب من أجل التمويل

وكانت الأزمة الاقتصادية التي استمرت لعقد من الزمن جعلته يتعلم كيف يدّخر المال لسنين تقاعده، وقرر في النهاية شراء عقار للاستثمار في مدريد قبل عامين، عندما كانت الأسعار بأدنى مستوى تاريخي لها.

ويقول أموريس: "لا أتأمل نفسي وأنا أعيش هناك مع عائلتي. لكنه استثمار رائع لشخص شاب، أو في المستقبل، لربما يساهم الدخل الآتي منه في دعم الراتب التقاعدي."

ولعل أبناء جيل الألفية، الذين عاش الكثيرون منهم خلال فترة الأزمة المالية العالمية، وظلوا بعيداً عن الاستثمار في الأسهم، هم أكثر ثقة في الاستثمار في العقارات كمصدر دخل تقاعدي.

تقول بيرا إن عدداً متزايداً من زبائنها، وخاصة ممن يعيشون في المدن ذات الارتفاع الجنوني في أسعار العقارات، يسألون عن الاستثمار في العقارات.

وتقول: "بدلا من شراء منزل لهم، يختارون الادخار للاستثمار في عقار بمكان آخر، والحصول على قيمة الإيجار كدخل لهم."

تنوي نيكول وونغ، الطبيبة البيطرية البالغة 28 عاماً من هونغ كونغ، أن تستفيد من قيمة الإيجار كدخل عند التقاعد. وهي تعيش حالياً في بريزبان بأستراليا، وتقول إنها قد حسبت مقدار المال الذي ستحتاجه للتقاعد، وإن الأولوية بالنسبة لها هو شراء منزل.

وتضيف: "كما أنوي تملّك عقار آخر كاستثمار، وأسهم تدعم راتبي التقاعدي."

وتقول إن العديد من أصدقائها في هونغ كونغ يخططون للانتقال للعيش في مكان آخر ذي تكاليف عيش أقل عندما يتقاعدون.

ولا يزال هناك آخرون ممن يعتقدون أنهم لن يكونوا بحاجة لأن يتقاعدوا أبداً. فقد أشار استطلاع واحد على الأقل إلى أن 30 في المئة من الشباب المشاركين فيه (وتتراوح أعمارهم بين 18-24 سنة) لا ينوون التقاعد مطلقاً.

لذا، فمن يدري، ربما ينتهي الأمر بأبناء جيل الألفية، الذين غيّروا مجالات لا تعد ولا تحصى، أن يعيدوا صياغة مفهوم التقاعد أيضاً.كيف ينفق الشباب من أبناء جيل الألفية أموالهم؟

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة