مجموعة "فيفتي شيدز": ماذا نتعلم من كُتاب الرومانسية الذين يربحون الملايين؟

أغلفة بعض الكتب الرومانسية مصدر الصورة Alamy

في الوقت الذي يتضاعف فيه متوسط دخل كُتاب الرومانسية ثلاث مرات في عصر الكتاب الالكتروني الذي نعيشه، يمكن أيضا لأصحاب الأعمال المؤقتة أن يتعلموا شيئاً من هؤلاء الكُتاب.

عندما يبدأ عرض الجزء الثالث والأخير من سلسلة أفلام "فيفتي شيدز (خمسون ظلا)، والذي يحمل عنوان "فيفتي شيدز فريد"، في التاسع من فبراير/شباط، سيندفع محبو هذه السلسلة بلا شك لمشاهدة الولد السيء كريستيان غراي (الذي يلعب دوره جيمي دورنان)، والبطلة الشقية والجميلة أناستازيا ستيل، والتي تلعب دورها (داكوتا جونسون).

لكن هناك مسألة أقل منافسة لقصة ذلك الفيلم المفعم بمشاهد الحب والرومانسية، لكنها مساوية في الإثارة، والتي تتمثل في كيفية تعامل كُتاب الروايات الرومانسية مع عصر التكنولوجيا الرقمية، وتمكنهم من النجاح وتحقيق الثروة فيه.

وبينما يقف الاقتصاديون وأساتذة الأعمال عاجزين أمام اقتصاد العمالة المؤقتة المتضخم والمحفوف بالمخاطر، تمكن كثير من العاملين المؤقتين وأصحاب العقود قصيرة الأمد من تطوير سلوكيات عمل مبتكرة خلال العقود الأربعة الماضية، مما مكنهم من النجاح في هذا العصر الرقمي.

"الرومانسية" واقتصاد الوظائف المؤقتة

على الرغم من وصول قلة من الكُتاب إلى مستوى النجاح المذهل الذي حققته ثلاثية "خمسون ظلا" للروائية إي إل جيمز، والتي كانت في السابق كاتبة روايات خيالية، وتبلغ ثروتها الآن أكثر من 58 مليون دولار، توصلتُ في دراسة أجريتها مؤخرا إلى أن متوسط دخل كُتاب الرومانسية قد تضاعف ثلاث مرات في هذا العصر الرقمي. وأصبحت أعداد من يحققون منهم مكاسب بالملايين في تزايد مستمر.

هذا التطور حدث في الوقت الذي أصبحت فيه أنواع أخرى من الكتب أقل ربحاً. ففي خلال الفترة ذاتها، كشف بحث مسحي شمل 1095 من أعضاء نقابة المؤلفين عن أن متوسط دخلهم من الكتابة قد انخفض بنسبة تصل إلى 30 في المئة على الأقل.

ومن الواضح أن كتاب المواضيع الرومانسية يعرفون شيئاً ما لا يعرفه الكتاب الآخرون، ولا كتاب القطعة غير المتفرغين. ويمكن للأمريكيين الموظفين بعقود مؤقتة والذين يمثلون ثلث القوى العاملة في بلادهم أن يتعلموا بعض الدروس من هؤلاء الكُتاب.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption لن يتمكن أي كاتب في حقل الرومانسية من جني عشرات الملايين مثلما فعلت إي إل جيمز، لكن كُتاب الحب والجنس باتوا يحققون مكاسب مالية أكثر مما اعتادوا في السابق

فقد بلغ عدد الذين عملوا بالقطعة عام 2016 في الولايات المتحدة 57.3 مليوناً، طبقاً لدراسة نشرتها مؤسسة إديلمان إنتيليجنس للأبحاث.

وقد توصل عالما الاقتصاد لورانس كاتز، و آلان كرويغر، إلى أن 15.8 في المئة من الأمريكيين يجرون "ترتيبات لإيجاد عمل بديل" (مثل العمل بالقطعة، والعقود القصيرة، والعمل المؤقت ..الخ)، بزيادة قدرها 9.1 في المئة. وقد توصلا أيضا إلى أن كل الزيادة في عدد الوظائف في الولايات المتحدة من 2005 إلى 2015 جاءت من هذا النوع من العمل.

إن لم تكن تعمل بالقطعة حالياً، فربما تصبح كذلك قريباً. وتتوقع مؤسسة إديلمان أنه بناء على معدلات النمو الحالية، فإن أكثر من نصف القوى العاملة الأمريكية ستنخرط في وظائف مؤقتة أو بالقطعة بحلول عام 2027.

ولا يوجد اتفاق بين الخبراء على أن هذا التوجه جيد أو سيء بالنسبة للعمال والاقتصاد. الحرية أمر جيد، لكن العمل بالقطعة مردوده المادي قليل في الغالب.

وبينما يتمكن عدد قليل من الكتاب من أن يصبح من الأثرياء من تأليف الكتب فقط، توصلتُ أنا إلى أن نصف كتاب المواضيع الرومانسية حققوا مكاسب تقدر بأقل من 10,000 دولار عام 2014، وباتت قدرتهم على الاعتماد مادياً على أنفسهم في تزايد مستمر.

وفي الوقت الذي حقق فيه ستة في المئة فقط من الكتاب نحو 100 ألف دولار عام 2008، حقق 15 في المئة من الكتاب هذا المبلغ عام 2014. ويكسب غالبية العاملين بعقود مؤقتة وتلك المحدودة بمهام معينة، بمن فيهم الكتاب، قوت يومهم عبر العمل في وظائف متعددة.

ربما تظن أن كتاب المواضيع الرومانسية ينجحون لأن الكتابة في موضوعات الجنس والموضوعات المماثلة تلقى إقبالاً من القراء. لكن ذلك وحده لا يفسر سبب تفوق كتاب الرومانسية على أقرانهم فيما يتعلق بمبيعات الوسائط الرقمية (الديجيتال).

على عكس ذلك، هناك ثلاثة أمور مدهشة هيأت لكتاب الرومانسية سبل النجاح: فهم يرحبون بالكتاب الجدد من أقرانهم، وينشرون معلومات مفيدة تهم القاريء في ثنايا كتاباتهم، ويطلبون النصيحة والاستشارة من حديثي العهد بمهنة الكتابة.

الترحيب بالكتاب الجدد

تمكن كُتاب الرومانسية في الولايات المتحدة، بعد أن قوبلوا بالرفض والاستهزاء من غيرهم من الكتاب خلال السبعينيات، من تشكيل رابطتهم المهنية الخاصة، والتي تعرف باسم "الرابطة الأمريكية لكتاب الرومانسية".

مصدر الصورة Alamy
Image caption يرحب كتاب الرومانسية بأن ينضم إلى رابطتهم كُتاب جدد، حتى ممن لم تنشر أعمالهم بعد

وتضم الآن في عضويتها 10,000 شخص. ومنذ تأسيسها عام 1980، احتضنت هذه الرابطة الكتاب الجدد. وعلى عكس المجموعات الأخرى الرئيسية من الكُتاب، ومعظم الاتحادات المهنية الأخرى، ترحب هذه الرابطة بأي شخص يسعى جاداً لشق طريقه في هذا المجال من الكتابة.

وبإمكان القادمين الجدد الالتحاق بهذه الرابطة بمجرد إكمالهم مسودة غير منشورة لقصة رومانسية.

فهناك تجمعات مشابهة في الولايات المتحدة، بما فيها "نقابة الكتاب"، و"كتاب أمريكا الغامضون"، و"الرابطة الأمريكية لكتاب الفانتازيا والخيال العلمي"، لكنها تقصر عضويتها الكاملة على الكتاب الذين لهم أعمال منشورة فقط.

وفي بعض الحالات، تقبل هذه التجمعات فقط الأعضاء الذين قامت شركات محددة بنشر أعمالهم، أو الذين جنوا مبلغاً محددأً من عائدات كتبهم.

وعلى عكس الرابطة الأمريكية لكتاب الرومانسية، فإن غالبية النقابات والإتحادات والروابط التجارية التقليدية تسمح بعضويتها فقط للراسخين في المهنة.

هذه الحواجز المفروضة على الانضمام إلى مثل هذه الروابط المهنية قد تؤدي إلى تعطيل وركود بعض المهن، خصوصاً مع التغيرات التي يشهدها العصر الحالي.

هذه الظاهرة ليست جديدة

وتوصل البروفسور جون بادغيت، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، إلى أن عائلات الطبقة العليا في فلورانس بإيطاليا إبان عصر النهضة، التي تحالفت مع العائلات الجديدة من طبقات اجتماعية أقل مكانة، حققت ازدهارا واضحا، بينما تلاشى مع مرور الوقت تأثير أفراد النخبة الذين نأوا بأنفسهم عن الاختلاط بالقادمين الجدد.

تبادل ونشر المعلومات المفيدة

إن وجود تقليد راسخ من الرعاية والتوجيه يساعد حقا في انتشار الثقافة. وتنظم الرابطة الأمريكية لكتاب الرومانسية مسابقات للكتاب الذين لم ينشروا أعمالهم بعد، وتحدد لقاءات للمستجدين منهم، وتنظم مجموعات إلكترونية على مواقع غوغل، وياهو لتوجيه المستجدين، ومساعدتهم على الاندماج أكثر مع أعضاء الرابطة وأنشطتها المختلفة.

وقد أثبتت هذه الشبكات ومجموعات التواصل قيمتها وفعاليتها عندما فتحت منصات النشر الذاتي الرقمية أبوابها قبل عشر سنوات.

فقد قام العديد من كتاب الرومانسية ذاتيي النشر (الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم على شبكة الإنترنت) بتبادل الحديث عن أخطائهم، ونجاحاتهم مع كتاب آخرين، في الوقت الذي يحاولون فيه اتباع وسائل رقمية جديدة للنشر والترويج. ومن بين هؤلاء الكاتبة بيلا أندريه، صاحبة سلسلة كتب "عائلة سوليفان".

مصدر الصورة Alamy
Image caption هل يمكن للروح التعاونية التي يتحلى بها كتاب الرومانسية مساعدة مجموعات أخرى من أصحاب الأعمال المؤقتة الذين يحددون أسعارهم بأنفسهم؟

وهناك الكاتبة ميري فورس، صاحبة سلسلة "غانسيت آيلاند" الأكثر مبيعاً، والتي أنشأت مجموعة تواصل على الإنترنت سمتها "مجموعة النصيحة للكتاب ذاتيي النشر". وقد عبر بعض الكتاب، مثل برينا أوبيري التي تدور قصصها الرومانسية حول ثقافة المهووسين بالتكنولوجيا الحديثة، من خلال هذه المجموعات عما جنوه من أموال.

هذه الشفافية المتطرفة التي دفعت الكثير من كتاب الرومانسية إلى النجاح رقمياً يمكن أن تنجح في مجالات أخرى. على سبيل المثال، يمكن للموظفين غير المتفرغين لوظيفة واحدة أن يستفيدوا من التبادل العلني لمستوى الأجور على النطاق المحلي، وكذلك ما يمكن أن يفعله العمال والموظفون الذين يعثرون على وظائف عبر عدد من المواقع، مثل أبوورك وتاسكرابيت، والتي حددت كثير منها أسعارها الخاصة بها.

الاستماع إلى نصائح المستجدين

حقق انفتاح كُتاب الرومانسية منفعة غير متوقعة لهم، تتمثل في إمكانية الوصول لأصحاب الرأي السديد من أقرانهم. فأكثر كتاب الرومانسية نجاحاً من الذين قرأت عنهم من أصحاب الباع الطويل في الكتابة طلبوا النصيحة من أقرانهم المستجدين من الكتاب.

وباستخدام وسائل تحليل لمواقع التواصل الاجتماعي، اطلعت أنا وزميلتي إليزبيث ريدي على نماذج للنصائح المتبادلة بين 4,200 من كتاب الرومانسية الذين شملتهم الدراسة التي أجريناها معا.

وفي الوقت الذي يمكن لك فيه افتراض أن الكتاب المبتدئين يسعون للنصيحة أكثر من أي شخص آخر، إلا أن الأمر ليس كذلك. ففي الوقت الذي سعى فيه 72 في المئة من الكتاب المبتدئين، الذين شملتهم الدراسة، إلى النصيحة العام المنصرم، سعت مجموعة من الكتاب الراسخين أيضا إلى النصائح بنفس النسبة تقريبا.

وكان هؤلاء كتاب راسخون يبدون اهتماماً بالتحول إلى فكرة النشر الذاتي، وخاض الكثير منهم تجربة النشر الذاتي بنجاح.

وتوصلتُ إلى أنه بحلول عام 2014، حقق الكتاب الذين ينشرون بالطريقة التقليدية، وأضافوا إلى تجربتهم أيضاً تجربة النشر الذاتي، مكاسب مادية زادت على مكاسب غيرهم من الكتاب الرومانسيين التقليديين.

ويبلغ متوسط الدخل السنوي لهؤلاء الكتاب الذين ينشرون كتبهم بالطرق التقليدية وبوسائل النشر الذاتية على الإنترنت معا، نحو 87 ألف دولار.

وبالطبع فإن معظم المؤلفين لا يكسبون ذلك المبلغ. فنصفهم كان دخله أقل من 10 ألاف دولار في السنة. وقد اعتمد بحثي على ما أفصح عنه الكتاب أنفسهم من حجم دخولهم، وهو ما يمكن ألا يكون دقيقاً بشكل كامل.

لكن رغم ذلك، وبشكل عام، تحسنت فرص هؤلاء الكتاب مع نمو الاقتصاد المعتمد على الوظائف الرقمية المؤقتة، بينما أصبح كتاب آخرون يكسبون أقل من الماضي.

وفي وقت يصبح فيه العمل أكثر انعزالية بصورة متزايدة، يبدو أنه من المناسب تماماً أن يكون هناك نموذج لتحقيق الرعاية والدعم المتبادل للموظفين الذين يعملون بدوام جزئي، والذين يكسبون لقمة عيشهم من خلال إقامة علاقات عمل ناجحة فيما بينهم.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على صفحة BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة