موظفات مراكز الاتصالات: تمييز وتحرش وأجر أقل

موظفة خدمة العملاء في أحد مراكز الاتصالات مصدر الصورة Getty Images

كيف يحدث أن تتفوق الفتيات على الصبية في المدارس باستمرار، ومع ذلك نجد أنهن يكسبن أجورا أقل، ويتبوأن مراكز قيادية متواضعة في أماكن العمل؟

رغم أنك على الأرجح قد تعاملت مع رجال ونساء على حد سواء من موظفي خدمة العملاء في مراكز الاتصالات، بقي أن تعلم أن 71 في المئة من العاملين في قطاع مراكز الاتصالات عالميا هم من الإناث.

ويطلق البعض على هذه المراكز التي تقدم خدماتها للجمهور وصف "غيتو النساء"، أو بتعبير أكثر إيجابية، "أماكن العمل الملائمة للنساء"، حيث نجد أن النساء يمثلن غالبية العاملين في هذه المراكز.

لكن كيف يمكن أن تتفوق البنات باستمرار على الصبية في المدارس، ومع ذلك، حين يكبرن ويدخلن المجال المهني، فإنهن يكسبن أقل، ويتبوأن مراكز قيادية أدنى، ويكون لهن تأثير أقل؟

وقد أجريت بحثا يسلط الضوء على هذه الظاهرة. وبعد مقابلات مكثفة مع مديري مراكز الاتصالات، وموظفي الاتصالات العاملين فيها، إضافة إلى التحقق والبحث في ظروف وممارسات العمل في هذا المجال في كل من اسكتلندا والدنمارك، أصبح واضحا أن مراكز الاتصالات هذه تعتمد أيضا على سلوكيات التفرقة الجنسية المترسخة في بعض المجتمعات.

اللعب حسب القواعد

يُنظم العمل داخل مراكز الاتصالات وفقا لقواعد وتعليمات صارمة، وهي أماكن عمل تحركها الأهداف المرسومة بدقة.

وتركز التعليمات المطلوبة من موظفي الاتصالات على التحدث مع الزبائن بأساليب معينة. ويراقب المديرون مدى تطبيق العاملين لهذه التعليمات، التي تعد معيارا يرتبط بمرتّباتهم وتقدمهم المهني.

ويُطلب من موظفي الاتصالات مثلا استخدام اسم العميل خلال المحادثة، وخلق أجواء مخاطبة قصيرة تتخللها كلمات محددة تدل على الإنصات، مثل "حسنا" و"حقا".

مصدر الصورة Alamy
Image caption هناك تعليمات خاصة تحدد طريقة تحدث موظفي الاتصالات مع الجمهور

وعندما قارنت امتثال الرجال والنساء من موظفي مراكز الاتصالات للغة المخاطبة المطلوبة منهم، ظهر لي نمط مثير للانتباه، وهو أن الموظفات أمتثلن للتعليمات الخاصة بهذا الأمر بثبات أكثر. وانطبق ذلك على النساء في مركزي الاتصالات في كل من اسكتلندا والدنمارك على حد سواء.

وبعبارة أخرى، التزمت النساء في مراكز الاتصالات أكثر من زملائهن الرجال باتباع التعليمات في لغة المحادثة، والإنصات لمعرفة مشاكل العملاء، واستخدموا أسماءهم، وشجعوهم على معاودة الاتصال عند الضرورة، وأنهوا المكالمات بمسحة شخصية، مثل "أتمنى لك وقتا ممتعا خلال عطلة نهاية الأسبوع"، كما طُلب منهن.

الفرق بين التعليم والعمل

لكن لماذا تمتثل موظفات الاتصالات أكثر من زملائهن الرجال لما هو مطلوب منهن في لغة المحادثات؟

هناك أدلة مستقاة من أبحاث عن مراحل تطور الأطفال خلال سنوات التعليم في المدارس تشير إلى ظاهرتين: البنات يُكافأن باستمرار على الامتثال للقواعد والتعليمات، لكنهن يعاقبن أشد من الصبية عند مخالفتها.

ويمكن بالطبع تصور انتقال مثل هذا التمييز الاجتماعي إلى أماكن العمل، والذي يظهر بوضوح أكثر في أماكن العمل الأكثر صرامة، التي يقاس فيها الأداء بمدى الامتثال للتعليمات وتحقيق الأهداف.

إن اتباع النساء بشكل أكبر للقواعد يفسر هاتين الظاهرتين. لكن في حين يُثمّن اتباع القواعد ويكافأ عليها في المدارس، فإن ذلك قد يتحول إلى رد فعل سلبي ضد الشابات عند دخولهن معترك الحياة المهنية. وهذا يفسر تكليفهن بأعمال تتطلب صرامة ودقة أكبر، مع منحهن مكانة أقل.

وقد توصلت أبحاث أخرى إلى أمور مشابهة، إذ تشير المقابلات التي أُجريت مع مديري مراكز الاتصالات، ومسؤولي توظيف العاملين في هذه المراكز، إلى إن الموظفات يُفضَّلن على الموظفين الرجال بسبب التزامهن أكثر بقواعد العمل.

ويتحدث المديرون (من كلا الجنسين) عن مواقف يقولون فيها: "تجد الرجال يقومون على الأرجح بأمور لم يكن ينبغي عليهم القيام بها، بينما تلتزم النساء بالإجراءات والطرق التي ينبغي اتباعها."

وبالطبع فإن الامتثال الكبير للنساء بقواعد العمل هو أحد الأمور التي تفسر سبب زيادة عدد النساء في شغل الوظائف بمراكز الاتصالات.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تُكافأ البنات على اتباع القواعد بصورة مستمرة، ويُعاقبن أشد من البنين عند مخالفتها

ولعل بعض النساء يخترن طوعا العمل في مراكز الاتصالات، لأن العمل فيها يكون في الغالب وفقا لساعات عمل مرنة، ما يجعلها تستقطب الأمهات اللاتي يرغبن في رعاية أطفالهن.

كما توجد اعتقادات مترسخة في المجتمع حول القدرات المختلفة لدى الجنسين، إذ تتطلب وظائف خدمة العملاء نوعا من المعاملة اللينة واللطيفة، وهو أمر يُعتقد أن النساء يتميزن فيه بشكل خاص.

المساواة بين الرجل والمرأة

لقد وفرت مراكز الاتصالات فرصا جديدة للنساء في المملكة المتحدة وغيرها من بقاع العالم. ورغم ذلك، وعلى المدى الطويل، يمكن لتوظيف أعداد أكبر من النساء في هذا المجال أن يضر بالمساواة بين الجنسين.

إذ يُعرف عن وظائف مراكز الاتصالات عالميا سمعتها السلبية، بسبب سرعة تغيير الموظفين فيها، وزيادة نسب التغيب عن العمل، وزيادة أعباء العمل على الموظفين، والإجهاد المستمر.

ويتعرض العاملون في مراكز الاتصالات في الغالب إلى التحرش الجنسي، والتعسف المباشر من بعض العملاء، ويقعون تحت مخاطر متواصلة بسبب التعرض لنوبات الغضب التي تنتاب بعض الزبائن.

وإذا ما دُفعت النساء لشغل هذه الوظائف ذات المرتبات المتدنية، والمجهدة، والتي يكون دورهن فيها محدودا، ومنزلتهن متدنية، فإن مواهبهن المختلفة ستضيع في مثل هذه الأماكن.

كما يُحتمل أيضا أن يُمارَس في أماكن العمل هذه تمييز ضد رجال يرغبون في العمل فيها، ولديهم القدرة على ذلك.

لكن رغم ما ذُكر، تتوسع الوظائف في مراكز الاتصالات بصورة مستمرة. وفي أوروبا، حيث أجريت بحثي هذا، ينمو هذا القطاع بنسبة عشرة في المئة كل سنة.

وتشكل مراكز الاتصالات حاليا واحدا من أهم مجالات التوظيف في اقتصاد الخدمات العالمي، الذي أصبح لا يعرف الحدود بين الدول.

وإذا أردنا الحصول على قوى عاملة أكثر تنوعا، واستغلال مواهب كل فرد بطريقة تفجر الطاقات الكامنة لديه، فقد حان الوقت لكي نبدأ في مواجهة ممارسات التوظيف الخاطئة المتبعة في مراكز الاتصالات حول العالم.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على صفحة BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة