السر وراء "حرب الأسعار" بين مطاعم الوجبات السريعة بالولايات المتحدة

طعام الوجبات السريعة مصدر الصورة Getty Images

أثار إغلاق أكثر من نصف فروع محلات كنتاكي البالغ عددها 900 فرع في المملكة المتحدة مؤخرا، حالة من الذعر بسبب نقص الدجاج، إلى درجة أن شرطة لندن في منطقة تاور هاملتس طلبت عبر حسابها على موقع تويتر من المواطنين التوقف عن الاتصال بها للاستفسار عن أزمة كنتاكي.

ومن الواضح أن الزبائن الغاضبين يأخذون مسألة وجباتهم السريعة على محمل الجد، ولهذا تبنت سلاسل المطاعم الكبرى في الولايات المتحدة استراتيجيات جديدة.

ففي ديسمبر/ كانون الأول، أعدّ المحللون الماليون بمجموعة كريدي سويس تقريرا يشير إلى أن ما يسمى بـ "حرب أسعار" تدور رحاها بين مطاعم الوجبات السريعة الأمريكية.

واستهلت سلسلة مطاعم ماكدونالدز العام الحالي بمجموعة من العروض الجديدة تسمى "قائمة الدولار، والدولارين وثلاثة دولارات"، التي تتيح للزبائن الاختيار بين مكونات مختلفة ضمن تلك القوائم الثلاث.

وسرعان ما سار منافسوها على خطاها، إذ أضافت سلسلة مطاعم "وينديز" لشطائر البرغر 20 صنفا جديدا لا يتعدى سعر الواحد منها دولارا واحدا، وتلتها سلسلة "تاكو بيل" للأطعمة المكسيكية، التي تبيع البطاطس المقلية بصلصة الناتشوز بدولار واحد.

وربما تكون سلسلة ماكدونالدز قد أقدمت على تخفيض الأسعار في يناير/ كانون الثاني لجذب المزيد من الزبائن بعد أن أشارت تقديرات مجموعة كريدي سويس إلى أن عدد زائري فروع ماكدونالدز قد تراجع بنسبة 11 في المئة تقريبا في الفترة من 2012 إلى 2016.

لكن كيف تحقق هذه المطاعم ربحا من بيع شطيرة البرغر بدولار واحد، في حين يتقاضى العامل الذي يقدمها نحو 10 دولارات في الساعة؟

مصدر الصورة Getty Images
Image caption بعض المشاكل أدت إلى إغلاق 900 فرع من سلسلة محلات كنتاكي في المملكة المتحدة مؤقتا

والإجابة هي الكميات الكبيرة، إذ تبيع هذه المطاعم كميات مهولة من شطائر البرغر، أو قطع الدجاج المقلية أو البطاطس المقلية.

ونظرا لهيمنة عدد قليل من المؤسسات على سوق الوجبات السريعة، وهو ما يُسمى باحتكار القلة، تسعى المؤسسات جاهدة لتمييز منتجاتها عن منتجات منافسيها بطرق شتى، منها إطلاق أوصاف مختلفة على منتجاتها أو إضافة ألعاب ودمى لوجبات الأطفال.

وانتهى المطاف بهذه المؤسسات إلى التنافس على تخفيض الأسعار، في سباق للوصول إلى أدنى حد من الأسعار، على حد قول باتريشيا سميث، أستاذة اقتصاديات الأطعمة السريعة، بجامعة ميشيغان.

لكن ما هو الدافع من وراء هذه الاستراتيجية؟ تهدف هذه المؤسسات إلى إغراء الزبائن لشراء أكبر كم ممكن من الأطعمة المخفضة.

وتقول سميث: "ستحقق سلسلة مطاعم ماكدونالدز ربحا من الشطيرة التي تباع بدولار واحد، إذا استطاعت أن تبيع كميات هائلة منها، وكانت تكلفة الواحدة منها أقل من دولار". وتضيف سيمث أن الأصناف الإضافية لا غنى عنها لزيادة الأرباح.

وتضيف: "تقوم هذه الاستراتيجية التسويقية على جذب الزبائن إلى المطعم ثم ترغيبهم في شراء المزيد من الأصناف، مثل البطاطس المقلية، والمشروبات والحلويات".

لكن تدني الأسعار قد يأتي بأثر عكسي إذا تجاوز التخفيض كلفة الطعام والإنتاج وأدى إلى تقليص هامش الربح. وفي عام 2009، رفع بعض أصحاب حق الامتياز في شركة "برغر كينغ" دعوى قضائية على الشركة على خلفية عرض جديد كان يحتم عليهم بيع شطيرة البرغر المزدوجة بدولار، بينما تبلغ تكلفتها الفعلية دولارا وعشرة سنتات. وأصدرت المحكمة حكما لصالح الشركة.

وقد يتوقف نجاح هذا الجولة الأخيرة من التخفيضات أو فشلها على عوامل عدة، منها التغيرات التي تطرأ على صناعة الوجبات السريعة.

أبناء جيل الألفية

ربما يدل هذا التراجع في أعداد زائري محلات الوجبات السريعة على أن أذواقنا تتغير. وقد تنامى عزوف الشباب تحت الأربعين وجيل المراهقين والأطفال فوق العاشرة، عن الأطعمة الغنية بالسعرات الحرارية التي قد لا تكون عضوية أو مُنتجة بطرق مستدامة.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption "حرب الأسعار" في الولايات المتحدة قد تشجع شركات مثل ماكدونالدز في بلدان أخرى على تجربة حظها

وأشار تقرير عالمي أعدته شركة "نيلسن" لتحليل البيانات عام 2015، إلى أن 41 في المئة من أبناء الجيل اللاحق لجيل الألفية و32 في المئة من أبناء جيل الألفية، "لا يمانعون أن يدفعوا مبالغ إضافية للحصول على عناصر منتجة بطرق مستدامة".

وتقول ماريون نسله، أستاذة التغذية ودراسات الأطعمة والصحة العامة بجامعة نيويورك: "تبدو الآن شركات الوجبات السريعة التقليدية قديمة وغير جذابة في نظر أبناء جيل الألفية، مقارنة بالمطاعم التي تتيح لهم اختيار مكونات أطباق سلطة الخضروات. وتسعى الأن هذه الشركات بشتى السبل لاستقطاب الزبائن".

ولهذا تعاقدت بعض الشركات، مثل ماكدونالدز، مع شركة "أوبر" لتوصيل الطلبات للزبائن في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا، من خلال تطبيق "أوبر إيتس".

ويقول مارتن كاراهير، أستاذ سياسات الأغذية والصحة بجامعة سيتي بلندن: "منذ خمس سنوات، كان العاملون بمطاعم الوجبات السريعة يطلبون من المراهقين المغادرة بعد الحصول على طعامهم، ولكنهم الآن يحثونهم على البقاء لأطول فترة ممكنه".

إلى أي مدى ستخفض الشركات أسعارها؟

لكن كيف تثبت هذه الاستراتيجية جدواها في تحقيق الربح للشركة، إذا كانت أسعار الأطعمة في قائمة المأكولات أقل من تكلفة العناصر المستخدمة في تحضيرها؟

تقول ماريون نسله إن النجاح الاقتصادي لمشروعات الوجبات السريعة مرهون بحجم الإنتاج. وتضيف: "الهدف هو جذب الزبائن لدخول المطعم، وكلما زاد الزبائن، زاد الربح".

ومع الوقت، قد تنجح هذه الأساليب في تعزيز الولاء للعلامة التجارية، واستقطاب زبائن سلاسل المطاعم الأخرى. فإذا خفضت مطاعم برغر كينغ أسعارها، ستتضطر مطاعم وينديز على مضض أن تعدل أسعارها وفقا للتخفيضات الجديدة.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption ربما لا يزال التنافس بين سلاسل المطاعم الكبرى على تقديم الوجبات الأقل ثمنا محصورا داخل الولايات المتحدة

وتقول سميث عن تغيير الحد الأدنى للأسعار: "هذه الاستراتيجية لفتت أنظار الشركات من جميع القطاعات. وتتساءل هذه الشركات: 'هل نرفع الأسعار وننتظر ردود الفعل؟ أم نخفض الأسعار ونقلل هامش الربح، (ولكن المبيعات ستزيد)؟'

ويُعرف هذا المبدأ الاقتصادي باسم مرونة الطلب. وتقول سميث: "قد يسهم تخفيض الأسعار في زيادة الربح الإجمالي للمؤسسة، إذا كان الطلب على المنتج مرنا، أي يتغير تبعا لتغير السعر. فإذا خفضت المؤسسة على سبيل المثال أسعارها بنسبة خمسة في المئة، وزادت الكمية المباعة بنسبة 10 في المئة، فيوصف الطلب في هذه الحالة بأنه مرن، وسيرتفع مجمل الربح".

وتشير سميث إلى أن التنافس الذي يشهده قطاع الوجبات السريعة هو أحد تجليات هذه النظرية، لأن هذا النوع من حرب الأسعار يظهر عادة في الأسواق التي تتنافس فيها بضع شركات كبرى بضراوة للهيمنة عليها.

وتقول إن حفنة من أقوى منتجي الوجبات السريعة في الولايات المتحدة تستحوذ على نحو 40 في المئة من هذا السوق، وتضيف: "ليس من المستغرب أن نرى حرب الأسعار في هذا النوع من الأسواق". وحققت هذه الشركات في أمريكا أرباحا قدرها 80 مليار دولار.

هل يشهد العام الحالي رواج الوجبات الموفرة؟

ربما لا يزال التنافس بين سلاسل المطاعم الكبرى على تقديم الوجبات الأقل ثمنا محصورا داخل الولايات المتحدة، لكن الاتجاه إلى بيع الوجبات المجمعة بأسعار أقل من تكلفة كل مكون على حدة، فيما يسمى بالوجبات الموفرة، قد انتشر خارج الولايات المتحدة أيضا.

ولكن كاراهير يرى أن استراتيجيات التسعير الأمريكية قد يتعذر تطبيقها على أسواق الوجبات السريعة في البلدان الأخرى. إذ أن الطلب على الأطعمة المنتجة بطرق مستدامة في أوروبا، على سبيل المثال، يفرض على ماكدونالدز اتباع سياسات مختلفة.

ولهذا لا تستخدم سلسلة مطاعم ماكدونالدز في المملكة المتحدة إلا لحوم الأبقار من المزارع البريطانية والأيرلندية، وتعيد تدوير زيت الطهي وقشور البيض لإنتاج الديزل الحيوي، وبحلول عام 2020 ستحصل على القهوة من مصادر تراعي المعايير الأخلاقية والبيئية.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption خاضت سلاسل مطاعم "تاكو بيل"، و"جاك إن ذا بوكس" و"وينديز" وغيرها من المطاعم الأمريكية حرب أسعار مع ماكدونالدز

ويقول كراهير إن تدني الأسعار قد يضع سمعة الشركة على المحك، وهذا لن يرضي زبائنها من أبناء جيل الألفية الذين يهتمون بالجوانب الأخلاقية.

مستقبل الوجبات السريعة

تعقيبا على طلب من "بي بي سي كابيتال"، لم تكشف سلاسل مطاعم ماكدونالدز ووينديز وتاكو بيل عن جميع الأسباب التي دعتها لإتاحة قوائم الوجبات الموفرة الجديدة، ولكن السبب الحقيقي من دون شك هو استغلال احتياجات المستهلك.

ويقول المتحدث باسم مطاعم وينديز: "علمنا من الزبائن أنهم ينفقون نحو خمسة دولارات على وجبة الغداء، ولهذا كان عرض الأربعة مكونات مقابل أربعة دولارات مغريا".

وتقول سميث: "أظن أنهم يحاولون الحفاظ على زبائنهم الحاليين" بدلا من محاولة استمالة الشباب الأصغر سنا الذين يفضلون اللحوم من الحيوانات التي رُبيت على العشب والخضروات العضوية.

وأثارت أسعار الوجبات الجديدة مخاوف خبراء الصحة العامة، وتقول ماريون نسله إن انخفاض أسعار الوجبات الموفرة يشجع زبائن هذه المطاعم على تناول كميات أكبر من الطعام وأكثر من مرة، وهذا قد يمثل مشكلة في الولايات المتحدة التي سُجلت فيها أعلى معدلات سمنة في العالم.

ومن يدري؟ إذا استمر إقبال أبناء جيل الألفية والجيل اللاحق لهم على الأطعمة المنتجة بطرق مستدامة بيئيا، فربما تنجر سلاسل مطاعم أخرى إلى حرب الأسعار.

وتشير نسله إلى التنوع الذي يشهده قطاع الوجبات السريعة، ودخول سلسلتي مطاعم أمريكيتين في هذا المضمار، مثل "سويت غرين" و"فريش"، اللتين لا تخلو أطباقهما من الخضروات الطازجة، ونوهت إلى زيادة متاجر البيع بالتجزية التي تبيع الأطعمة الصحية، مثل "هول فودز".

تقول نسله: "أرى أن قطاع الوجبات السريعة يتغير وستزيد فيه البدائل الغذائية الصحية تدريجيا".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على صفحة BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة