الترقي الوظيفي قد يقودك إلى الفشل أحيانا

مكاتب العمل أثناء الليل مصدر الصورة Getty Images

ينظر الناس عادة للترقي الوظيفي على أنه نجاح مهني يستحق الاحتفال، لكنه قد يعني أيضا الحصول على منصب أنت لست مؤهلا ولا مستعدا لتوليه، ومن ثم يقودك إلى الفشل.

وقع ماركوس كلاوس في مأزق شديد أعاق نجاحه المهني، وكان السبب هو قبول ترقية جديدة.

إذ ترقى كلاوس رغم أنه يفتقر للخبرة المطلوبة لتولي ذلك المنصب المثقل بالمهام والأعباء الإدارية. وأدرك في النهاية أنه لا يمتلك المهارات غير الفنية، مثل مهارات القيادة، التي ستؤهله للنجاح في هذا المنصب، والتدرج في السلم الوظيفي.

ويقول كلاوس، وهو استشاري في مجال النقل والخدمات اللوجستية والتوريدات، بمدينة ستافورد بالمملكة المتحدة: "اهتزت ثقتي بنفسي" عندما شعرت أنني غير مستعد لتولي المنصب الجديد. وهذا الشعور أثر سلبا على أدائه، واضطر إلى الاستقالة من الشركة التي ظل يعمل فيها طيلة عقد من الزمان، وعثر على وظيفة أنسب لمهاراته.

في الوقت الذي يحتفل فيه معظم الموظفين بالترقية ويتلقون رسائل التهنئة من الزملاء، فإن بعض الموظفين يرون أن الترقي لمنصب أعلى، في الوقت غير المناسب، قد يضر بمستقبلهم المهني.

تقول ديان دومير، المديرة التنفيذية بفرع "كرياتيف غروب" من مؤسسة "روبرت هاف" للتوظيف في الولايات المتحدة، إن الترقية قد تولد نتائج عكسية لو كان الموظف يفتقر للمهارات الناعمة، التي توصف بأنها المهارات الشخصية التي تمكّن الشخص من التفاعل والتواصل مع الأخرين بذكاء وكفاءة، وهذه المهارات هي التي تؤهل الموظف للترقي لوظيفة مثقلة بالأعباء والمهام الإدارية.

وبعض الموظفين لا يرغبون في تولي منصب سيثقل كاهلهم بالمهام والمسؤوليات، رغم أنه قد يبدو فرصة مغرية للترقي. وتقول دومير تعليقا على رفض الترقي: "إما أن الموظف يفتقر للمهارات التي ستؤهله للنجاح في المنصب الجديد، أو أنه ليس متحمسا لتولي المنصب".

وإذا شعر الموظف بأنه مرغم على قبول منصب إداري أعلى، بسبب سلوكيات الموظفين والمديرين والتنافس الوظيفي داخل الشركة، فإن ذلك قد يضر بمستقبله المهني.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption أوضحت دراسة أجراها معهد الإدارة المعتمد عام 2018 أن مديري الإدارة الوسطى يعملون ساعات إضافية تعادل 44 يوما في السنة، وهذا يعرضهم للإصابة بالإجهاد والأمراض

وتقول تيسي بيهام، المديرة التنفيذية بمؤسسة "دي دي أي" للاستشارات في مجال الموارد البشرية بالولايات المتحدة، إن التحفيز الدائم للموظف على التدرج الوظيفي سواء من جانب الزملاء في العمل أو المديرين، سيؤثر سلبا على أدائه.

وأشارت نتائج استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "دي دي أي" إلى أن العاملين الذي شعروا بأنهم مرغمون على قبول الترقية هم أكثر عرضة بثلاثة أضعاف للشعور بعدم الرضا عن المنصب الجديد، وتزيد احتمالات تركهم للوظيفة بمقدار الضعف، مقارنة بالموظفين الذين يسعون للترقية بمحض إرادتهم.

وتضيف: "إذا قبلت المنصب لأن أحدا لم يتقدم لشغله، أو إذا أصبحت قائدا بالإكراه، فإن الترقي قد يأتي بنتائج عكسية".

وخلصت دراسة أجرتها مؤسسة "دي دي أي"، إلى أن نحو 41 في المئة من الموظفين حول العالم قبلوا الترقية لكي يحظوا بتقدير واحترام زملائهم، بينما وافق 29 في المئة على تولي منصب جديد بعد أن أغرتهم المزايا المادية والمعنوية وفرص السفر.

وتقول بيهام: "قد ينظر البعض للمنصب على أنه رمز للمكانة الإجتماعية. وهذه النظرة خاطئة تماما".

ويقترح إدوين تريفور ربورتس، الذي يدير مؤسسة للتخطيط المهني في مدينة بريسبان بأستراليا، إمعان النظر في الترقية قبل قبولها. ويطلب من الناس ممارسة نوع من الاستغراق الذهني، بأن يتخيلوا يوما أو أسبوعا في الوظيفة الجديدة وكيف سيتعاملوا مع مهام المنصب الإداري الجديد.

ويقول ربورتس: "والسؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه المرء على نفسه هو "هل أرى نفسي جديرا بمنصب قائد؟"

اختبر دوافعك الحقيقة

مصدر الصورة Getty Images
Image caption خلصت دراسة أجرتها مؤسسة "دي دي أي" إلى أن العاملين الذين يقبلون الترقية امتثالا لسياسة الشركة، هم أكثر عرضة للشعور بعدم الرضا عن المنصب الجديد بثلاثة أضعاف، وتزيد احتمالات تركهم للشركة

وتقول جو ميلر، مدربة مهارات القيادة للنساء في ولاية إيوا بالولايات المتحدة إن النتائج العكسية للترقية لا تتضح أحيانا بعد تولي المنصب الجديد مباشرة، لأن أغلب الشركات لا تقيّم أداء الموظفين في المناصب العليا، وقد لا يدرك الموظف أن المنصب يضر بمستقبله المهني.

وتضيف: "يُفصل الموظفون بشكل عام من وظائفهم بسبب حصولهم على ترقية ليسوا أهلا لها، ثم تمرّ أخطاؤهم دون مراجعة أو تصويب ويكون مصيرهم الفصل من الشركة".

وبعد عام من انتقاله من إدارة المبيعات إلى منصب الرئيس التنفيذي، أدرك نايجل غرين، خبير المبيعات والتسويق بولاية ناشفيل بالولايات المتحدة الأمريكية، أنه ارتكب خطأ جسيما بقبوله هذه الترقية.

إذ شعر غرين بعد أن أمضى بضعة شهور في المنصب الجديد أنه غير مستعد لمواجهة تحديات الإشراف على المؤسسة التسويقية التي يعمل بها، ولم يستطع تحقيق توازن بين حياته العملية وحياته الشخصية.

كما أدرك غرين أنه عاجز عن اتخاذ القرارات، إذ كان يتلقى الأوامر من المساهمين ويبرر لهم جميع قراراته وتصرفاته، وقد استنفد ذلك وقته وطاقته.

ولم يكد يمضي عام، حتى كانت الشركة على وشك فصله من العمل، وقرر غرين الاستقالة من منصبه. ويقول غرين: "اضطررت إلى ترك الوظيفة لأنني لم أستطع التفرغ للعمل 80 ساعة في الأسبوع".

وتولى غرين منصبا في إدارة المبيعات بمؤسسة في مجال تكنولوجيا الرعاية الصحية ويقول إنه لا يقبل العروض، التي يراها البعض فرصا للترقي، إلا بعد دراستها والتفكير فيها بإمعان.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption منصب القائد محفوف بالصعوبات، ويعتمد النجاح في المنصب القيادي على المهارات الناعمة، مثل التفكير التحليلي، أكثر من اعتماده على المعارف الفنية وخبايا المهنة

ويتمتع غرين بقدرة فذة على التواصل مع الأخرين والتعامل مع المبيعات، وهذا ما يجعله متمسكا بوظيفته الحالية في مجال المبيعات. ويقول غرين: "يجب أن تتحكم في دوافعك الذاتية. وأن تسأل نفسك: هل أريد أن أحصل على هذه الوظيفة لمصلحتي ومصلحة عائلتي أم أريدها فقط سعيا وراء المديح والإطراء ونيل تقدير الأخرين؟"

انعكاسات غير متوقعة

تقول هايدي ماكبين، استشارية بولاية تكساس، إن الموظفين الذين يحبون الأعمال التي يزاولونها سيجدون صعوبة في الانتقال إلى الوظائف الإدارية. وبعد أن تبوأت ماكبين منصبا قياديا، وتخلت عن عملائها، انتهى بها المطاف إلى تقديم الاستقالة.

وبالرغم من مميزات هذا المنصب الرفيع ماديا ومعنويا، إلا أن ماكبين افتقدت العمل مع عملائها مباشرة، ولم تستمتع بإدارة أعمال الاستشاريين الآخرين قدر استمتاعها بتقديم المشورة بنفسها لعملائها.

وتقول ماكبين: "كان لهذا المنصب نتائج عكسية بالطبع على حياتي المهنية".

وتمتلك ماكبين حاليا شركتها الخاصة لتقديم المشورة والإرشاد عبر الإنترنت.

وتقول ديان دومير، إن كل شيء يتغير. وفي ظل اتجاه المؤسسات إلى تقليص عدد الموظفين في الإدارة الوسطى، يلاحظ الخبراء المهنيون أن الموظفين الأصغر سنا يرفضون مناصب تُسند إليهم رغم أنها قد تتيح لهم الفرصة للتدرج الوظيفي بالطريقة التقليدية.

وتقول ديمور، التي تركز على المهن الإبداعية: "يؤثر الكثير من العاملين بإدارة تقنية المعلومات أو في المهن الإبداعية تأثيرا كبيرا في أداء المؤسسة رغم أنهم لا يتولون مهاما إدارية. فإن قيمة الموظف في المؤسسة لا تُقاس بالمنصب في السلم الوظيفي".

وتحذر جو ميلر الموظفين الأصغر سنا من قبول الترقية فقط بحثا عن تحقيق الذات وتحدثهم عن المزايا غير الملحوظة التي قد تعود عليهم إذا قبلوا وظيفة أدنى في مؤسسة أخرى.

وترى ميلر أن الاعتقاد بأن جميع الترقيات تعود بالنفع على المستقبل المهني هو مجرد خرافة، وتقول: "يجب ألا يخشى الناس من التخلي عن المنصب القيادي والنظر إلى الأمور من منظور أوسع".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital

المزيد حول هذه القصة