لماذا تستعين "غوغل" ومثيلاتها ببرامج "التأمل" لموظفيها؟

موظفة تمارس التأمل في مكتب العمل مصدر الصورة Getty Images

تنفق بعض الشركات مبالغ ضخمة على برامج التدريب على الاستغراق الذهني والتأمل، ولكن هل تسفر هذه البرامج عن نتائج غير مرغوبة؟

أصبحت ممارسة التأمل منذ فترة طويلة علاجا شافيا لجميع الأسقام في الغرب، بعد أن أيدت دراسات عديدة مزايا التأمل، مثل الحد من الإجهاد، وتحسين التركيز.

ولفتت هذه الممارسة أنظار الكثير من المؤسسات الكبرى، مثل غوغل، ونايك، فاستعانت ببرامج التأمل لمعالجة مشكلات عديدة لدى الموظفين، مثل الضغط النفسي، ومعدل دوران العمالة (أي معدل ترك الموظفين للشركة)، والتغيب عن العمل.

واستُخدم التأمل أيضا كوسيلة لتحفيز الموظفين في بيئات العمل. ويعود الفضل في ذلك، إلى حد ما، إلى بحث ربط بين الصحة النفسية وزيادة الإنتاجية.

لكن دراسة حديثة أشارت إلى أن اليقظة الذهنية (أو ما يعرف أيضا بالاستغراق الذهني)، وهي أحد الأنواع المعروفة من التأمل التي تعتمد على التيقظ والوعي بجميع التجارب الحسية في اللحظة الراهنة، قد لا تكون الطريقة المثلى لتحفيز الموظفين في بيئات العمل.

تقول كاثلين فوهز، أستاذة التسويق بجامعة مينيسوتا، والتي شاركت في إعداد هذه الدراسة: "التأمل يعتمد على قبول الأمر الواقع، وهذا يتعارض مع تحفيز الشخص للتأثير على الوضع الراهن، إن لم يكن مرضيا، ولهذا فإن التأمل لا يمكن أن يؤدي إلى تحفيز الشخص لبلوغ هدفه".

وأجرت فوهز خمس دراسات شارك فيها مئات المتطوعين. إذ استمع 109 مشاركين في الدراسة الأولى إلى تعليمات مدرب تأمل عن كيفية ممارسة أساليب اليقظة الذهنية. وقورن أداء المشاركين مع مجموعة أخرى للمقارنة طُلب من أفرادها أن يسرحوا بفكرهم كما يريدون.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يشهد قطاع خدمات التدريب على التأمل نموا متسارعا، إذ أشار تقرير لمؤسسة "أيبيس وورلد للأبحاث" إلى أن تلك الخدمات من المتوقع أن تدرّ 1.15 مليار دولار في الولايات المتحدة في 2018

وبعد انتهاء جلسة دامت 15 دقيقة، طُلب من جميع المشاركين تأدية بعض المهام البسيطة، مثل إعادة ترتيب الحروف لتكوين كلمات جديدة، ومراجعة وتحرير خطاب توضيحي. ثم طُلب منهم تقييم مدى اهتمامهم وحرصهم على تأدية المهمة.

واكتشف كل من فوهز، وأندرو هافينبراك، وهو من كلية إدارة الأعمال والاقتصاد بالجامعة الكاثوليكية في العاصمة البرتغالية لشبونة، والذي شارك في إعداد الدراسة، أن مجموعة المشاركين الذين مارسوا التأمل كانوا أقل حماسا من المجموعة الأخرى، رغم أن فتور همتهم لم يؤثر على أدائهم.

بالإضافة إلى هذا، كان الأشخاص الذين مارسوا عملية التأمل من خلال أساليب اليقظة الذهنية أقل تطلعا إلى المستقبل. وذكر الباحثون أن ذلك قد يعيق العمليات السلوكية التي تساعد على تحقيق الأهداف.

وترى فوهز أن الدراسة تكشف عن مخاطر تطبيق ممارسات لا يؤيدها الكثير من الأبحاث العلمية.

وتقول: "يعشق الغرب بوجه عام، والأمريكيون بوجه خاص، الأدوية الشافية لجميع الأمراض. فإذا طرحت اليقظة الذهنية في الأسواق في شكل أقراص، ستجد رواجا واسعا. إذ إنها لن تكلفك شيئا ويسهل حملها من مكان لآخر، وفوق ذلك، خالية من السعرات الحرارية، فكل ما عليك فعله هو الجلوس والاسترخاء دون أن تحرك ساكنا".

وتضيف: "لكن فكرة أن يكون العلاج لجميع المنغصات هو الجلوس والتأمل دون أن تفعل شيئا، هو مجرد تكهن لا يستند إلى دليل علمي".

وقد جاءت رسالة فوهز في وقت يشهد قطاع خدمات التدريب على التأمل نموا متسارعا، إذ ذكر تقرير نشرته شركة "أيبيس وورلد" للأبحاث عن مقدمي خدمات الرعاية الصحية البديلة في الولايات المتحدة أن خدمات التأمل من المتوقع أن تدر 1.15 مليار دولار للاقتصاد الأمريكي في عام 2018.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption لفتت مهارة اليقظة الذهنية أنظار بعض الشركات الكبرى، واستعانت ببرامج التدريب على التأمل لمعالجة بعض المشكلات مثل الضغوط النفسية، ومعدل دوران العمالة، وتغيب الموظفين

لكن بيتر مالينوسكي، عالم النفس ومدير معمل أبحاث التأمل بمركز أبحاث جامعة مورس للدماغ والسلوكيات في ليفربول، يقول في معرض انتقاده لهذه الدراسة: "حاول الباحثون حث المشاركين الذين لم يسبق لهم التأمل من قبل على الاستغراق الذهني، ولذا لا يمكن أن نتأكد من أن هؤلاء المشاركين كانوا في حالة من اليقظة الذهنية كما ذُكر في الدراسة".

ويتابع: "حاول الباحثون المزج بين برنامج التأمل وبين حث المشاركين على الاستغراق الذهني لوقت قصير، مع الإيحاء للقارئ بأن هذه هي الطريقة الصحيحة لممارسة الاستغراق الذهني، ولكن هذا ليس صحيحا".

وتقول غايلي ديسبوردس، عالمة الأعصاب بمستشفى ماساتشوستس العام، والتي تستعين بأجهزة مسح الدماغ للكشف عن تأثير التأمل على الدماغ، إن نتائج هذه الدراسة معقولة ولكنها تطرقت فقط إلى جلسات التأمل القصيرة وشارك فيها متطوعون لم يسبق لهم ممارسة التأمل من قبل.

وقد استقطب الاستغراق الذهني اهتماما مؤخرا في مجال البحث العلمي، رغم أن أبحاثا قليلة تناولت تأثير الاستغراق الذهني والتأمل على الموظفين في مكان العمل. وزادت أعداد التجارب التي أجرتها جامعات مرموقة عن اليقظة الذهنية في السنوات الأخيرة، ولكن الكثير من الدراسات كان ضيق النطاق وركز فقط على العلاج بجلسات التأمل القصيرة.

وبحسب استعراض للدراسات، أجراه دافيد كريسويل من جامعة كارنيغي ميلون في عام 2016، خلصت بعض الدراسات الأكثر مصداقية إلى أن اليقظة الذهنية تساعد في الحد من أعراض الاكتئاب، والتعامل مع الآلام المزمنة وعلاج الإدمان.

لكن كريسويل ذكر أيضا أن عدد الدراسات التي تناولت تأثير اليقظة الذهنية خارج العيادات الطبية كان أقل، وأن الشركات تطبق برامج التدريب على اليقظة الذهنية رغم عدم وجود تجارب عالية الجودة تثبت جدواها.

ولا يوجد أيضا ما يكفي من الدراسات لإثبات الآثار الإيجابية أو السلبية لليقظة الذهنية على التحفيز بشكل عام.

وفي الوقت نفسه، أجريت دراسة أخرى في ألمانيا وهولندا عن تأثير اليقظة الذهنية على الموظفين في بيئات العمل، ولاحظ الباحثون أن تمرينات اليقظة الذهنية حسنت صحة المشاركين النفسية وساهمت في تقليل مستويات التوتر والإجهاد، ولكن الدراسة لم تتطرق إلى تأثيرها على التحفيز.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تسلط دراسات عديدة الضوء على مزايا اليقظة الذهنية، التي قد تتضمن تقليل مستويات التوتر والإجهاد وتحسين التركيز. وقد لاقت تمارين اليقظة الذهنية رواجا في المدارس

إذن، قد تبدو الصورة ملتبسة. وتقول ديسبوردس إن ما يزيد الأمر سوءا أنه لا يوجد تعريف واضح لليقظة الذهنية. وبينما يركز بعض مدربي اليقظة الذهنية على أهمية التغاضي عن المعاناة والهموم اليومية لتحقيق مستوى أعلى من الوعي والانتباه للحظة الراهنة، يروج آخرون لأهمية إمعان النظر في التحديات اليومية والبحث عن طرق للتغلب عليها، وهاتان الطريقتان لممارسة اليقظة الذهنية متنقاضان تماما.

غير أن هذا لم يثن بعض الشركات عن الاستثمار في برامج اليقظة الذهنية، بما فيها شركة "لينكد إن"، التي خصصت غرفا للتأمل في مقراتها بمدينة سانيفيل، وسان فرانسيسكو، ونيويورك، وسيدني.

وقُدر عدد المرات التي يزور فيها الموظفون غرف اليقظة الذهنية التسع بمقر الشركة بمدينة سانيفيل، بنحو 15 مرة يوميا في المتوسط. وبينما استخدمها البعض لممارسة شعائر دينية، فإن ما يتجاوز نصف عدد زيارات الغرفة كان لأغراض التأمل.

وتقيس الشركة مدى نجاح برنامج تحسين صحة الموظفين بمتابعة عدد الموظفين الذين شاركوا في فصول التأمل واستخدموا غرف اليقظة الذهنية وحضروا ورش عمل حولها، واستخدموا تطبيقات الاستغراق الذهني على الهاتف التي يروج لها البرنامج التدريبي.

ويقول مايكل سوسي، رئيس برنامج تحسين صحة الموظفين بجميع فروع شركة "لينكد إن" على مستوى العالم: "من خلال الاستماع إلى تجارب الموظفين مع برنامج ممارسة اليقظة الذهنية، والتأثير الإيجابي للبرنامج على حياتهم، أرى أن البرنامج كان ناجحا".

إذ أشارت نتائج استطلاعات الرأي والتعليقات في ورش العمل وآراء الموظفين إلى أن التأمل يساعد الموظفين في التحكم في انفعالاتهم ويحسن صحتهم النفسية ويساعدهم على النوم لساعات أطول، ويحسن التركيز والمزاج، ويقلل الضغط النفسي.

ويرى سوسي أن اليقظة الذهنية لا تكمن في الرضا عن اللحظة الراهنة كما ذكرت فوهز، ويقول إن اليقظة الذهنية، حتى لو لم يكن لها تأثير إيجابي فوري على المهمة التي يؤديها الموظف، فإنها تجعل الموظفين ينظرون إليها كجزء من هدف أسمى.

مصدر الصورة iStock

ويقول سوسي: "مما لا شك فيه أننا لا نروج لليقظة الذهنية كوسيلة لتحقيق الرضا عن الوضع الراهن، بل على العكس، فإن الهدف الحقيقي من وراء تمرينات اليقظة الذهنية هو مساعدة الأشخاص غير الراضين عن وضعهم الراهن في فهم أسباب عدم الرضا، والعثور في النهاية على السبل المؤدية إلى الرضا والسعادة".

ويضيف أن الشركة لا تنظر لتمرينات اليقظة الذهنية على أنها دواء شاف لجميع العلل، إنما ترى أنها عنصر أساسي في برنامج يعتني بصحة الشخص بشكل عام.

وقد أسس جيان باور شركته "أنويند" في لندن لمساعدة المؤسسات على تقديم دورات تدريبية في التأمل للموظفين. وتعتمد الدورات التي تقدمها الشركة على خبرته الشخصية أكثر مما تعتمد على النظريات العلمية.

ويقول إن التأمل ساعده في مواجهة الضغوط في حياته العملية، وأنه يحاول الآن تسليح الآخرين بنفس المهارات والمعارف لمواجهة مشاكلهم اليومية. ويرى أن أرباب العمل يستشعرون أهمية تدريبات التأمل.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital

-----------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة