الشباب الصيني يبدع في مواجهة "رقابة الدولة" على الإنترنت

فتيات في الصين يلتقطن صورة سيلفي مصدر الصورة Getty Images

تُعد لغة الماندراين الصينية من بين أكثر اللغات تعقيداً في العالم. فإذا فتحت قاموساً صينياً ستجد أنه يحتوي على نحو 370 ألف كلمة، وهو أكثر من ضعف ما يحتويه قاموس "أكسفورد" للغة الإنجليزية، ويزيد بنحو ثلاثة أضعاف على ما يمكن أن تجده من مفرداتٍ في القواميس الروسية والفرنسية.

لكن الكثير من هذه المفردات نُحِتت في السنوات القليلة الماضية على يد مجموعة من أبناء الجيل الجديد ممن قد يصفهم البعض بـ"حديثي النعمة". وفي اللغة الصينية تُعرف هذه الفئة من الكلمات باسم "ريسي" وهو ما يمكن ترجمته حرفيا إلى "المفردات اللاذعة". وهي عبارة عن مصطلحات عامية يبتكرها الشبان الصينيون، ويتواصلون بها عبر شبكة الإنترنت للتعبير من خلالها عن مشاعرهم الحقيقية بشأن الأحداث الجارية والاتجاهات السائدة.

مزج "الرموز"

يوجد أكثر من 750 مليون صيني يستخدمون شبكة الإنترنت، وهو ما يزيد على نصف العدد الهائل للسكان في البلاد البالغ نحو 1.4 مليار نسمة. ويبتكر البعض من هؤلاء رموزاً جديدةً، من تلك التي تتألف منها اللغة الصينية، التي تتكون من رموزٍ لا حروف مثل العديد من اللغات الأخرى.

فمثلاً تشكل مفردة مثل "دوانغ" مزيجاً من الرموز التي تُشكَّل اسم الممثل والمغني والمخرج جاكي شان. وبحسب قاعدة الجزاء من جنس العمل، فإن من يعكفون على صياغة المفردات العامية الجديدة هذه يلقون مديحاً من جانب المستخدمين الآخرين لوسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي عبر استخدام مفردةٍ مبتكرة أخرى هي "نيبي"، التي صارت مصطلحاً دارجاً على الشبكة العنكبوتية بمعنى "لطيفٍ" أو "رائعٍ".

وقد أصبحت هذه المقدرة المثيرة للإعجاب على نحت المفردات الجديدة، طريقاً للشبان الصينيين لنيل الشهرة والشعبية.

وعندما سألت "بي بي سي كابيتال" روبرت - وهو رجلٌ رفض الكشف عن اسمه بالكامل - عن السبب الذي يعتقد أنه يحدو بالصينيين الشبان لتطوير هذا الأسلوب الجديد للتواصل؛ أجاب بالقول: "يشكل ذلك رد فعل على واقعٍ اجتماعيٍ. نحن نمزج أكثر من كلمة في مفردة واحدة بسبب الشعور بالعجز أو الاستهانة بقيمة النفس، أو بفعل كليهما معاً".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption صنفت منظمة "مراسلون بلا حدود" الصين في المركز الـ 176 من بين 180 دولة ومنطقة على صعيد حرية وسائل الإعلام، وذلك على مؤشرها لحرية الصحافة في العالم لعام 2018.

وذكر روبرت في هذا السياق مفردةً صينية تعني "مواطنملة"، في لعب بالألفاظ باستخدام كلمتي "مواطن" و"نملة". وتُستخدم هذه الكلمة المُركبة لوصف عجز العامة في الصين عن القيام بأي فعل ملموس. كما أشار كذلك إلى مفردة تعني بالإنجليزية 'innernet'، ويُشار بها إلى النظرة التي تُضمرها السلطات الصينية لمسألة فرض ضوابط وقيود على استخدام الإنترنت.

ومن جانبها، تقول فلورا شين - التي تعمل في شركة متعددة الجنسيات بمدينة شنغهاي - إن الانتشار الكبير للمفردات العامية المُركبة هذه، يعكس انزعاج الصينيين من السيطرة الصارمة التي يفرضها الحزب الشيوعي الحاكم على وسائل الإعلام الرئيسية.

وتقول :"الصحف ونشرات الأخبار التليفزيونية تغص بالخطاب الحزبي دون وجود (ذكرٍ) للمعارضة. لذا من المهم للغاية للناس العاديين أن يلجؤوا إلى وسائل التواصل الاجتماعي، لخلق نوعٍ من الخطاب الموازي، دون أن يمضوا في الوقت نفسه بعيداً للغاية (في معارضتهم)، مما يؤدي لرصدهم من قبل الرقباء".

أما فيليب - الذي رفض بدوره الكشف عن اسمه الكامل - فقد وصف هذه الظاهرة بأنها بمثابة "اقترابٍ من الحدود" المفروضة من قبل السلطات الحاكمة في الصين دون تجاوزها أو مجابهة هذه السلطات. ويقول في هذا الشأن: "هناك دائماً أُناسٌ يريدون العودة لذكر أحداثٍ (تم حظر الحديث عنها) لكنهم لا يستطيعون، لذا يلجؤون إلى قول ذلك بشكلٍ غير مباشر".

اللافت أنه على الرغم من أن تزايد إمكانية وصول الصينيين لشبكة الإنترنت، يعني أنه صار بوسع عددٍ أكبر منهم التواصل مع أقرانٍ لهم في مناطق أخرى من البلاد، فإن قدرة هؤلاء على الاطلاع على الأخبار من مصادر أجنبية أو مستقلة لا تزال محدودة.

وقد صنفت منظمة "مراسلون بلا حدود" الصين في المركز الـ 176 من بين 180 دولة ومنطقة على صعيد حرية وسائل الإعلام، وذلك على مؤشرها لحرية الصحافة في العالم لعام 2018.

وتعكف الشرطة المعنية بالفضاء الإلكتروني في الصين على البحث يدوياً في التعليقات المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي الشهيرة في البلاد مثل شبكتي "ويبو"، و"ويتشات"، لحذف التعليقات ذات الحساسية السياسية، أو التي تعتبرها السلطات "تخريبيةً" أو "هدامةً".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يستمتع أبناء جيل الألفية في الصين بالتأثير الذي خلّفه النمو الاقتصادي السريع، ولديهم قدرة أكبر من أسلافهم على تدبر أمر السفر إلى الخارج

أكثر من ذلك، تتعرض المشاركات التي تتضمن عبارات أو كلمات مفتاحية حساسةً للحذف بشكلٍ تلقائيٍ. ويحتفظ مسؤولو شرطة الإنترنت من القائمين على إدارة مواقع مثل "سينا ويبو" الصيني بقائمة للكلمات والمصطلحات التي تُصنّف على أنها حساسة، والتي تحجب وتحذف تلقائياً من على منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن يتسنى للمستخدمين الآخرين رؤيتها.

إضافةً إلى ذلك، هناك مضامين تُحظر بشكل كامل خلال المناسبات الحساسة. ومن بين هذه الأحداث، الذكرى السنوية لاحتجاجات ميدان السلام السماوي "تيانآنمِن" التي وقعت في الرابع من يونيو/حزيران 1989. فبالتزامن مع حلول هذه الذكرى في كل عام، تحظر السلطات مجموعة من التراكيب الرقمية التي يمكن أن تشير إلى الشهر السادس واليوم الرابع منه، وكذلك "8964" التي تتضمن إشارةً إلى التاريخ الدقيق الذي وقعت فيه تلك الاحتجاجات باليوم والشهر والعام، وغير ذلك من المتغيرات والبدائل الرقمية المماثلة.

ويعاني مستخدمو موقع "ويبو" للإفلات من قبضة الرقابة، ونشر أي مشاركات تخص ذكرى احتجاجات "السلام السماوي"، دون أن تتعرض هذه المشاركات للرقابة أو الحجب.

وتمتد هذه الحساسية حتى لألبوم "1989" للمغنية الأمريكية تايلور سويفت، الذي يُستخدم كإشارة مجازية للاحتجاجات، وذلك بسبب اسمه من جهة، ولأن الأحرف الأولى من اسم صاحبته باللغة الإنجليزية "TS" يمكن أن تستخدم للإشارةً إلى اسم "ميدان تاينآنمِن" بالانجليزية.

"بلاء" الضفادع

رداً على هذه التدابير، يتفتق ذهن الشبان الصينيين عن طرقٍ أخرى أكثر إبداعاً لتجاوز رقابة السلطات، إذ يعملون على توظيف مفرداتٍ يشيع استخدامها بالفعل ولكن للتعبير بها عن معانٍ أخرى، وهو ما يحول دون أن تخضع هذه الكلمات للحظر الآلي الشامل الذي يفرضه المسؤولون على المفردات التي يعتبرون أنها ذات طبيعةٍ حساسةٍ أو "تخريبيةٍ" .

فعلى سبيل المثال، عانى هؤلاء الرقباء الأمرَّيْن خلال السنوات القليلة الماضية، لحذف تعليقاتٍ تتضمن ذكر مفردة "ضفادع"، والتي تشير من طرفٍ خفيٍ إلى الرئيس الصيني السابق جيانغ تسه مين، الذي كان يرتدي نظاراتٍ طبيةً.

كما واجه الرقباء الصينيون معاناةً مماثلةً لمراقبة كيفية استخدام متصفحي الإنترنت في البلاد للقبٍ عائليٍ شائع مثل "تساو"، الذي يحمل معاني متنوعة ويعبر عن كلمات لا تفصل بينها سوى فروقٍ دقيقة، ولكنه يُستخدم عامةً لنشر تعليقات ناقدة لمن يتولون زمام الأمور في الصين.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption أثارت تايلور سويفت جدلاً قبل بدء جولتها الفنية في الصين من خلال بيع منتجاتٍ تحمل تاريخ 1989 - وهو اسم ألبومها - والحرفين الأولين من اسمها "TS"، وكليهما يتشابه مع تاريخ واسم مذبحة ميدان تيانآنمِن

وترى "ما سين"، وهي طالبةٌ جامعيةٌ بإحدى المدن في جنوب الصين، أن الشبان في بلادها - على الأقل من يعيشون منهم في المدن الكبيرة - يحاولون شيئاً فشيئا "توسيع الحدود (قليلاً) وخلق نوعٍ من النقاشات الاجتماعية التي تتسع رقعتها وتمتد من أسفل السلم إلى أعلاه"، قائلةً: "نريد المشاركة بطريقةٍ لم تحدث من قبل".

وعبر رسالةٍ نصيةٍ صاغتها بتعبيراتٍ مُلطفة من خلال تطبيق "ويتشات" للتراسل - الذي يخضع لرقابةٍ مشددةٍ للغاية - كتبت هذه الطالبة تقول: "وبطبيعة الحال، يتطلب الأمر قدرةً على الابتكار لاستنباط مفردات وعبارات جديدة، لم تُدرج بعد على قوائم من تعلمون هويتهم"، في إشارة إلى المسؤولين عن الرقابة في الصين.

لكن الطابعٍ الذي يرمي إلى تقويض النظام الحاكم في الصين - مثل ذلك الذي تتسم به هذه النقاشات - لا يصل إلى الجميع داخل هذا البلد. فاللعب بالألفاظ هذا لا يُدرك المعاني المقصودة من ورائه غالباً سوى من يعرفون مغزاه بالفعل، ما يترك غالبية مستخدمي الإنترنت في الصين، دون علمٍ بكُنه الكثير من الرسائل المُشفرة.

ومن بين هؤلاء على ما يبدو "تساو بين" الذي يعمل في مجال توصيل الطلبات في مقاطعة فوجيان الساحلية، والذي يقول: "عندما أصادف رسائل غريبةً وعجيبةً تتناول قضايا اجتماعية؛ عادة ما ينتابني الملل، ولا أشعر بأني بحاجة إلى إعادة نشرها".

لكن الأمر يبدو مختلفاً بالنسبة لمستخدمي الإنترنت من الناطقين باللغة الإنجليزية في الصين، ممن يزداد عددهم باستمرار. فلدى هؤلاء مجالٌ أوسع للتلاعب بالألفاظ، في ضوء أن المسؤولين عن الرقابة في البلاد، يفتقرون أحياناً إلى القدرات اللغوية اللازمة لرصد التعبيرات والمصطلحات ذات الطابع المُحرض أو المتحدي، وحجبها.

فلا يزال من الممكن مطالعة منشوراتٍ على الإنترنت تتحدث عن مصطلحٍ مثل (中国特色自由) الذي يعني حرفياً "الحرية بالمواصفات والخصائص الصينية". ويمكن أن تُقرأ هذه المفردة 'freedamn' باللغة الإنجليزية، وتُستخدم للسخرية من حديث السلطات الحاكمة في بكين عن اتساع رقعة الحرية في البلاد، ولكن بـ "مواصفات صينية".

كما أن هناك منشوراتٍ أخرى تستخدم مفردة تعني باللغة الصينية "الانسجام مع الخصائص الصينية". وتُقرأ هذه الكلمة 'harmany' باللغة الإنجليزية، لتبدو مزيجاً بين كلمتيْ "Harm" (ضرر) و"Harmony" (تجانس)، وذلك بغرض التشكيك في مدى وجود مثل هذا التجانس والانسجام المفترض في المجتمع الصيني، وكذلك مهاجمة السياسات الاجتماعية المتعددة المفروضة عليهم، والتي يرون أنها تلحق الضرر بهم.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption لدى المتحدثين بالإنجليزية في الصين - ممن يتزايد عددهم باستمرار - مجالٌ أكثر اتساعاً للتلاعب بالكلمات مُقارنة بأترابهم الآخرين، في ظل عجز المسؤولين عن الرقابة أحياناً عن رصد بعض المفردات أو العبارات التي يستخدمونها

ويلجأ آخرون إلى هذا الأسلوب للإعراب عما يقولون إنهم يشعرون به من ضغوط وتوترات بسبب الدور المتنامي والمتعجرف الذي تضطلع به الإدارات الحكومية، التي يطلقون عليها لفظة "departyment" بدلاً من "Department"، تجنباً لتعرض انتقاداتهم تلك للحجب والحذف على ما يبدو.

وتأتي هذه الشكاوى في ظل تكريس الحكومة مزيداً من الوقت والموارد لجهات الإدارة والحكم على المستوى المحلي، وذلك للإبقاء على سيطرتها قائمةً على الجيل الأصغر سناً الذي يتحلى بالحيلة والدهاء اللازمين لمواجهة مخاطر ومصاعب الحياة في المدن.

وربما يتعين هنا الإشارة إلى أن المجتمع الصيني شهد الكثير من التغيرات الكبيرة خلال العقد الماضي. وقد اعْتُبِر النمو الاقتصادي السريع الذي حدث في البلاد "انتصاراً كبيراً"، خاصة في ظل عهد الرئيس الحالي شي جينبينغ. فمنذ وصوله إلى السلطة عام 2012، قدم للجيل الجديد رؤيةً لحياة أفضل ورفاهية أكبر، مع تبشيرهم بإمكانية أن يعيشوا ليروا الصين وقد نهضت لتصبح في مصاف القوى الرائدة في العالم.

وينعم أبناء جيل الألفية في الصين بمكاسب هذا الازدهار، إذ أصبحوا أكثر ثراءً على نحوٍ ملحوظٍ من أسلافهم. كما أنهم أكثر قدرة - على سبيل المثال - على استخدام اللغة الإنجليزية التي يتعلمونها في المدارس، خلال رحلاتهم إلى دول العالم المختلفة، وبشكلٍ أكثر يسر وسهولة أيضاً.

وعلى الرغم من حالة الازدهار هذه والقدرة التي بات كثيرٌ من الصينيين يتحلون بها منذ وقتٍ ليس بالبعيد للسفر إلى الخارج، فإن من الشائع أن تتضمن النقاشات التي تجري بين مواطني هذا البلد على شبكة الإنترنت، إفادات لأشخاص يعملون بجدٍ وعلى نحوٍ مضنٍ، على حساب تحقيق التوازن بين متطلبات العمل ومتع الحياة ومباهجها.

ومن بين الموضوعات التي تتكرر كذلك خلال تلك النقاشات، شكوى الشبان الصينيين من أن وقتهم يُلتهم بفعل التكنولوجيا ووسائلها الحديثة، وأيضاً الأفكار الخاصة بالفرار من هذه الدوامة المنهكة التي لا تنتهي، والبدء من جديد.

ووسط كل ذلك، نجد أن الكثيرين تُرِكوا لشأنهم يحاولون تلبية احتياجاتهم المالية بالكاد، كما تُرِكوا يعانون وهم "يبتسمون في صمت" وهو مصطلحٌ مركبٌ آخر يُكتب بالصينية، أو يكتب محرفا بالإنجليزية 'Smilence' ، إذ يرسم هؤلاء ملامح البسالة والشجاعة على وجوههم، وهم يخفون تحتها إحباطاتهم.

الصين: كيف يفلت الشباب من "سيطرة الدولة" على الإنترنت؟

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital

-----------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة