هذه الطريقة في التفكير قد تؤدي إلى زيادة خسائرك

مجموعة ضخمة من الدولارات مصدر الصورة Getty Images

لنفترض أنك خرجت من منزلك لشراء اللبن من المتجر المجاور، وفي منتصف الطريق تذكرت أن هذا المتجر يغلق أبوابة يوم الأحد ظهرا.

ولا توجد، على حد علمك، أية متاجر مواد غذائية أخرى مفتوحة في المنطقة في هذا الوقت. لكنك قد أمضيت عشر دقائق بالفعل في الطريق إلى المتجر، ولهذا قد تقرر أن تتابع السير وتكمل رحلتك على الأقل، أليس كذلك؟

سيكون من الحماقة بالطبع أن تواصل السير إلى المتجر لأنك أمضيت عشر دقائق بالفعل في الطريق، ما لم يكن الغرض من السير هو ممارسة الرياضة في الهواء الطلق. لكن العجيب أن هذا النمط من التفكير غير المنطقي شائع في عملية اتخاذ القرارات، ولا سيما إذا كانت القرارات تنطوي على مخاطر اقتصادية ضخمة.

وقد يطلق المراهن على هذا النمط من التفكير محاولة تعويض الخسائر. ويقول المثل الإنجليزي: "لا تهدر المزيد من الأموال على أمل استرداد الخسائر"، وهذا المثل يجسد أسلوب مشابه في التفكير.

أما الاقتصاديون فيطلقون عليه مصطلح "مغالطة التكاليف الغارقة"، وهو أكثر شيوعا مما تتصور.

ومن منا لم يقع في فخ إهدار المزيد من المال أو الجهد أو الوقت على أمل استرداد تلك النفقات "الغارقة".

فقد تمكث في السينما لمشاهدة فيلم حتى نهايته، رغم أنك أدركت من الدقائق العشر الأولى أنه سيء، أو تضيع الوقت في متابعة الموسم الجديد من البرنامج الذي كنت تفضله في الماضي.

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption يقول المثل الإنجليزي: "لا تهدر المزيد من الأموال على أمل استرداد الخسائر"، وهذا المثل يجسد أسلوب مشابه في التفكير.

وكل هذا يتلخص في العبارة الشهيرة التي يبرر الناس بها احتفاظهم بسيارة معطلة: "لقد أهدرت الكثير من المال على سيارتي القديمة، ولا يمكن أن أتخلص منها الأن، ربما يجدر بي تغيير علبة التروس المعيبة".

وهذا ينسحب أيضا على الأشخاص الذين يقررون الاستمرار في علاقات فاشلة لسنوات عديدة إضافية، لأنهم لا يريدون أن يذهب الوقت الذي أمضوه معا "هباء منثورا".

تندرج كل هذه الأمثلة ضمن ظاهرة إهدار المزيد من الموارد، مالا أو وقتا، على أمل أن تتحسن الأوضاع رغم أنه لا توجد أية مؤشرات إيجابية تؤكد أنها ستتحسن.

وهذا يعني أنك قد تفعل شيئا على مضض من أجل الحد من الخسائر. فإذا تبين على سبيل المثال أن أحد المشروعات سيكون مصيره حتما الفشل، فإن احتمالات مواصلة إهدار المال والوقت بلا حساب لتحسين فرص نجاحه، أعلى بمراحل من احتمالات اتخاذ القرار الحاسم والانسحاب من المشروع.

ويرجع ذلك إلى أسباب عديدة على رأسها التفاؤل (أي الشعور أن الوضع سيتحسن خلافا للتوقعات) وكراهية الفشل.

اللاعب الأوفر حظا

على صعيد الأعمال والتجارة، قد يؤدي الإصرار على استرداد الخسائر إلى نتائج كارثية. إذ قد ترجئ المؤسسة الصغيرة على سبيل المثال فصل موظف لأنها أنفقت شهورا في تدريبه، رغم أنه كان من الواضح منذ البداية أنه ليس جديرا بالمنصب.

وقد تدفع هذه النزعة الناس إلى صرف مبالغ طائلة على مشروعات لا جدوى منها، لأن التركيز على المكاسب المحتملة وحدها قد يؤدي إلى إغفال التكاليف المهدرة التي أُنفقت على المشروع.

وعلى سبيل المثال، إذا استثمرت 10 ملايين جنيه استرليني في مشروع لم يحقق النتائج المرجوة، فإن الحل الأسهل هو أن تضيف خمسة ملايين جنيه استرليني إلى المشروع، ثم تحتسب الأرباح على الدفعة الأخيرة، أي الملايين الخمسة فقط، بدلا من احتسابها عن المبلغ بأكمله أي 15 مليون جنية استرليني. لكن الدافع الحقيقي بالطبع هو أنك لا تريد أن تتراجع عن المشروع وتبدو أحمق أمام الأخرين.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption نك ليسون الذي اشتهر بلقب المتعامل المحتال تسبب في سقوط مصرف "بارينغز" عام 1995 بعد أن كبده خسائر بلغت 827 مليون جنيه استرليني

وفي كتاب بعنوان "التفكير بسرعة وببط"، يرى دانييل كانمان، الحائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية، أن الإصرار على استرداد "التكاليف الغارقة" قد يدفع الشركات في نهاية الأمر إلى تعيين مجلس إدارة جديد أو الاستعانة بمستشارين عندما يؤول المشروع إلى الفشل، وذلك ليس لأن هؤلاء المديرين أكفأ من سابقيهم ولكن لأنهم لا يتبنون سياسات المديرين السابقين، الذين رفضوا من البداية إنهاء المشروع للحد من الخسائر.

وقد تجد أن الأشخاص الذين يصرون على تعويض خسائرهم، على غرار لاعبي البوكر، يتظاهرون أن لديهم الورقة الرابحة. وهذا يذكرنا بالسيد نك ليسون، الذي اشتهر بلقب "المتعامل المحتال"، وتسبب في انهيار مصرف "بارينغز" عام 1995، إذ استخدم ليسون هذه الحيلة عندما كان يحاول التغطية على خسائره واستعادة مكانته بعد سلسلة من المعاملات الكارثية.

تجاوز النفقات المقدرة

إن القرارات الفاشلة المتلاحقة التي تتخذها المؤسسات بناء على تحليلات "التكاليف الغارقة" سيترتب عليها حتما مزيد من الخسائر سواء في الأموال أو في حصص الشركة في السوق، وهذا سيقود الشركة في النهاية إلى الإفلاس.

لكن على عكس المؤسسات التجارية، فإن عملية اتخاذ القرار السياسي تحكمها ضوابط وقيود أقل بكثير. إذ لا يزال الناس في مختلف البلدان حول العالم يفسرون التراجع عن القرار السياسي بأنه دليل على ضعف الحكومة، وهذا يدفع السياسيين إلى المضي في تنفيذ قراراتهم مهما كلفهم الأمر.

وهناك الكثير من الأمثلة التي تحمل سمات هذا الاتجاه على المستوى الدولي. إذ اشتهرت المشروعات الحكومية بأنها تتجاوز التكاليف المقدرة. وتجاوزت تكاليف مشروع بناء شبكة السكك الحديدية للقطارات عالية السرعة ببريطانيا على سبيل المثال، حتى الأن الميزانية المقررة بنحو 50 مليون جنيه استرليني.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption نانسي ريغان، سيدة أمريكا الأولى سابقا، كانت تقود حملة "لا للمخدرات" في إطار الحرب على المخدرات التي شنتها إدارة الرئيس السابق رونالد ريغان

وقد دأبت اليابان أيضا على الإنفاق ببذخ على مشروعات البنية التحتية، وقد أسهم ذلك في ارتفاع الدين العام الذي أثقل كاهل اليابان، بعد أن سجل أعلى معدل على مستوى العالم.

وفي الولايات المتحدة، اقترنت سياسية "الحرب على المخدرات" بزيادة في عدد نزلاء السجون، وشيدت أكبر بنية تحتية للسجون في العالم.

وبالرغم من وفرة الأدلة التي تؤكد أن التركيز على العرض (المخدرات ومنتجيها) دون الطلب (المدمنين) لم يسهم بقدر كبير في القضاء على إدمان المخدرات (وكانت له تبعات جسيمة) إلا أن المشرعين سيواجهون صعوبات بالغة لإلغاء هذا النظام الذي ازداد انتشارا وتشعبا في الدولة.

غير أن تأثير "التكاليف الغارقة" لا يقتصر على القرارات التي قد تكلف المؤسسات والحكومات مليارات وتريليونات، إنما قد يمتد تأثيرها أيضا إلى القرارات الشخصية. فقد يستنزف إصلاح منزل لا طائل منه على سبيل المثال مدخرات أسرة بأكملها.

تفادي الوقوع في فخ تعويض الخسائر

هذا النمط من التفكير إذن - الذي يسمى "مغالطة التكلفة الغارقة"- له تداعيات كبيرة، سواء على مستوى الاقتصاد الكلي أو الاقتصاد الجزئي، أي على القرارات الشخصية والسياسية، حول العالم.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption أثيرت ضجة كبيرة في المملكة المتحدة حول تجاوز تكاليف تطوير شبكة السكك الحديدية للقطارات فائقة السرعة للميزانية المقررة

وقد يساعدنا فهم هذا النمط من التفكير غير المنطقي على تجنب الوقوع في براثنه، أو محاسبة الرؤساء والسياسيين إذا انتهجوا نفس النمط عند اتخاذ القرارات.

فكيف نتفادى التأثر بتلك "النفقات الغارقة" عند اتخاذ القرارات؟ يقول دكتور جيم إيفيريت، المختص في علم النفس الاجتماعي والباحث بجامعة ليدن: "كلنا قد نتأثر بهذه الأشكال من الانحيازات المعرفية. ولكننا قد نتفاداها إذا نظرنا للأمور بشكل موضوعي وشامل وأمعنا النظر في البدائل".

إذ يجب أن تسأل نفسك دوما عندما تقارن بين خيارين: "ما الذي سأجنيه أو أخسره إذا تمسكت بهذا الخيار، وما الذي سأجنيه أو أخسره إن تراجعت عنه؟"

وإذا كنت مترددا، ينصح إيفيريت باسترجاع القرارات التي أوصلتك إلى هذه النقطة وتأملها، مع الأخذ في الاعتبار النتائج التي كانت ستترتب على اختيار المسار البديل، أي أن تقارن بين ما حدث بالفعل وما كان ممكن أن يحدث لو لم تتخذ هذه القرارات من البداية.

ويضيف إيفيريت: "(اسأل نفسك) إذا عاد بي الزمن إلى الوراء واتيح لي الاختيار بين الأمرين، هل سأتخذ نفس القرار مرة أخرى؟ ولم لا؟".

إن "مغالطة التكاليف الغارقة"، على بساطتها، فإن لها انعكاسات عالمية، ويكمن حلها في أول درس للمراهنة. فالمراهن الماهر يعرف متى ينسحب.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital

-----------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة