قصة ثلاثة أصدقاء أسسوا شركة قيمتها مليار جنيه استرليني

سمير ديساي، مؤسس شركة "فاندينغ سيركل" مصدر الصورة FUNDING CIRCLE

تتحدث بي بي سي إلى سمير ديساي، مؤسس شركة "فاندينغ سيركل" للإقراض المباشر أو ما يعرف بإقراض النظراء.

كثيرا ما يتبادل الأصدقاء في الحانات والنوادي الاجتماعية أفكارا ويرسمون خططا لجمع المال، ولكن نادرا ما تفضي هذه الخطط إلى تأسيس شركة حقيقية قيمتها مليار جنيه استرليني.

إلا أن هذا ما حدث بالضبط مع سمير ديساي، الذي اجتمع ذات يوم مع صديقين قديمين لم يلتق بهما منذ أيام دراسته في جامعة أوكسفورد، في إحدى حانات وسط لندن عام 2008، وناقش معهما للمرة الأولى رؤيته للشركة التي يحلم بتأسيسها.

وفي هذا الوقت كانت المملكة المتحدة وسائر دول العالم لا تزال ترزح تحت وطأة الأزمة المالية العالمية، التي أوقفت البنوك على إثرها إقراض المشروعات الصغيرة تماما.

وحينها انسدت السبل أمام المؤسسات الصغيرة، لكن سمير ديساي، الذي كان وقتها مستشارا إداريا في منتصف العشرينيات من العمر، توصل إلى فكرة كان يرى أنها ستذلل العقبات أمام هذه الشركات. إذ أراد إسقاط البنوك تماما من المعادلة، وفي هذه الحالة ستقترض الشركات الأموال التي تحتاجها بسهولة من مصادر بديلة للبنوك.

وتتلخص فكرته في تأسيس منصة عبر الإنترنت تتقدم من خلالها الشركات الصغيرة بطلبات لاقتراض المال من مجموعة من المستثمرين، أفرادا وشركات، وتسمى هذه الطريقة من التمويل الجماعي "إقراض النظراء".

وراقت الفكرة لصديقي ديساي، جيمس ميكنغز الذي كان مستشارا إداريا سابقا، وأندرو مولينغر، الذي عمل في مجال إدارة المخاطر، ورأيا أنها فكرة رائعة لمشروع واعد، وهكذا قرر الأصدقاء الثلاثة دراسة جدوى المشروع.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption انهارت الكثير من البنوك تحت وطأة الأزمة المالية العالمية، مثل بنك نورذرن روك بالمملكة المتحدة

وفي عام 2009، قدم الثلاثة استقالاتهم للتفرغ لتأسيس شركة "فاندينغ سيركل" للتمويل، ودشنوا الشركة في عام 2010.

وفي مطلع الشهر الحالي، أصبحت الشركة أول مؤسسة إقراض من نوعها تُطرح أسهمها في بورصة لندن. وتتجاوز قيمتها السوقية الآن 1.3 مليار جنيه استرليني.

قد يبدو هذا المبلغ ضخما، ولكن في الحقيقة تراجعت قيمة أسهمها بنسبة 24 في المئة عن السعر الأولي للطرح، إذ قدرت قيمة الشركة عند الإدراج في البورصة بـ 1.5 مليار جينه استرليني، ويعلل بعض المحللين ذلك التراجع بأن طرح الشركة لأسهمها للاكتتاب العام ربما يكون قد أدى إلى المغالاة في تقييم سعرها.

يقول ديستاي البالغ من العمر الآن 35 عاما، إنه خطرت له فكرة الشركة بعدما لاحظ أن هناك حلقة مفقودة في نظام إقراض الشركات الصغيرة حتى من قبل وقوع الأزمة المالية العالمية.

ويضيف: "قد يستغرق الحصول على قرض من البنك من 15 إلى 20 أسبوعا. وبالرغم من أهمية الشركات الصغيرة للمجتمع- إذ توظف 60 في المئة من القوة العاملة بالقطاع الخاص- إلا أن إقراض الشركات الصغيرة لا يمثل إلا جزءا ضئيلا من أنشطة البنوك، ربما تصل قيمة القروض المقدمة للشركات الصغيرة إلى خمسة في المئة من إجمالي حجم القروض، وهذا يدل على أن الاهتمام الذي توليه البنوك للإقراض لا يرقى إلى مستوى الأهمية التي يعلّقها عليها المجتمع".

ووضع الشركاء الثلاثة 60.000 جنيه استرليني من مدخراتهم في الشركة التي اتخذت من لندن مقرا لها، حتى تقف على قدميها وتزاول أنشطتها.

وبعدها استطاعوا أن يجمعوا مبلغ 700.000 جنيه استرليني من 12 مستثمرا، كان من بينهم أصدقاؤهم وأصدقاء أصدقائهم. وبهذا المبلغ تمكنوا من إنشاء المنصة التقنية التي يقوم عليها الموقع، والترويج للشركة وتدشينها.

ورغم ذلك، لم يكن من السهل إقناع المقرضين والشركات الصغيرة بالمشاركة في منصة الإقراض.

مصدر الصورة VICKI COUCHMAN
Image caption أسس ديساي الشركة مع أصدقائه أندرو مولينغر (على يسار الصورة) وجيمس ميكنغز (على يمينها)

ويقول ديساي: "كان الأمر في البداية أشبه بمعضلة البيضة والدجاجة، أيهما يأتي أولا، فهل نبدأ بالشركات ثم نبحث عن مستثمرين أم نبدأ بالمستثمرين ثم نسعى لجذب شركات؟"

ولجذب المستثمرين في البداية عرضت عليهم الشركة أن تدفع لهم الفائدة المستحقة على القرض وتزيد عليها نسبة اثنين في المئة من أموالها الخاصة، فإذا كانت الفائدة المتوقعة على القرض الممنوح عبر موقع الشركة سبعة في المئة، ستزيد شركة "فاندغ سيركل" هذه النسبة إلى 9 في المئة.

وراح سمير وشريكاه يرسلون خطابات للكثير من أصحاب الشركات الصغيرة لتشجيعهم على الاقتراض من الشركة.

وزادت أعداد المستثمرين والمقترضين شيئا فشيئا، وفي عام 2011، جمعت الشركة 2.5 مليون جنية استرليني في صندوق رأس المال المخاطر، وارتفع المبلغ إلى 250 مليون جنيه استرليني قبل طرح أسهم الشركة في البورصة للاكتتاب العام.

وتربط الشركة 80.000 مستثمر بما يزيد على 50.000 شركة صغيرة، وتوسعت قاعدة عملائها لتضم عملاء من الولايات المتحدة في عام 2013، وألمانيا وهولندا بعدها بعامين.

وتجني الشركة أرباحها من خلال فرض رسوم على المقترضين تتراوح ما بين 1 و7 في المئة من كل قرض إلى جانب مصروفات خدمة الدين السنوية التي تبلغ 1 في المئة من القرض.

إلا أن الشركة لم تحقق أرباحا بعد، ويقول ديساي إنهم تعمدوا عدم تحقيق أرباح والإنفاق ببذخ في المقابل على التوسع.

ويقول ديساي: "تنمو الشركة بوتيرة متسارعة، فنحن نريد أن نصبح المقصد الأول لأصحاب الشركات الصغيرة على مستوى العالم".

وأعلنت الشركة الأسبوع الماضي أن القروض التي حصل عليها المقترضون عبر شركة "فاندينغ سيركل" بلغت في مجملها 2.8 مليار جنيه استرليني منذ 30 سبتمبر/ أيلول، بزيادة قدرها 61 في المئة عن العام السابق في نفس التاريخ.

مصدر الصورة RADEK BAYEK
Image caption توفر شركة "فاندنغ سيركل" خدمات الإقراض للشركات الصغيرة، بمختلف أنواعها، من المطاعم إلى متاجر بيع وصيانة الدراجات البخارية

ولم تكشف الشركة عن أرقام الإيرادات أو الأرباح والخسائر الجديدة. ولكن آخر التقارير يشير إلى أن العائدات السنوية للشركة بلغت 94.5 مليون جنيه استرليني في عام 2017، بعد أن كانت 50.9 مليون جنيه استرليني في عام 2016.

وفي عام 2017 بلغ مجمل خسائر الشركة قبل اختصام الضرائب 36.3 مليون جنيه استرليني، مقارنة ب47.2 مليون جنيه استرليني في العام الذي يسبقه.

ولا يزال سعر السهم أقل من السعر الذي طُرح به للاكتتاب العام في الثالث من أكتوبر/ تشرين الأول.

ويتوقع ليث خلف، كبير المحللين بمجموعة "هارغريفز لانزداون" للخدمات المالية، أن تواجه شركة "فاندينغ سيركل" الكثير من التحديات مستقبلا.

ويقول خلف: "إن قطاع إقراض النظراء جديد نسبيا، وقد تعثرت بالفعل بعض الشركات في هذا القطاع، وثمة تساؤلات حول مدى قدرة هذه الشركات على الصمود في ظل أوضاع السوق العصيبة.

فربما يتخلف عدد كبير من المقترضين عن سداد قروضهم نظرا لتردي الأوضاع الاقتصادية، وهذا قد يضع طرق تخفيف حدة مخاطر الائتمان في منصات الإقراض على المحك".

وتدرس هيئة السلوك المالي، وهي الجهة التنظيمية لقطاع الخدمات المالية في المملكة المتحدة، فرض قواعد جديدة تضيق الخناق على قطاع إقراض النظراء، بحيث تُقصر الاستثمار عبر شركات "فاندنغ سيركل" ومنافسيها على كبار المستثمرين.

وقد جاء هذا القرار بسبب مخاوف هيئة السلوك المالي من المخاطر التي تهدد رأس مال المستثمرين في هذا القطاع.

إلا أن ديساي، الذي يتولى منصب الرئيس التنفيذي للشركة لا يزال واثقا من نجاح الشركة وقدرتها على مواصلة النمو.

ويقول: "إن الشركة استطاعت أن تكسب ولاء المزيد من الزبائن الدائمين، ومن جهة أخرى، فإن المستثمرين راضون عن معدلات نمو حجم السوق، وهوامش الربح المرتفعة والأعداد المتزايدة من الزبائن الدائمين".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على صفحة BBC Entrepreneurship.

المزيد حول هذه القصة