ماذا يفعل الشباب في إسبانيا لتأمين احتياجاتهم المعيشية؟

شباب في شوارع إسبانيا مصدر الصورة La Pájara Ciclomensajería)

تستهلك تكاليف السكن المرتفعة في إسبانيا أكثر من نصف الدخل الشهري للغالبية العظمى من أبناء جيل الألفية. وفي ظل تفاقم الغلاء المعيشي وصعوبة الحصول على المال، اضطر البعض لتقديم تنازلات.

لم يجد إيلوي غوميز، البالغ من العمر 26 عاما، اسما للشركة التي شارك في تأسيسها أنسب لأبناء جيل الألفية من "مستر جيف".

فهذه الشركة التي توفر خدمة تنظيف الملابس وتوصيلها للمنازل في مدينة بلنسية استلهمت اسمها من المغني "جيفري باتلر"، في مسلسل "أمير بيل آير الجديد"، الذي ترسخت كلمات أغانيه في أذهان معظم أبناء جيل الألفية، المولودين من عام 1981 إلى 1996.

وقد أسس مشروع "مستر جيف" ثلاثة شركاء في عام 2016، كلهم بالطبع من أبناء جيل الألفية، وتوسعت الشركة بوتيرة سريعة وأصبح لها فروع في أمريكا اللاتينية.

ويقول غوميز: "منذ أربع أو خمس سنوات، (قبل بدء المشروع) كنت أفكر إما في السفر أو الحصول على شهادة ماجستير، لأن الحصول على وظيفة تقليدية تناسب مؤهلاتي أصبح ضربا من المستحيل".

واكتوى أبناء جيل الألفية حول العالم بنار الأزمة المالية العالمية، التي انعكست على رواتبهم المتدنية وعقودهم المؤقتة، وارتفاع أسعار السكن، وحتى ارتفاع نسبة إعالة كبار السن بعد زيادة متوسط العمر المتوقع.

ولم يختلف الأمر في إسبانيا حيث عانى الشباب الإسباني من ظروف اقتصادية خانقة. إذ أشار تقرير إلى تراجع صافي الدخل المتاح للإنفاق على السلع والخدمات لدى أبناء جيل الألفية في سن 30 إلى 34 عاما، بنسبة 30 في المئة مقارنة بنظرائهم من أبناء الجيل الذي يسبقهم (أو الجيل "إكس"، المولودين بين عام 1966 وعام 1980).

يقول مارسيل جانسن، أستاذ الاقتصاد بجامعة مدريد المستقلة وباحث في مؤسسة أبحاث الاقتصاد التطبيقي بمدريد: "لعل هذا هو أول جيل لا يضمن توفير ظروف معيشية أفضل من تلك التي نشأوا فيها في كنف آبائهم. فقد أجرينا مقارنة في عام 2014، بين أوضاع أبناء جيل الألفية عند دخول سوق العمل، وبين أوضاع نظرائهم من الأجيال السابقة، ولم نجد أوضاعا معيشية مشابهة إلا في أواخر الثمانينيات".

وفي عام 2013، بعد مرور خمس سنوات على الأزمة المالية العالمية، سجلت نسبة البطالة في إسبانيا أعلى مستوياتها إذ وصلت إلى 56 في المئة. وارتفعت معدلات البطالة طويلة الأجل بين الشباب الإسباني على مدى العقد الماضي بواقع خمسة أضعاف.

ويقول غوميز: "تعلمنا من الأجيال السابقة أن ندرس ونحصل على شهادة جامعية حتى نجد وظيفة." ولكن غوميز وغيره من أبناء جيل الألفية لم يجدوا مفرا من الخروج عن المسار التقليدي الذي رسمته لهم الأجيال السابقة ووضع خطط بديلة.

مصدر الصورة Eloi Gómez
Image caption أسس إيلوي غوميز، البالغ من العمر 26 عاما، شركة لتنظيف الملابس وتوصيلها للمنازل في مدينة بلنسية، بعد أن فقد الأمل في العثور على وظيفة تناسب مؤهلاته الجامعية في إسبانيا

واضطر أبناء جيل الألفية في ظل ضبابية المستقبل، إلى البحث عن وظائف غير تقليدية ليكسبوا منها قوت يومهم، إذ لم تعد الشهادات والمؤهلات الجامعية تكفي في إسبانيا لتأمين دخل ثابت.

أسعار لا تكف عن الارتفاع

ترتفع أسعار الإيجارات السكنية في إسبانيا بوتيرة أسرع من زيادة الدخول بنحو 12 ضعفا. إذ ارتفع متوسط الإيجارات الشهرية في الأشهر الثلاثة الأولى من 2018 إلى 1.025 يورو، ووصل إلى 1.603 يورو في برشلونة، و1.549 يورو في مدريد.

وعلى النقيض، قدر باحثون من معهد الإحصاءات القومي بإسبانيا، متوسط الرواتب الشهرية لأبناء جيل الألفية بنحو 943 يورو للشاب في سن 20 إلى 24، و1.323 للشاب في سن 25 إلى 29، و1.612 يورو للشاب في سن 30 إلى 34.

ووفقا لهذه الإحصاءات، فإن الشباب من أبناء جيل الألفية، حتى من صُنف منهم ضمن الفئة الأعلى دخلا، سينفقون أكثر من نصف دخلهم الشهري على إيجارات الشقق الأقل سعرا بحسب متوسط الإيجارات الشهرية، في حين أن الخبراء ينصحون بألا تتجاوز الإيجارات نسبة 30 في المئة من الدخل الشهري.

وخلص تقرير نشرته اللجنة المعنية بضمان الإنصاف بين الأجيال التابعة لمؤسسة صنع القرار، وهي إحدى المؤسسات البحثية بالمملكة المتحدة، إلى أن: "ثمة تفاوت كبير في متوسط دخل الفرد بين أبناء جيل الألفية والجيل الذي يسبقهم. ففي إسبانيا، على سبيل المثال، سجل الدخل المتاح للإنفاق انخفاضا بين أبناء جيل الألفية بنسبة 30 في المئة مقارنة بالجيل الذي يسبقهم".

لا شك أن المستويات المعيشية تحسنت على مدى السنوات الثلاثين الأخيرة، إلا أنه ليس من الواضح إن كانت الأوضاع المعيشية أصبحت أفضل أم أسوأ من ذي قبل، بحسب فراشيسكو جوزيه غويرليتش، الخبير الاقتصادي بجامعة بلنسية.

ويقول غويرليتش: "تستهلك الإيجارات الآخذة في الارتفاع بالفعل جزءا معتبرا من النفقات، ولا سيما في المدن الكبرى، وهذا يعني أن الأموال المتاحة للإنفاق على السلع والخدمات الأخرى، أصبحت أقل".

الخروج عن المسار التقليدي

درست كريستينا روبلز، البالغة من العمر 30 سنة، إخراج الأفلام الوثائقية بالجامعة، وتدربت في شركات عديدة في مدريد، بما فيها هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية، واكتشفت روبلز أن الشباب الآن من جيل الألفية يواجهون مصاعب عديدة عند دخول معترك سوق العمل الإسباني، قياسا بالأجيال السابقة.

وتقول: "تتوقع جميع الشركات من الموظف المتقدم للعمل أن يؤدي خمس وظائف مختلفة تحت مسمى وظيفي واحد، في مقابل 650 يورو شهريا".

وفي النهاية لم تعمل روبلز في مجال الإعلام، بل انضمت إلى مجموعة من الشباب وأسسوا مشروعا لتوصيل الطلبات بالدراجات إلى المنازل، وهذا يشمل توصيل السلع التي يطلبها العميل مسبقا عبر الهاتف أو الإنترنت، والتوصيل الفوري للمأكولات التي يطلبها العميل عبر مواقع المطاعم.

مصدر الصورة La Pájara Ciclomensajería)
Image caption دشنت كريستينا روبلز، على يمين الصورة، مؤخرا مع مجموعة من الأصدقاء مشروعا لتوصيل الطلبات بالدراجات إلى المنازل.

وبعد أن تركت مجال الإعلام، تقول إنها أكثر سعادة ورضا بالعمل في مجال التوصيل.

وفي سبتمبر/ أيلول 2018، دشن خمسة أصدقاء من أبناء جيل الألفية شركة "لا باهارو" أو "عصفور التوصيل" ، أحدهم كوستاريكي والآخر إيطالي، وثلاثة منهم إسبانيون. وقد عمل الأصدقاء الخمسة في السابق في شركات تعتمد على الموظفين المستقلين أو موظفين بعقود محددة المدة، ولكنهم يقولون إنهم أرادوا أن يخوضوا تجربة جديدة للعمل تكون أكثر استقلالية وأكثر تمسكا بالمعايير الأخلاقية.

ويقول مارتينو كوريجياري: "أفضل ما في الأمر أننا نمتلك هذا المشروع ونوزع جميع الأرباح فيما بيننا. ولا يوجد بيننا وسطاء، على عكس الشركات الأخرى التي تعتمد على موظفين متعاقدين لتنفيذ المهام". ويؤكد على أن جوهر المشروع هو أنك تعمل لنفسك.

وفي الوقت الراهن، يجني الشركاء ما يناهز 9 يورو في الساعة، ولكن الشركة لم تبدأ أعمالها إلا منذ فترة وجيزة، ويقولون إنهم لا يزالون في "المرحلة الانتقالية"، ويحاولون اجتذاب عدد أكبر من العملاء.

ولا يوجد في إسبانيا حد أدنى للأجور في الساعة، ولكن الحد الأدنى للدخل الشهري في إسبانيا في الوقت الحالي 735 يورو شهريا أو 4.50 يورو في الساعة، إذا كان الموظف يعمل 40 ساعة في الأسبوع.

قد يكون عمل روبلز الجديد محفوفا بالمخاطر، ولكنها تجني منه دخلا أعلى مقارنة بمنصبها السابق في التلفزيون، حيث لم تكن تتقاضى أجرا لأنها كانت متدربة. وتقول: "إن التجول بالدراجات في الشوارع أمر رائع في حد ذاته، فما بالك لو جنيت أموالا من شيء تستمتع بممارسته".

البحث عن الذات

شاركت ماريا راموس في تأليف كتاب "الجدار الخفي"، الذي يتناول المرحلة الانتقالية بين مرحلة الشباب ومرحلة الرشد والاستقلالية. وتقول إن الأعباء الاقتصادية تعوق أبناء جيل الألفية عن تحقيق أهدافهم الكبرى في حياتهم.

فقد يؤجلون هذه الأهداف، مثل الأبوة أو الأمومة، إلى مراحل عمرية لاحقة، وفي بعض الحالات، يصرفون النظر عنها تماما.

وتقول راموس: "هذا التأجيل للأهداف الكبرى في الحياة، أصبح جليا للعيان في إسبانيا، إذ لا يزال 78 في المئة من الشباب في سن 30 عاما يعيشون في منزل أبويهم. وأصبح شبح انعدام الاستقرار الوظيفي يخيم على حياة الشباب وقد يلازمهم في مختلف مراحلهم العمرية".

وفي عام 2018، سُجل في إسبانيا أدنى معدل مواليد منذ 40 عاما، إذ وصل إلى 1.3 طفل لكل أم، مقارنة ب 2.9 طفل لكل أم في عام 1972.

ويقول غوميز، صاحب مشروع "مستر جيف": "تركت أمي منزل أبويها في عمر 16 عاما لتنضم إلى مسكن أبي الذي كان يبلغ من العمر 25 عاما، أما الآن فيعيش أبناء جيل الألفية لسنوات أطول مع أبويهم، ويتزوجون وينجبون أطفالا في مراحل عمرية متقدمة".

ولم يغير أبناء جيل الألفية أنماط معيشتهم فحسب، بل يعيد الكثيرون منهم أيضا النظر في معايير النجاح التقليدية، سواء على المستوى المهني أو الشخصي.

وتقول روبلز: "يهتم الشباب الآن بالتجارب أكثر من اهتمامهم بالأهداف التقليدية كما عهدناها في الحياة، مثل الزواج أو اقتناء كلاب أو إنجاب طفل في سن الثلاثين. إذ أصبح الشباب يقيسون الرضا عن الحياة بالتجارب وليس بالأهداف التي تمكنوا من تحقيقها".

وتضيف: "فإذا كنت تؤدي وظيفة توفر لك مستوى معيشي معقول وفي الوقت نفسه تستمع بتأديتها، فلم لا تزاولها؟".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على صفحة BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة