هل تحقق "ضريبة البدانة" في بريطانيا أهدافها؟

رجل ذو بطن كبير مصدر الصورة Getty Images
Image caption هل تحقق الخطة التي تطبقها المملكة المتحدة للحد من البدانة ومن تناول المشروبات السكرية أهدافها؟

هل تحقق الخطة التي تطبقها المملكة المتحدة للحد من البدانة ومن تناول المشروبات السكرية أهدافها؟

توجه رايان ألين إلى قلب ميدان "رويال إكستشينج" في غلاسغو باسكتلندا في شهر يوليو/تموز عام 2017، واستعان بصديقه ليتمكن من الوصول إلى قمة تمثال "الدوق الحديدي" وسط الميدان لوضع قمع ورقي يحمل رسالة احتجاج على تغيير مكونات مشروبه الغازي المفضل.

كانت الحكومة البريطانية قد أعلنت في أبريل/نيسان عام 2017 عن "ضريبة البدانة"، وهي ضريبة متعددة المستويات فرضت على المشروبات الغازية في إطار الجهود المبذولة للحد من البدانة التي وصلت لمستويات خطرة في البلاد.

وكانت هيئة الصحة العامة في انجلترا تهدف إلى دفع شركات مثل "كوكاكولا" و"بيبسي" و"رد بول" إلى تغيير تركيبة منتجاتها بطريقة تشجع على استهلاك كمية أقل من السكر. لأن إخفاق الشركات في ذلك، كان سيعني دفع ضرائب أكثر، وكان سيدفع تجار التجزئة إلى رفع الأسعار أيضا، ولذلك فإن معظم الشركات اختارت تغيير وصفاتها الخاصة بالمشروبات الشعبية.

وتبدو عملية فرْض ضريبة على صناعة المشروبات الغازية، أو ما يُعرف بـ "ضريبة السكر"، فكرة وجيهة عند الكثيرين في المملكة المتحدة. لكنها بالنسبة لمحبي المشروبات الغازية منذ نشأتهم، مثل ألين، تعتبر تلك الخطوة هجوما مباشرا على ثقافتهم وأسلوب حياتهم. فالنسبة إلى هؤلاء، يعني نقص كمية السكر في المشروبات الغازية نقصًا موازيا في طعمها المفضل.

لكن كيف لسكان بلد كالمملكة المتحدة أن يقلعوا بشكل مفاجئ وغير تدريجي عن عاداتهم؟ وللوقوف على حجم إدمان البريطانيين للسكريات يمكن النظر إلى الجيل القادم، إذ يعاني 20 في المئة من أطفال الصف التعليمي السادس، ممن تترواح أعمارهم بين 10-11 عاما، من البدانة.

ويُصنف نحو 26 في المئة من البالغين بدناء في انجلترا. فهل يمكن فعلا استخدام ضريبة لإحداث تغيير ثقافي فيما يتعلق باستهلاك السكر؟ وإذا أمكن، فما أفضل الطرق لقياس مدى نجاح ذلك؟

تشخيص كارثي

كشفت حكومة المملكة المتحدة للمرة الأولى عن تقرير تحت اسم "بدانة الأطفال: خطة عمل" في أغسطس/آب 2016، وهو تقرير شامل صدر عن هيئة الصحة العامة في انجلترا يتناول بالتفصيل وباء السِمنة المفرطة، ويطرح عددا من الحلول والطرق التي تهدف إلى الوصول لمستقبل أكثر صحة.

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption فرض ضريبة على المشروبات الغازية هو أحد الحلول المقترحة لمواجهة مشكلة البدانة

وقد توصلت هيئة الصحة العامة في انجلترا إلى أن نحو ثلث الأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين 2-15 سنة كانوا يعانون وزنا زائدًا أو بدانة، وأن الناس كانوا يصابون بالبدانة في وقت مبكر من حياتهم ويظلون بدناء لعدة سنوات.

وجاء في التقرير: "الكلفة الاقتصادية فادحة أيضا، كما أننا ننفق المزيد كل عام على علاج البدانة وأمراض السكري أكثر مما ننفق على هيئات الشرطة والمطافئ والقضاء مجتمعين".

وتوصلت هيئة الصحة العامة في انجلترا إلى أن هيئة الخدمات الصحية الوطنية (ومن ثم كل دافع ضرائب بالمملكة المتحدة) تنفق نحو خمسة مليارات جنيه استرليني سنويا على خدمات صحية متعلقة بالبدانة. وفي عام 2018، بلغ إجمالي التقديرات نحو ستة مليارات جنيه استرليني.

وتشمل قائمة طويلة قدمتها الحكومة كحل لتلك المشكلة فرض ضريبة على مشروبات غازية، فقد حان الوقت للتعامل مع جذور المشكلة.

وأعلن وزير المالية آنذاك، جورج أوزبورن، عن الضريبة في بيان ميزانية 2016. وكان على الحكومة أن تنتظر مدة عامين قبل تطبيقها حتى يتسنى للمصنّعين تعديل وصفاتهم.

وستواجه المشروبات التي يحتوي كل 100 ملليلتر منها على أكثر من 5 غرامات من السكر ضريبة تعادل 18 بنسا لكل لتر (0.23 دولار)، وتلك التي تحتوي على أكثر من 8 غرامات ستواجه ضريبة تعادل 24 بنسا لكل لتر (0.31 دولار).

وكان حجم الإيرادات السنوية المتوقعة جراء ذلك حوالي 500 مليون استرليني، وقالت هيئة الصحة العامة في انجلترا إن ذلك المبلغ سوف يُستثمر في برامج الحد من السمنة عند الأطفال.

وربما ظن البعض أن تثور شركات المشروبات الغازية لدى الإعلان عن هذه الضريبة، وأن تتطلع وزارة المالية إلى سبيل آخر لتعزيز التمويل، لكن ما حدث هو العكس تماما.

لقد بدا الأمر كما لو كان واقعا لا محالة. فسارع المصنعون إلى البحث عن طرق لإعادة صياغة منتجاتهم حتى تتماشى مع اللوائح الجديدة، وعمدت غالبية الشركات المصنعة إلى استخدام المُحليات الصناعية بدلا من السكر.

وارتفع عدد العمليات الجديدة لتصنيع المشروبات الغازية التي تقل بها نسبة السكر عن 5 غرامات في كل 100 ملليلتر منذ صدور تقرير 2016 من 32 إلى 45 عملية. وفي المقابل، انخفض عدد المشروبات الجديدة التي تزيد فيها نسبة السكر عن الحد الموصى به من 60 إلى 49 مشروبا عام 2018.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption عمدت غالبية الشركات المصنعة للمشروبات الغازية إلى استخدام المُحليات الصناعية بدلا من السكر

ومع تلبية العديد من الشركات للمعايير التي أوصت بها هيئة الصحة العامة في انجلترا، فقد انخفض تبعا لذلك حجم الإيرادات المتوقعة جراء الضريبة من 500 مليون استرليني إلى 385 مليون استرليني بحلول منتصف عام 2017، ثم إلى 275 مليون استرليني في نوفمبر/تشرين الثاني. وبعد مرور أكثر من سبعة أشهر على التطبيق الرسمي للضريبة، بلغ إجمالي الإيرادات 62 مليون استرليني (80 مليون دولار) فقط.

ومع ذلك، يصف مسؤولون بوزارة المالية الضريبة بأنها ناجحة؛ لأن انخفاض إيراداتها يعني استعدادًا أكبر من جانب الشركات لتطبيق معايير أكثر مراعاة للصحة.

التحرر من العادات الغذائية

في وسط هذا الاتفاق الودي، لا يسع البعض إلا الرجوع إلى الماضي، وقبل أن تمسي البدانة وباءً. ويتذكر نافيد ستار، أستاذ القلب والعلوم الطبية بجامعة غلاسغو، كيف شبّ بلا خوف من الإفراط في تناول السكر.

وكانت مستويات البدانة بالمملكة المتحدة تترواح بين 4-7 في المئة في حقبة الثمانينيات عندما كان ستار طفلا يساعد أبيه في دُكّانه. وكان معتادا أن يشاهد الزبائن يشترون كميات كبيرة يوميا من المشروبات الغازية.

لكن الإقلاع عن إدمان مشروب غازي ليس دائما أمرا سهلا. ويتحدث ستار عن حالة أحد المرضى الذي كان يعاني ارتفاعا في مستوى الدهون في الدم وتعرض لنوبة قلبية وكان معتادا على تناول 6 لترات من مشروب (إيرن برو) الغازي يوميا، بل وكان يستيقظ ليلا لاحتسائه. وقد فقد 8 كيلوغرامات من وزنه بعد أن عالجه ستار، وبدأ التمتع بتناول غذاء صحي للمرة الأولى منذ سنوات.

يقول ستار: "لو أن الناس يعطون أنفسهم فرصة حقيقية، لأمكن غرس عادات جديدة، فمجرد أنهم يحبون شيئا لا يعني أنه ليس بإمكانهم إحداث تغيير في وقت قصير، وبقليل من المثابرة".

ويرى ستار أنه من السابق جدا لأوانه الاحتفال بنجاح فكرة الضريبة؛ فصحيحٌ أن الحد من المشروبات الغازية بداية رائعة، لكن خبراء يعتقدون أنها تمثل خمسة في المئة فقط من قضية البدانة بشكل عام.

المملكة المتحدة ليست الأولى عالميا في اتخاذ إجراء على صعيد المشروبات السكرية. أغلب الظن أن البداية كانت في جزر المحيط الهادئ، ثم انتشر فرض الضرائب ببطء عبر المدن والبلدان في أنحاء كل قارة منذ بداية حقبة الثمانينيات.

ثم جاءت ضريبة المكسيك بنسبة 10 في المئة وسرعت وتيرة الحركة عام 2014. وبعد أقل من عام واحد، انخفض استهلاك المكسيكيين للمشروبات السكرية بنسبة 12 في المئة، في أكبر انخفاض شهدته أكثر الأسر المعيشية فقرًا.

إجراء عالمي

وشهد عام 2014 انضمام خمس دول أخرى إلى القائمة التي تفرض ضرائب على المشروبات السكرية، ثم انضمت ست دول في عام 2015 وست دول أخرى في عام 2016، بينما انضمت 13 دولة عام 2017.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption بحسب إحصاءات الصندوق العالمي لأبحاث السرطان، فإن 48 من المدن والدول والأقاليم تفرض الآن ضرائب على بعض أنواع المشروبات الغازية الرائجة فيها

وشهدت المجر انخفاضا بلغت نسبته 40 في المئة من محتوى المشروبات الغازية من السكر في أعقاب فرضها للضريبة.

وفي بيركلي وكاليفورنيا أدى فرض ضريبة بسيطة إلى خفض الاستهلاك الإجمالي بنسبة 21 في المئة. ، فإن 48 من المدن والدول والأقاليم تفرض الآن ضرائب على بعض أنواع المشروبات الغازية الرائجة فيها.

لكن الأمر لم يكن سهلا دائما؛ فقد ألغت السلطات في شيكاغو ضريبة كانت فرضتها بنسبة سنت واحد لكل أوقية عام 2017 بعد مرور شهرين اثنين فقط من تطبيقها. وقد نُبذ ذلك الإجراء لأنه أثر في موازنة المدينة. وتراجعت المخاوف الصحية والحماية من السمنة إلى المرتبة الثانية، بحسب صحيفة الواشنطن بوست.

وانتهت المعركة بين شركات المشروبات والجماعات المدافعة عن الصحة العامة بهزيمة مؤيدي فرض الضريبة. وأسهم تعاون المملكة المتحدة مع مسؤولي الصحة والتزامها بالبرامج المدرسية حتى الآن في نجاح إجراءات فرض الضريبة، بينما فشلت شيكاغو في تحقيق ذلك.

وتستخدم دراسة نشرتها جامعة كامبريدج معيارا مختلفا لقياس النجاح. فهي تقدّر أن الضريبة رفعت أسعار المشروبات الغازية بحوالي 38 في المئة، مما استتبع انخفاضا نسبته 26 في المئة في معدلات استهلاك تلك المشروبات في إنجلترا.

ويقول الباحثون إن هذا الانخفاض سيحول دون وفاة نحو 370 من المصابين بأمراض القلب التاجية، وهذا سيعني إضافة 490,4 سنة إلى أعمار الناس بحلول عام 2021.

وكما حذر الأستاذ الجامعي ستار، فإن الحرب على البدانة لا تعدو مجرد بداية.

وعلى الرغم من التقدم الذي تحرزه خطة وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية في بريطانيا لخفض 20 في المئة من السكر في الأطعمة الأكثر تناولا من جانب الأطفال، فإن المملكة المتحدة لم تلب نسبة الخمسة في المئة المستهدفة من خفض الاستهلاك في السنة الأولى من تطبيق الضريبة.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على صفحة BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة