فوائد عدم ارتداء ملابس رسمية في مكان العمل

فوائد عدم ارتداء ملابس رسمية في مكان العمل مصدر الصورة Alamy

نرغب جميعا في أن نتناغم مع الوسط المحيط بنا، وأن نكون جزءا لا يتجزأ من المجموعة التي ننتمي إليها، وخاصة في بيئة العمل، وهو ما يعني أننا نكرس وقتا ومالا، لمحاولة فهم ذلك الموضوع الشائك المتعلق بكشف النقاب عن كل القواعد الخفية المتعلقة بالملبس والسلوك.

ويقول ريك هاربو، الأستاذ المساعد لاقتصاديات الأعمال في كلية كيلي لإدارة الأعمال في جامعة إنديانا، إن امتثال المرء الكامل للقواعد السائدة في مكان العمل يشير إلى أنه "ذكي وينتمي" إلى ذلك المكان.

لكن هل يمكن أن يكون اتباع نهج أكثر تحررا أفضل؟

مصدر الصورة Getty Images
Image caption الملياردير البريطاني السير ريتشارد برانسون تخلى علنا في تسعينيات القرن الماضي عن السترة المعتادة ليرتدي بدلا منها قميصا مفتوحا من عند الرقبة وسروالا من نوع الجينز

القدرة على التفرد وسط الجموع

ومن هنا فإن التفرد بطابع مختلف عن المجموعة، لا التناغم والتشابه مع أفرادها، قد يشكل في واقع الأمر طريقا ذكيا لتحقيق النجاح. وفي دراسة نُشرت في دورية "بحوث المستهلك" عام 2014، كشفت عبارة "تأثير حذاء الرياضة أحمر اللون"، عن أننا نعتبر المختلفين عن المجموعة، أكثر كفاءة وأعلى مكانة ممن يمتثلون لعاداتها وأعرافها.

لذا، غالبا ما نشعر بأن من يرتدي ثيابا تختلف بشكل كبير عما هو متعارف عليه في بيئته العملية والمهنية، يتحلى بقدرات أفضل ومكانة أعلى واحترام أكبر، من زملائه الذين يمتثلون لقواعد الملبس.

ويعود ذلك إلى أن خروج المرء عن المألوف، يشير إلى أنه يتحلى بالاستقلالية وأن بمقدوره تحمل ثمن اختلافه عن المجموعة التي ينتمي إليها، حتى وإن كان ذلك سيكلفه عمله مثلاً.

وربما يجدر بنا هنا التعرف على رؤية سيلفيا بيليتسا، أستاذ مساعد في كلية كولومبيا لإدارة الأعمال في نيويورك، وهي من بين معدي الدراسة التي أشرنا إليها في السابق. تقول بيليتسا: "غالبا ما نرى أن ثمة ثمنا اجتماعيا للانحراف عن الأعراف الثقافية، أو نعتبر أن المضي على هذا الدرب يؤدي إلى عواقب سلبية لا إيجابية". لكنها تقول في الوقت نفسه إن هذا التصور ليس دقيقا في كل الحالات.

وتشير إلى أن الإقدام على المجازفات يشير إلى أن لدى الإنسان "رأس مال اجتماعيا" كافيا يضمن له الإبقاء على وضعه ومكانته، حتى إذا ما عاد عليه الاختلاف عن المجموع بنتائج عكسية.

وتشير بيليتسا إلى أن ذلك هو ما يجعل الموظفين الصغار - أو الجدد بالأحرى - يحاولون في أغلب الأحيان الانسجام مع الباقين في مجال العمل والتناغم معهم، بالنظر إلى أن المخاطر المترتبة على فشلهم في ذلك، تفوق تلك التي تواجه غيرهم.

وتضيف: "يهزأ الكثير من رجال الأعمال الناجحين بالأعراف السائدة، مثل مؤسس شركة آبل ستيف جوبز" الذي تخلى عن السترة من أجل ارتداء الكنزة ذات الرقبة سوداء اللون.

وبحسب بيليتسا، من الضروري أن يدرك الآخرون أننا نتعمد الخروج عن المألوف في ما يتعلق بالزي، لنضمن أن يحقق ذلك نتائج إيجابية. وضربت مثالا في هذا الشأن بالقول: "إذا ارتديت أحذية رياضية في مكان العمل - مثلا - قد يظن الآخرون أن ذلك يعود لكونك عاجزا عن شراء حذاء عادي. وهذه ليست بالسمة المميزة للشخص الناجح".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption رغم أن القواعد الخاصة بارتداء ملابس فضفاضة وغير رسمية، أصبحت تهيمن على أماكن العمل في وادي السليكون، فإن الخبراء يقولون إن مخالفتك بذكاء للقواعد نفسها خلال العمل في مجالات أخرى، قد يعود عليك بالفائدة

محطمو القواعد

اللافت أن بعض النماذج المعروفة على صعيد التمرد على قواعد الزي في مكان العمل، يكونون من الرجال بيض البشرة على الأغلب. ومن بين هؤلاء، مارك زوكربيرغ مؤسس موقع "فيسبوك" بردائه المميز ذي القلنسوة وقميصه قصير الأكمام رمادي اللون، وكذلك المقدم التلفزيوني جون سنو الذي يعمل في محطة "تشانل فور" التليفزيونية البريطانية، بجواربه غير التقليدية وربطات عنقه صارخة الألوان.

لكن الأمر يختلف مع النساء، فحتى في المجالات التي تسود فيها قواعد أقل صرامة للملبس، مثل مجال التكنولوجيا، ستجد أن الكثير من السيدات اللواتي يشغلن مواقع مرموقة، مثل شيريل ساندبرغ، التي تعمل في شركة "فيسبوك"، ما زلن يرتدين ملابس تتسم بطابع رسمي وتقليدي أكبر.

وقد يعكس هذا الأمر ببساطة حقيقة أن الرجال يهيمنون بشكلٍ كبير على المناصب الرفيعة في الشركات والمؤسسات مُقارنة بالنساء والمنتمين للأقليات. لهذا السبب - وبحسب ما تقول أستريد هومان أستاذة علم النفس التنظيمي في جامعة أمستردام التي درست عواقب تبني سلوك ينتهك الأعراف والقواعد - توجد فرص أكبر للرجال بيض البشرة لكسر القواعد الراسخة.

وتشير كاثرين فيليبس، أستاذة في كلية كولومبيا لإدارة الأعمال، إلى أن هناك إمكانية لأن تواجه السيدات وأبناء الأقليات العرقية، ممن يعملون في مجالات هيمن عليها الرجال بيض البشرة على نحو تقليدي، ضغوطا أكبر للتناغم والانسجام مع المجموعات التي ينتمون إليها، نظرا لأنهم لا يتوافقون من الأصل مع هؤلاء.

وتقول فيليبس: "الكثير من النسوة وأبناء الأقليات العرقية يشعرون بأنهم بحاجة إلى ترسيخ أقدامهم والشعور بقدر كافٍ من الأمان، لكي يكرسوا طاقاتهم كاملة للعمل، وهو ما يجدونه عسيرا لأنهم يشعرون بالقلق من ألا يتم قبولهم" من الأصل من جانب المجموعة الموجودة في مكان عملهم.

وبطبيعة الحال، لا يسلم الرجال من التعرض لانتقادات لمخالفتهم الأعراف السائدة فيما يتعلق بالملبس. حدث ذلك مع المذيع روبرت باستون، المسؤول عن القسم الاقتصادي سابقا في "بي بي سي"، الذي جرى انتقاده لارتدائه ملابس تكشف عن شعر صدره، خلال مقابلة استضاف فيها وزير الخزانة البريطاني السابق جورج أوزبورن.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يقول بعض الخبراء إن النساء لا يتمتعن بقدر من الحرية يماثل ما يحظى به الرجال على صعيد ارتداء ملابس غير ذات طابع رسمي، وهو ما يتضح مثلا في الأزياء التي ترتديها شيريل ساندبرغ المسؤولة في "فيسبوك"

واتسقت ردود الفعل السلبية هذه، مع دراسة أجرتها نامراتا غويال الأستاذ المساعد في كلية كولومبيا لإدارة الأعمال، وكشفت من خلالها أن تبني سلوكيات تنطوي على مخالفة قواعد متعارف عليها يأتي بعواقب سلبية.

وتقول غويال إن انتهاك أعراف "مقدسة" قد يقود إلى نتائج عكسية خطيرة. ومن أمثلة هذه الأعراف، قواعد الملبس التي اكتسبت مكانة واحتراما بمرور الوقت، أو تلك التي تضرب بجذورها في العقائد والأديان.

وفي حالة باستون، يمكن القول إن المؤسسة السياسية البريطانية لا تزال عالقة في شِرك الالتزام بالشكليات. فحتى وقت قريب، كانت التقاليد التي ترجع جذورها إلى قرون مضت، تُملي على النواب من الرجال ارتداء ربطة العنق للحديث أمام البرلمان.

أمور عفا عليها الزمن

هل يعني ذلك أن تأثير استراتيجية "الحذاء الرياضي أحمر اللون" يكتسب فاعليته القصوى في مجالات العمل "الجديدة" أو ذات "الطابع غير الرسمي بشكل أكبر" مثل التكنولوجيا؟

إذا عدنا إلى سيلفيا بيليتسا، سنجد أنها تتبني وجهة نظر معاكسة في هذا الصدد. إذ تقول إن مخالفة المرء لقواعد الملبس في مجالات مثل الصيرفة أو في المؤسسات الحكومية على سبيل المثال، يمكن أن يعود عليه بالعائد الإيجابي الأكبر من نوعه، مقارنة بقيامه بالفعل نفسه في مجال كالتكنولوجيا. ويعود ذلك إلى أن مثل هذا السلوك غير معتاد في قطاعات تقليدية كهذه، لذا سيُنظر إلى صاحبه على أنه متفرد عن الجماعة، وهو ما يجعله بالتبعية يحظى بالتقدير والإعجاب في نظر البعض.

وتشير إلى أن "المشكلة في وادي السيلكون تتمثل تحديدا في أن مثل هذه السلوكيات (المتعلقة بالخروج عن المألوف) صارت هي النمط الموحد القائم، فارتداء قميص قصير الأكمام وحذاء رياضي في سياق مكان مثل هذا، بات الآن الاتجاه السائد".

وتشكل طبيعة الثقافة التي يجري الخروج عنها، أحد العوامل المهمة التي يجب وضعها في الاعتبار، عند مناقشة هذه المسألة. وقد أجرت أستريد هومان دراسة تحليلية لتحديد كيف يمكن النظر إلى مخالفة الأعراف والقواعد السائدة من جانب أبناء الثقافات المختلفة. وأشارت نتائج الدراسة إلى أن المنتمين لثقافات ذات طابع فردي- وهي الثقافات التي تسود غالبية أنحاء العالم الغربي - يعتبرون مُخالفي هذه القواعد أكثر قوة من سواهم ممن يمتثلون لها، كما أن مخالفة تلك الأعراف يثير غضبا أقل في مثل هذه الثقافات.

واختلف الأمر - بحسب دراسة هومان - بين أبناء الثقافات الجماعية، كتلك الموجودة في شرق آسيا وأمريكا اللاتينية. إذ يفضل الناس هناك أن يكون قادتهم ممن يتبعون القواعد ويمتثلون لها، لأنهم قد يعطون في هذه الحالة لما يمكن أن يُعرف بـ "الأهداف التنظيمية" أولوية على حساب أهدافهم الفردية.

أما غويال فتقول إن التأثير الذي تُحدثه استراتيجية "الحذاء الرياضي الأحمر"، يختلف بشكل كبير من فرد لآخر، نظرا لأن الناس المختلفين في طبائعهم، ينظرون إلى السلوك المختلف، بشكل مختلف بحسب السياقات المختلفة التي يحدث فيها.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على صفحة BBC Capital

المزيد حول هذه القصة