كيف تواجه إسبانيا مشكلة ساعات العمل الإضافية غير مدفوعة الأجر؟

كيف تواجه إسبانيا مشكلة ساعات العمل الإضافية غير مدفوعة الأجر؟ مصدر الصورة Getty Images

تعمل ماريا (رفضت الإفصاح عن اسمها الحقيقي)، البالغة من العمر 35 عاما، في الفنادق الشاهقة المطلة على شواطئ مدينة بينيدورم الإسبانية منذ تسع سنوات. وتدرجت في المناصب من موظفة استقبال إلى موظفة في إدارة التسويق بإحدى أكبر سلاسل الفنادق في المدينة.

وعانت ماريا، كشأن الكثير من الموظفين في إسبانيا، من مشكلة الساعات الإضافية غير مدفوعة الأجر. وتقول: "عندما كنت أعمل موظفة استقبال، كانت جداول العمل منهكة، وكنت أعمل لساعات طويلة دون أجر إضافي، ولم يكن هناك وقت للراحة بين نوبات العمل".

وتضيف: "كان جميع الموظفين يعملون لساعات تتجاوز عدد ساعات العمل المنصوص عليها في العقد، نظير نفس الراتب. ولم يكن بوسعهم الرفض أو التذمر خشية فقدان وظائفهم، وبالطبع استغل أصحاب العمل احتياج الموظفين للوظائف. لكن هذا يجعلك تشعر بأنك لا تحصل على الأجر الذي تستحقه".

ووضعت الحكومة الإسبانية قواعد جديدة لإلزام الشركات بتسجيل ساعات دوام الموظفين، على أمل القضاء على مشكلة عدم تعويض العاملين عن الساعات الإضافية. فهل من الممكن أن يسهم تطبيق نظام تسجيل حضور وانصراف الموظفين، الذي عفا عليه الزمن، في القضاء على ممارسات أصحاب العمل الاستغلالية؟

تسجيل الحضور

اقترح هذه الفكرة حزب العمال الاشتراكي الإسباني الحاكم، ودخلت حيز التنفيذ في 12 مايو/أيار الماضي، على أن تُعاقب الشركات التي لا تلتزم بهذه القواعد، بما في ذلك تسجيل وقت بداية وانتهاء العمل لكل موظف والاحتفاظ بالبيانات لأربع سنوات، بغرامة تتراوح ما بين 626 و6,250 يورو.

وتشير أخر تقارير المكتب الإسباني للإحصاء إلى أن الإسبانيين عملوا في الربع الأول من عام 2019، 5.6 مليون ساعة إضافية أسبوعيا، منها 2.9 مليون ساعة غير مدفوعة الأجر.

ووصف الاتحاد العام للعمال، أحد أكبر الاتحادات في إسبانيا، هذا الإجراء بأنه "أداة لا غنى عنها للقضاء على الممارسات الاحتيالية التي يتعرض لها العمال"، وهذا يشمل العمالة المؤقتة وغير المنتظمة، والعمل لساعات أطول من المتعاقد عليها، وامتناع أصحاب العمل عن تعويض الموظفين عن الساعات الإضافية، للتهرب من أقساط التأمين الاجتماعي.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تقول وزيرة العمل الإسبانية ماغدالينا فاليريو إن السياسة الجديدة "لها مزايا فقط"

وذكرت وزيرة العمل الإسبانية ماغدالينا فاليريو في وقت سابق من الشهر الحالي، أن هذه السياسة ستفيد العمال وتمنع المخاطر المصاحبة لكثرة العمل وتسهم في تحقيق التوازن بين الحياة العملية والحياة الأسرية وستعود بالنفع على خزانة الدولة.

وتقول ماريا إن الموظفين في شركتها، منذ تطبيق الإجراءات الجديدة، أصبحوا يسجلون الساعات التي يقضونها في العمل رقميا. وتضيف: "أعتقد أن نظام مراقبة ساعات العمل يحمي الموظفين بالفعل ويسهم في القضاء على مشكلة العمل لساعات إضافية دون مقابل".

هل تجدي هذه القواعد نفعا؟

وتسجل الكثير من الشركات الكبرى من تلقاء نفسها مواعيد حضور وانصراف موظفيها، لكن القواعد الجديدة ستلزم الشركات الصغيرة والمتوسطة بأن تسير على خطى الشركات الكبرى. وحذر الاتحاد الإسباني للشركات الصغيرة والمتوسطة من أن هذه القواعد تفرض قيودا وتكاليف اقتصادية على الشركات قد تحول دون الالتزام بها.

ويقول توني بونانو، صاحب إحدى الحانات في مدريد: "أثرت هذه القواعد على حياتنا اليومية، لأن الموظفين لم يعتادوا عليها بعد. وأضطر يوميا إلى تذكيرهم بكتابة مواعيد بداية ونهاية نوبات عملهم".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption أصبحت الشركات ملزمة بتسجيل ساعات عمل موظفيها، بطرق مختلفة، سواء بأجهزة مسح بصمة اليد أو بسجلات ورقية

وتشمل طرق تسجيل الحضور والانصراف التي تستخدمها الشركات السجلات الورقية القديمة والتطبيقات الرقمية وآلات مسح بصمة اليد وأجهزة قراءة البطاقات الشائعة في الشركات الكبرى.

ويسجل بانونو ساعات عمل موظفيه على ورقة في حافظة بلاستيكية، ويقول إنه لن يشتري هذه الأجهزة الباهظة، بل سينفق المال من باب أولى على التأمينات الاجتماعية.

أما عن الموظفين الذين يعملون بنظام الساعات المرنة أو الذين يقتضي عملهم التنقل المتواصل، مثل مندوبي المبيعات أو العاملين الذين يقدمون الخدمات في منازل العملاء، فتنص القواعد على أن يوضع نظام لاحتساب ساعات العمل بالتراضي بين الشركة والموظف، واعتبار أي ساعات عمل تتجاوز عدد الساعات المقررة، ساعات إضافية.

البحث عن ثغرات في القانون

يقول الاتحاد العام للعمال إن هذه القواعد ستسهم في تحسين أجور العمال والقضاء على الفقر، من خلال التصدي للانتهاكات ذات الصلة بساعات العمل، لكنها لم تنص على الآليات الضرورية لتنفيذ الرقابة التي تكفل الحماية للعمال. إذ لم تحدد الحكومة كيفية تسجيل الساعات. ويخشى البعض من أن تستغل بعض الشركات هذه الثغرات للتحايل على القواعد، مثل الشركات التي تطبق نظام الدوام المرن.

وتقول نوريا تشينشيلا، أستاذة الإدراة بكلية إدارة الأعمال بجامعة نافارا الإسبانية، إن الكثير من الشركات، التي بدأت في تطبيق أنظمة العمل الحديثة المبنية على الثقة المتبادلة بين الموظف والشركة، تبحث الآن عن طرق للالتزام بالقواعد الجديدة على الورق فقط.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption قواعد العمل الجديدة هي من بنات فكر حزب العمال الاشتراكي الإسباني

وتحذر تشينشيلا من أن هذه القواعد الجديدة قد تزيد الإجراءات الإدارية المعقدة التي قد تعرقل سير العمل في الشركات التي تراعي مصالح موظفيها.

إذ ترى أن هذه القواعد ستقوض الجهود التي بذلتها بعض الشركات للترويج لنظام ساعات العمل المرنة والقضاء على ثقافة إثبات الحضور في مكان العمل التي اشتهرت بها إسبانيا.

وتصف تشينشيلا هذه القواعد بأنها عودة إلى صرامة المراقبة على الموظفين، وتعوق التقدم الذي حققته الشركات لمنح الموظفين بعض المرونة في الحضور والانصراف والتركيز على أهداف العمل بدلا من عدد الساعات التي يقضيها الموظف في العمل.

ويقول مارك غراو-غراو، زميل باحث بكلية كينيدي بجامعة هارفارد: "إذا كان الهدف الحقيقي من القانون إعادة تنظيم أساليب العمل في إسبانيا وتقليل ضغط العمل وزيادة الإنتاجية، فإن مراقبة ساعات العمل لن يكون لها أثر مباشر على إعادة تنظيم العمل".

ودخلت هذه القواعد حيز التنفيذ بعد يومين من صدور حكم من محكمة العدل الأوروبية يلزم الشركات بتسجيل ساعات عمل موظفيها، وهذا يدل على أننا قد نشهد قريبا أنظمة مماثلة في دول أخرى.

ويقول غراو-غراو: "يعاني أكثر من نصف سكان البلدان المتقدمة من عدم القدرة على تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والأسرية، والضغط والتوتر والاحتراق النفسي، ولهذا فإن أي مبادرة تسهم في حل هذه المشكلات ستلقى ترحيبا من الجميع. وأرى أن هذه الفكرة جيدة نظريا، لكن تطبيقها سيحتاج لتخطيط أفضل من الدول".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital

المزيد حول هذه القصة