الغوريلا المسالمة تنضم لـ "الغوغاء" وتهاجم المنافسين

الغوريلا المسالمة تنضم لـ "الغوغاء" وتهاجم المنافسين

من المعروف أن حيوانات الشامبانزي والبونوبو (الشامبانزي القزم) هي أقرب المخلوقات لنا، ثم تليها الغوريلا. لكن عندما نتحدث عن العنف نجد أن هناك فروق واضحة بين هذه المخلوقات. وبينما يعرف عن البونوبو أنه يعيش في مجتمعات متآلفة فإن الشيء ذاته لا ينطبق على البشر أو على الشامبانزي.

ومن المعروف عن كل من البشر والشامبانزي أنهم يميلون إلى الترصد بالآخرين والاعتداء عليهم، إذ يعتقد أن ميلنا للعنف هو جزء من حكاية تطورنا.

ولكن ماذا عن العضو الأخير في المجموعة؟ تقول وجهة النظر السائدة إن ذكر الغوريلا قد يقتل صغيره، لاسيما إذا كان ينافس ذكراً آخر، لكن ما عدا تلك الأفعال تعتبر الغوريلا مسالمة.

لكن سلسلة مدهشة من الملاحظات عن الغوريلا الجبلية في جبال فيرونغا الأفريقية، نشرت في مجلة "سينتيفيك ريبورتس"، قلبت هذه النظرة رأسا على عقب.

ولوحظ أن مجموعاتٍ من ذكور وإناث الغوريلا هاجمت مجموعاتٍ أخرى في ثلاث مناسبات مختلفة في أعوام 2014 و2013 و2010. وقد وقعت هذه الهجمات بين نفس الفصيلة التي اكتسبت شهرتها للمرة الأولى عندما قدمها عالم الحيوان ديان فوسي إلى العالم، وكشف عن طبيعتها التي بدا أنها تميل إلى السلمية.

وفي أول هجوم، اقترب ذكر يدعى إنشوتي من مجموعة مكونة من 26 فردا، لكنه تعرض للهجوم من ثلاثة ذكور ألقوه أرضا وهاجموه. وبعد وقت قصير لحقت بقية المجموعة، وبدأ جميع أفرادها في عض إنشوتي وركله وشد شعره.

وقال معدو الدراسة: "غرس كبير المجموعة أسنانه مرة بعد مرة في جسده (إنشوتي)، وهز رأسه جيئة وذهابا".

وقالت ستايسي روزنباوم، من جامعة شيكاغو في ولاية إلينوي، إنها شعرت بالذهول عندما رأت ذلك، مضيفة: "رأيت عدة ممارسات عدوانية فيما بين مجموعات الغوريلا، إضافة إلى النوع المعتاد الذي لا ينتج عنه إصابات. لكن هذا الحادث بدأ بالطريقة ذاتها، لذا افترضت أنني أقوم بتسجيل شجار معتاد بين هذه المخلوقات".

وتابعت روزنباوم: "لقد تحولوا إلى كائنات لم أعهدها من قبل. لم أكن لأندهش بهذه الطريقة لو كنت رأيتها تطير مثلا!"

توقف الهجوم بعد أربع دقائق، وتمكن إنشوتي من الفرار، لكن يبدو أنه أصيب. وتقول روزنباوم إنه لا يوجد شك بأنه كان سيموت في ذلك الهجوم الذي لا تعرف دوافعه. وأضافت: "ربما كان سبب نجاته هو تمتعه بقدر كبير من الرشاقة. لقد تمكن إنشوتي من النجاة كثيرا على مر السنين".

وفي عام 2010 هاجمت مجموعة مكونة من 42 غوريلا ذكرا وحيدا غير معروف، لكن هذه المرة استمر الهجوم مدة أطول بكثير، وبالتحديد لمدة 18 دقيقة، إلى أن تمكن الضحية من الفرار.

وبعد نحو أسبوعين، وجدت جثة ذكر غوريلا بالغ وعليها آثار جروح.

مصدر الصورة Andy Rouse/Naturepl.com
Image caption تتزايد أعداد مجموعات الغوريلا في جبال فيرونغا

أما الاعتداء الأخير فوقع عام 2013، إذ هاجمت مجموعة صغيرة مكونة من تسعة أفراد نفس الذكر "إنشوتي" الذي هوجم عام 2004. وكان من بين المجموعة أفراد شاركوا في الاعتداء السابق. وتمكن إنشوتي هذه المرة من الفرار بعد نحو دقيقة. وقالت الدراسة: "لأن الذكر نفسه كان ضحية لهجومين، لا نستطيع استبعاد إحتمال أن سلوكا شاذا من هذا الفرد دفع المجموعة إلى مهاجمته من جديد".

وفي الحالات الثلاثة شاركت المجموعة كلها في الهجمات، بما في ذلك الإناث والصغار. لكن السؤال الذي يطرحه الباحثون الآن هو: لماذا وقعت هذه الاعتداءات؟

قد تكون هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى الهجوم، لكن السبب الأهم يتمثل في أن أوضاع المجموعة قد تغيرت كثيرا. من المعتاد ألا تضم مجموعات الغوريلا أكثر من ذكر بالغ، إذ تميل الغوريلا للعيش في مجموعات تضم ذكرا واحدا وعدة إناث. أما الذكور الوحيدون فيتفرقون في العادة ليشكلوا في نهاية الأمر المجموعات الخاصة بهم.

لكن يوجد الآن مجموعات بها ثلاثة ذكور أو أكثر. وتقول روزنباوم: "في مجموعات كهذه، وجود عدد كبير من الذكور يجعل الخسائر أقل في أي اعتداء على أحدها، نظرا للتفوق العددي الكبير على الضحية".

ويشكل الذكور الذين يعيشون بمفردهم خارج المجموعة خطرا على الصغار والذكور البالغين. وتقول روزنباوم: "لهذا فإن بعض الحيوانات لديها أسباب وجيهة جداً للتخلص من الذكر الذي لا ينتمي لمجموعة أو قتله".

ويزيد عدد أفراد مثل هذه المجموعات منذ تسعينيات القرن الماضي، ووجد أن إحدى المجموعات تضم 65 فردا، بما في ذلك تسعة ذكور.

ولم يلاحظ السلوك العدواني لهذه المجموعات إلا بعد حدوث هذا "التغير الديمغرافي الهام" في تركيبتها الاجتماعية، كما يقول الباحثون. ولو كان هناك عدد أقل من الذكور في المجموعة، فمن المرجح أن تكون مهاجمة الآخرين مجازفة كبيرة.

لا يعرف أحد ما إذا كانت المجموعات كبيرة بالأعداد التي هي عليها الآن قبل أن تخضع الغوريلا للدراسة، إذ بدأ ديان فوسي دراسته عندما كانت الغوريلا تواجه خطرا كبيرا وكانت أعدادها أقل مما هي عليه الآن.

مصدر الصورة Andy Rouse/Naturepl.com
Image caption يمكن أن تكون الغوريلا عدوانية إذا تعرضت مجموتها للخطر

وتقول كيلي ستيورات، التي عملت مع هذه المجموعة من الغوريلا إلى جانب فوسي خلال سبعينيات القرن الماضي، إن الملاحظات الجديدة دفعتها إلى التساؤل عن سبب تطوير هذه الغوريلا لنظام التزاوج عبر ذكر واحد، وتضيف: "أن يكون هناك عدة ذكور في المجموعة للدفاع عنها وحمايتها من المنافسين الخارجيين (الذين يشكلون خطرا على الصغار (يعتبر ميزة واضحة".

التغيير الذي طرأ على تركيب المجموعة من حيث وجود أكثر من ذكر جعل تكوين مجموعات الغوريلا أكثر شبها بالبشر والشامبانزي. في حالة الشامبانزي، يعود الاعتداء العنيف غالبا إلى "عدم توازن القوى"، ويبدو أن شيئا مشابها يحدث مع الغوريلا.

لكن في حالة البشر والشامبانزي، فإن الذكور هم غالبا من يقومون بالاعتداء، وليس المجموعة بكاملها. وثمة فرق آخر يتمثل في أن اعتداءات هذه الغوريلا قد لا تكون متعمدة، بينما يعرف عن البشر والشامبانزي الترصد بالضحايا.

ويشير التقرير إلى أن "هناك نوع من الاتساق في سلوك الغوريلا بشكل واضح، وهو ما يكون له فوائد مباشرة لبعض الأفراد."

تقول سونيا هيل، من جامعة تشيستر في بريطانيا، إن هذه الملاحظات تمثل "مفاجأة مثيرة" تلقي الضوء على أهمية الدراسات التي تستغرق وقتا طويلا. وتضيف: "السلوك الحيواني ليس أمرا إحصائيا، وهناك الكثير جدا من العوامل التي تؤثر فيه. وتظهر هذه الدراسة أنه على الرغم من أن الباحثين يعكفون على دراسة الغوريلا الجبلية منذ خمسين عاما، إلا أننا ما زلنا نكتشف أمورا جديدة عنها".

وتقول شيلي ماسي، من المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في العاصمة الفرنسية باريس، إنه يبدو أن الغوريلا تغير سلوكها. وأضافت: "الابتكار السلوكي هو الطريق الأساسي لتطوير الثقافة، وهي خاصية نشترك فيها مع أقرب المخلوقات لنا".

أما سيريل جريويتر، من جامعة غرب أستراليا، فهو أقل اندهاشا لأن القرود الأخرى غالبا ما تصبح عنيفة عند التنافس على الأنثى. ويقول إنه "عندما تسنح فرصة لاجتذاب الأنثى، فإن ذلك يمثل مكسبا يستحق خوض مواجهة جسدية شاملة".

وبينما يسود الاعتقاد حتى الآن بأن هذه الاعتداءات نادرة الحدوث، قدم فريق البحث دليلا على وجود أمثلة أخرى منها. في الحقيقة، لا نعرف على نحو واضح ما إذا كان هذا السلوك غير عادي أم لا.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Earth

المزيد حول هذه القصة