"قصة شبح": فيلم يحرك مشاعر الحزن والخوف

مصدر الصورة A24
Image caption أدى الممثل كيسي أفليك دور البطولة في فيلم "قصة شبح"

في تجسيده لدور الشبح في فيلمه الجديد المشارك في مهرجان صندانس؛ يُخفي الممثل كيسي أفليك وجهه بمُلاءة بيضاء اللون. لكن ذلك يُفضي - كما يقول الناقد سام آدامز - إلى خروج عملٍ سينمائي، يمثل نظرةً متأملةً تفطر القلب لأمورٍ مثل الشعور بالحزن والأسى، واستحضار الذكريات.

يبدو فيلم "قصة شبح"، الذي أدى الممثل كيسي أفليك غالبية مشاهده وهو مُغطى بمُلاءة وكأنه جزءٌ كان يُفترض أن يتضمنه الفيلم الدنماركي الوثائقي "العراقيل الخمسة".

كما أن العمل، الذي كتبه وأخرجه دافيد لاوري، يبدو في بعض أجزائه - خاصة في مراحله المبكرة - ثمرةً لجسارة وجراءة غير مألوفتين.

فبعد مرور الربع الأول من الفيلم الذي تصل مدته الإجمالية إلى 87 دقيقة، تظهر الشخصية التي يجسدها أفليك وقد قضت نحبها بين حطام سيارة في حادث تصادم، وهي شخصية لا تُنادى بأي اسم على الإطلاق خلال الأحداث، بل وتُعرف في قائمة أسماء الشخصيات التي يتضمنها العمل بحرف "C" (سي) لا أكثر.

وبعد مفارقتها الحياة، تبقى تلك الشخصية طوال الوقت مغطاة بمُلاءة بيضاء اللون، مثقوبة في مكان العينيّن بغرض إفساح المجال للرؤية، وذلك باستثناء بعض المشاهد التي تُنفذ - بين الفينة والأخرى - بأسلوب العودة إلى الماضي (فلاش باك).

وتنهمك شخصية أفليك في مطاردة الأرملة الثكلى لصاحبها، كما يسكن شبحها المنزل الذي عاش فيه الاثنان يوماً قبل مقتل الزوج.

اللافت أن لاوري ضغط تصوير مشاهد الفيلم في 19 يوماً فحسب، إذ نفذه بعدما أنهى تصوير فيلم "بيتس دراغون" ذي الطابع الأسطوري والذي انتجته شركة ديزني، وقبل أن يشرع في العمل في فيلمه السينمائي الكبير التالي "العجوز والسلاح".

وفي "قصة شبح" يتحدى هذا الرجل عملياً جمهوره كذلك؛ مرة بألا يسخروا من مرأى ممثلٍ مثل أفليك، يُصنف من بين نجوم الصف الأول، وهو يرتدي ما يجعله أشبه بالأطفال الذين يطرقون أبواب المنازل في الغرب ليلة الهالووين طالبين من أصحابها إما خدعة أو حلوى، ويتحداهم مرة أخرى بأن يتمكنوا من بذل جهد هائل يُمَكِنُهم من مقاومة النزعة البشرية التي تدعوهم للعزوف عن مشاهدة ما يحتوي عليه الفيلم من تصويرٍ صارخ وجليّ لحزن مبهم وغامض.

على أي حال، يستغرق الأمر من الفيلم بعض الوقت لكي يجد الروح التي ينبغي له أن يكتسي بها (أو ربما حتى يجدها المشاهدون أنفسهم). فالمشاهد الأولى، التي يظهر فيها أفليك وروني مارا - التي تُعرف فقط بحرف "M" - وهما يتجادلان طويلاً حول ما إذا كان يتعين عليهما الانتقال من منزلهما الريفي إلى شقة في المدينة، تبدو متكلفة وبشعة.

كما تبدو المشاهد أقرب إلى تدريبات على التمثيل منها إلى مشاهد من فيلم مكتمل. الاستثناء الوحيد في هذا الصدد، يتمثل في مشهد طويل أخاذ، يتعانق فيه الاثنان وهما في الفراش، بدافعٍ من نغمات بيانو غامضة تتردد في هدأة الليل، ويتبادلان القبلات بتؤدة قبل أن يخلدا للنوم من جديد.

وبمرور الأحداث، يتبين أنه ما من حاجة لأن يثبت لنا الفيلم على نحو مقنع مدى قوة العلاقة التي كانت تجمع أفليك بأرملته، حتى يتسنى لنا الشعور بحجم ما مُنيا به من خسارة بعد وفاة الزوج.

فالحزن الذي يلف الأرملة ويغلب عليه الهدوء والصمت يثير المشاعر بقدر لا تصفه الكلمات، رغم أننا لا نراها سوى من منظور الشبح الخفي عن الأعين، الذي بات يسكن منزلهما. ففي مشهد صُوِّر دون تقطيع تقريباً، تنهمك في التهام الطعام الذي يؤدي حزنها المقيم إلى إقبالها عليه بشراهة.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption كاتب الفيلم ومخرجه دافيد لاوري، يظهر مع بطلة الفيلم الممثلة روني مارا خلال مهرجان صندانس.

وفي هذا المشهد تأتي السيدة على أفضل قطعة من كعكة تركها لها صديقٌ يُكِنُ لها الخير. وهنا تحول مارا ذلك المشهد إلى سيمفونية مصغرة تجسد مشاعر الجوع من جهة وفقدان زوجها من جهة أخرى، وتُتَوِجُهُ بركض سريع إلى أقرب مرحاض.

تذكار للموت

بعد ذلك يشرع الفيلم في الانتقال بسرعة بين المراحل الزمنية. فالمنزل يخلو من شاغليه ثم يعود مأهولاً بالسكان من جديد، بينما يراقب أفليك كل ذلك من خلف ثقبيّن في القماش يبدوان مكسوان بالسواد وهما يغطيان ما يُفترض أنهما عيناه.

ورغم أن لدى أفليك القدرة - على ما يبدو - على تحريك الأشياء، في تجسيدٍ تقليديٍ لنوعٍ من الأشباح يُعرف باسم "الأشباح التي تُحْدِثُ ضجيجاً"، فإنه يبقى شاهداً سلبياً في أغلب الوقت، أشبه بلوحٍ أبيض اللون يمكن أن نستعرض على صفحته، ما خبرناه نحن أنفسنا من فقدٍ لأحبة.

كما أن بمقدورنا أن نشهد على تلك اللوحة الأشبه بشاشة السينما ما ينجم عن استخدام صناع العمل لتكنيكٍ في المونتاج السينمائي يُطلق عليه اسم "تأثير كوليشوف" نسبةً للمخرج السوفيتي ليف كوليشوف، وهو أسلوبٌ يجعل التعبيرات المحايدة للوجوه تكتسب معاني مختلفة من خلال طريقة التقطيع والمونتاج.

وبالرغم من أن التغييرات التي تطرأ على المنزل تعني أنه لابد وأننا قد صرنا - في مرحلةٍ ما - نعيش في مستقبلٍ يبعد عدة سنوات عن زمننا الحالي، فإن لاوري ورفاقه من صناع العمل يتبنون نظرةً لا تضع عامل الزمن في الاعتبار.

ويبدو الأمر كما لو كنا نعكف ونحن نعيش في مستقبلٍ بعيد على مراقبة أداةٍ ما من صنع الإنسان تُسحب من تحت ركام حضارة بادت منذ زمن سحيق، لنعايش قصتها من خلال لغة سينمائية محضة تخلو من الكلمات، تجعلنا في غير حاجة إلى فهم تفاصيل موقفٍ أو حالة بعينها.

وتجدر الإشارة إلى أن آخر فيلم شارك فيه لاوري في مهرجان "صندانس" كان يحمل اسم "أليس لهم أجساد قديسين"، وهو عمل رائعٌ لكنه يعتمد في طابعه المثير على كونه من أفلام الجريمة.

وفي ظل ما ساد ذلك الفيلم من تقلبات، اتسم في الوقت نفسه بطابعٍ متكلف تُعرف به أعمال المخرج تيرنس ماليك.

ولا يخلو "قصة شبح" من لمسات ماليك كذلك، لاسيما في بداياته، عندما يتنقل المخرج بين مشاهد تُظهر الحياة المنزلية لأفليك ومارا، وبين أخرى متوهجة لسماءٍ مليئة بالنجوم، ينتقل منها إلى صورة لضوءٍ يتموج في الظلام، وهو يبدو في شكل شظايا مصبوغة بألوان الطيف.

لكن النظرة واسعة النطاق التي يتبناها الفيلم تتزامن مع طابع كوميدي مُضمر ومتميز يعمد من يُقْدِمون عليه ألا يبدو كوميدياً من الأساس. ويبدو هذا الطابع الكوميدي المتجهم بديلاً عما ساد أفلام ماليك الأخيرة من اندفاعات مفاجئة ذات طابع ملحمي ومسرحي.

فـ"قصة شبح" من بين تلك الأفلام التي تمنحك كثيراً الحق في الاختيار بين أن تضحك أو أن تبكي، أو أن تتخذ موقفاً وسطاً بين الحالتين. ويشكل الفيلم كذلك عملاً تعمد أصحابه أن يكون تجريدياً، ولذا يسهل علينا أن نقدر جراءته التي تصل إلى حد الوقاحة في المفاهيم التي يطرحها، وأن نقدر قيمة ما يتميز به من جمالٍ فيما يتعلق بمحتواه المرئي، دون أن يتعارض كل ذلك مع أن نشعر في الوقت نفسه بصعوبة الإحساس والتفاعل مع ما في الفيلم من طابع عاطفي وانفعالي ظاهر.

ولكن كلما ابتعد الفيلم عن النمط والإطار اللذين هيمنا عليه في بداية أحداثه، كلما صار أكثر قدرة على التأثير في مشاهديه، إذ أنه يمضي باتجاه شيء ما بسيطٍ ونقيٍ وصافٍ، وذي تأثيرٍ كبيرٍ نسبياً، فيما يتعلق بالطريقة التي تبدو فيها الأماكن - في الفيلم - وقد باتت مسكونةً بذكريات ما شهدته من قبل.

ويرتبط الأمر كذلك بحقيقة أننا قد نرحل عن تلك البقاع دون أن تغادرنا هي في أي وقتٍ من الأوقات. فبينما بدأنا رحلتنا مع هذا الفيلم بمشاهدة شبح، فإننا نتحول أنفسنا بحلول نهاية هذه الرحلة إلى أشباحٍ.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture .

المزيد حول هذه القصة