الهند تغض الطرف عن بيع نبتة القنب "المقدسة"

الهند تسمح ببيع نبات مخدر "مقدس" مصدر الصورة Diptendu Dutta/Stringer/Getty
Image caption مع أن بيع القنب غير قانوني في الهند، إلا أن البانغ يحظى بموافقة السلطات

تغض السلطات الهندية الطرف عن بيع نبتة القنب المعروفة باسم "البانغ"، وذلك بسبب الاعتقاد الشائع بفوائدها وفقا لبعض الأساطير الهندية. الصحفية شاروكيسي رامادوراي تصحبنا في جولة للتعرف على أسرار هذه النبتة "المقدسة".

سرت في دروب مدينة فاراناسي الهندية الضيقة والمحاطة بجدران ملطخة بالعلامات الحمراء المميزة لورقة الـ "بان" (ورقة شجر تستعمل كثيراً لإضفاء نكهة على التبغ المخصص للمضغ) رسمها مئات المارة.

وكنت أسير باتجاه أقدم ضاحية في المدينة والمعروفة باسم غودوليا تشوك، بحثاً عن متجر صغير مملوك لشخص يدعى كامليش كومار باثاك، ويشتهر ببيع بضاعة واحدة فقط، وهي مشروب الـ "ثانداي".

ويتكون هذا المشروب الهندي من الحليب في الأساس ويأتي بنكهات مختلفة، مثل التفاح والمانغو وثمرة البابايا الإستوائية، لكن الطلب الأكثر شعبية في ذلك المتجر يعرف باسم "مشروب ثانداي الخاص" والذي يعد بإضافة نبتة "البانغ" المخدرة المطحونة. ويعد هذا الشراب مسكرا لأنه يصنع من أحد أوراق نبتة القنب المنتشرة في الهند.

ويتبوأ البانغ مكانة عريقةً في الثقافة الهندية على مر العصور، ففي الديانة الهندوسية، يحمل البانغ معنى خاص كنبات مفضل لإله الدمار المعروف باسم "شيفا"، والذي يُعتقد أنه يتناول البانغ ليساعده على التركيز وتسخير قدراته الإلهية لنشر الخير في العالم.

وفي كتاب أثارفا فيدا، وهو أحد الكتب الأربعة المقدسة في الديانة الهندوسية، يُذكر نبات القنب كواحد من أكثر خمس نباتات مقدسة على وجه الأرض، ويشير النص إليه أيضاً بأنه "مصدر للسعادة" و"مزيل للقيود".

ورغم أن قانون عام 1985 لحظر المخدرات والمواد المؤثرة على العقل يمنع إنتاج وبيع واستهلاك أجزاء معينة من نبتة القنب، إلا أنه يستثني أوراق هذا النبات.

فهناك محال مرخصة من قبل الحكومة لبيع البانغ في مدن مثل جايسالمر وبوشكار. وهناك أكثر من 200 محل مماثل، بما في ذلك محل باثاك، تبيع هذه المادة على مدار العام في مدينة فاراناسي.

وتحظى المكونات المخدرة بشعبية كبيرة لدى الطائفة البرهمية في الهند والتي تحظر على أفرادها تناول مواد مسكرة مثل الكحول.

وفي بعض المناطق المتدينة بشكل خاص في الهند، بما في ذلك مدينة فاراناسي، من الشائع رؤية "رجال الدين" يتناولون البانغ مباشرة أو يدخنونه من خلال غليون من الفخار معروف باسم "تشيلام".

مصدر الصورة The Washington Post
Image caption تضم مدينة فاراناسي أكثر من 200 محل لبيع القنب الهندي (البانغ)

وتقدم عائلة باثاك البانغ في معبد كاشي فيشواناث الشهير بمدينة فاراناسي، المخصص للإله شيفا منذ أكثر من 150 عاماً. يأتي باثاك بالمواد الخام يومياً من متجره الحاصل على موافقة من قبل الحكومة، ثم ينقعه في الماء، وبعد ذلك يطحنه ويحوله إلى معجون خشن ليصبح جاهزاً للاستهلاك.

يقول باثاك: "هذا هو التقليد الذي دأب بابا كا براساد على تقديمه الساعة الثالثة صباح كل يوم"، أثناء مراسم تقديم القربان للإله شيفا من قبل المصلين في الصباح الباكر.

ويلعب البانغ أيضاً دوراً هاما في احتفالات الهندوس مثل شيفراتي (المعروفة بليلة الإله شيفا) وهولي (مهرجان الألوان). وخلال هذه الاحتفالات، فإن إضافة البانغ إلى مشروب الثانداي التقليدي يزيد من الشعور بالبهجة والسعادة في الشوارع.

يقول باثاك إن عدد الزبائن خلال تلك المهرجانات يكون أكبر من المعتاد.

وكانت المرة الأولى - والوحيدة - التي جربت فيها مشروب الثانداي الخاص أثناء مهرجان الألوان قبل عدة سنوات. وبدأت تجربتي بشعور بالبهجة مصحوب بحالة ضبابية، تبعه شعور بجنون العظمة استمر لعدة ساعات. وعندما كنت أراقب الطوابير أمام متجر باثاك للحصول على هذا المشروب المخدر، ساورني شعور بالدهشة من قدرتهم على تناوله بشكل منتظم.

يعد ثانداي هو المادة الأكثر شيوعاً، لكن البانغ أيضا يخلط بمادة يطلق عليها اسم "إياسي"، وهي عبارة عن شراب من لبن الزبادي المحلى. وبالقرب من معبد فيشواناث، يوجد متجر "بلو لاسي" الذي يقدم قائمة تضم أكثر من 80 نوعاً من المشروبات، لكن هناك مشروب "خاص" غير مكتوب في القائمة ومتوفر خصيصاً لمن يطلبه.

مصدر الصورة Hindustan Times/Getty
Image caption يلعب البانغ دورا هاما في الاحتفالات الهندوسية المخصصة للإله شيفا

كما يمزج البانغ مع مأكولات خفيفة ولذيذة مثل باكورا (وهي كرات مقلية من طحين الحمص) أو مع الصلصات والمخللات التي يتم تناولها مع وجبات شعبية مقلية مثل "ساموسا" و"كاشوري". ويبيع عدد من المتاجر المرخصة من قبل الحكومة البانغ المُحلى على شكل طبق حلوى معروف في الهند باسم "لادوس".

وبالإضافة إلى ذلك، يُعتقد أن البانغ له منافع طبية كبيرة إذا تناوله المرء باعتدال، إذ تشير إحدى الأساطير الهندوسية إلى أن له فائدة كبيرة في علاج ألم الحلق.

وعندما حكم البريطانيون الهند في منتصف القرن الثامن عشر، ذهلوا في البداية من استعمال البانغ في الهند على نطاق واسع. وفي أواخر القرن التاسع عشر، أجروا دراسة لمعرفة تأثير البانغ وأهميته الثقافية.

وخلصت الدراسة إلى أنه "إذا منعت أو قيدت بشدة استعمال عشب مقدس كالقنب، فإن ذلك سيؤدي إلى معاناة وحالة من الضيق على نطاق واسع. وسيحول شعور الناس بالراحة إلى شعور بالتعب والإرهاق، وسيحول العلاج إلى مرض، كما سيحرمهم من ولي الأمر الذي تعمل رعايته المقدسة على منع تأثير الشرور".

وحتى يومنا هذا، يلعب البانغ دوراً مهماً في الحياة الروحية والثقافية في الهند. لكنني أقلعت عنه تماماً منذ ذلك الصباح الذي لا ينسى أثناء مهرجان الألوان الهندي.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel .

المزيد حول هذه القصة