رؤية نقدية: فيلم "واندرسترك" المشارك في مهرجان كان السينمائي

مصدر الصورة Amazon Studios
Image caption جوليان مور تشارك في فيلم "واندرسترك" الذي يعرض في مهرجان كان السينمائي 2017

يعود المخرج الأمريكي تود هاينز إلى مهرجان كان السينمائي الدولي، المنعقد حاليا، بفيلمه الجديد "واندرسترَك" (المصدوم) الذي يتناول حكاية مستوحاة من قصة موجهة للشباب. الناقد السينمائي نيكولاس باربر يستعرض وجهة نظره حول الفيلم.

قد تدفعك الحرفية العالية والصنعة السينمائية الرفيعة للغاية - اللتان أعد بهما المخرج تود هاينز فيلمه الجديد "واندرسترَك"- إلى أن تغفر لهاينز ذلك الطابع الممل بشدة الذي اتسم به العمل، والذي يكتسي أيضا بطابع روحاني غامض، ومستوحى من قصة موجهة للشباب.

فالفيلم المُعد بدقة ليكون عملاً مُلهِماً وتعليميا في الوقت نفسه، يشكل أحد تلك الأعمال الدرامية الجيدة، التي يرى البالغون أنها لابد وأن تروق للصغار. لكن المشكلة تكمن في أن البالغين هم من سيعجبون بالهيكل المتوازن للفيلم وبمحتواه البصري الخلاب.

لكن المشاهدين من صغار السن لن يكفوا عن التساؤل عن السبب الذي يجعل العمل خاليا من الأحداث تقريبا. ويعتمد فيلمنا هذا وإلى حدٍ كبير على تصورٍ سينمائي مغلوط، شاع وحظي بالشعبية بفضل فيلم "كراش" (تصادم) الذي أخرجه بول هاغيس عام 2004، وهو تصورٌ مفاده بأن ربطك بين أي قصتين تسيران أحداثهما من ذروة احتدامها نحو الهدوء والركود وليس العكس، وهو ما يُعرف بـ"عكس الذروة"، سيجعل القصتين تبدوان عميقتين.

لكن الطابع الذي تتسم به أحداث الفيلم لا ينفي كما قلنا أن محتواه البصري وتركيبته تثيران الإعجاب.

وينسج العمل، المستوحى من قصة مصورة كتبها براين سالزنيك، بين خيطين منفصلين أو بالأحرى حبكتين مختلفتين؛ أولاهما تدور أحداثها في عام 1977، و الثانية تحدث عام 1927. وعلى اختلافهما، تدور القصة في الحالتين حول طفل أصم ينخرط في عملية بحث غريبة الأطوار في نيويورك.

في القصة الأولى الأحدث من الوجهة الزمنية، نجد طفلا يُدعى بِن (12 عاماً) ويجسد شخصيته الممثل أوكس فيغلي، الذي شارك من قبل في فيلم "التنين بيت". ومن خلال الأحداث، يتبين أن هذا الطفل ذا الشعر المشعث والمقيم في ولاية مينيسوتا الأمريكية لم يلتق والده قط.

أما والدته الحزينة - التي تجسد شخصيتها ميشيل ويليامز كضيفة شرف - فقد فقدها بعدما لقت حتفها في حادث سيارة. ولعل بوسعنا هنا أن نطرح سؤالاً هامشياً بعيداً عن أحداث هذا الفيلم، حول متى ستقرر ويليامز تجسيد شخصية سعيدة في أعمالها بدلاً من الأدوار المأساوية التي تلعبها عادةً؟

بالعودة إلى الفيلم، نجد أن الطفل يبدو عازماً على اكتشاف هوية والده. وفي سبيل ذلك لا يلجأ لسؤال أقرباء مثلاً، وإنما يعكف على التنقيب بين المقتنيات التي تركتها والدته الراحلة، إلى أن يعثر على كتابٍ عتيقٍ ذي غلافٍ من الورق المقوى حول "خزائن العجائب".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption المخرج الأمريكي تود هاينز يتوسط الكاتب الروائي براين سالزنيك، صاحب القصة المستوحى منها الفيلم، والممثلة ميشيل ويليامز

وداخل هذا الكتاب يجد شريطاً ورقياً عبارة عن علامة مرجعية لتحديد الصفحة التي يتوقف عندها القارئ، وعلى هذه العلامة، التي تخص متجراً لبيع الكتب القديمة في نيويورك، رسالةٌ كُتِبت على عجلٍ ووجهت إلى أمه. وتشكل رسالةٌ مثل هذه أحد المفاتيح المثيرة لحل الألغاز، من تلك التي توجد في الأعمال الدرامية أكثر بكثير من وجودها على أرض الواقع.

وتتعقد الأمور، عندما تضرب صاعقةٌ من البرق خط الهاتف خلال اتصال يجريه بِن بمتجر الكتب، ليُصعق الطفل بذلك حرفياً مُحققاً بذلك - إن شئت القول - أحد معاني اسم الفيلم "صاعقة عجيبة". وللحظةٍ ما يبدو العمل في طريقه للتحول إلى فيلم يتناول شخصيةً خارقةً، قد تحمل اسم "صبي الهاتف" مثلاً.

لكن الأمر لا يسير على هذه الشاكلة. فأذنا بِن تتلفان تماماً بفعل الصدمة الكهربائية الناجمة عن الصاعقة، لكن ذلك لن يثنيه عن التسلل هارباً من المستشفى ثم إلى حافلةٍ يستقلها متوجهاً إلى نيويورك.

القصة الثانية التي يتناولها العمل لا تبتعد عن ذلك كثيراً، رغم أنها تدور قرب أواخر عشرينيات القرن الماضي. فالأحداث فيها تتمثل في رحلةٍ ملحميةٍ مماثلة تقطعها هذه المرة - وقبل نصف قرنٍ كامل من عام 1977 - فتاة تُدعى روز، تجسد شخصيتها ميليسنت سيموندس، تلك الفتاة التي تمثل اكتشافاً مذهلا.

فبحسب الأحداث، تعاني روز من الصمم منذ ولادتها. ويُصوّر المخرج رحلتها ومغامراتها كما لو كانت فيلماً صامتاً بالأبيض والأسود، يخلو من أي جُملة حوارية ويحفل بالكثير والكثير للغاية من الموسيقى التي أعدها كارتر برويل.

وتعشق روز الأفلام الصامتة كذلك، خاصة تلك التي تقوم ببطولتها ممثلةٌ تُدعى ليليان مَيهيو (تقوم بدورها جوليان مور). ولذا فستكون لحظةً مؤثرةً للغاية تلك التي ترى فيها روز لافتةً أمام دارٍ للسينما يُعلن عبرها عن أن الدار ستبدأ قريباً عرض أفلامٍ ناطقة.

ورغم السحر الذي تكتسي به فكرة أن ظهور السينما الناطقة شكّل بالقطع مأساةً لبعض من يعانون من الصمم، فإن الفيلم لا يستغرق فيها طويلاً. فهي لا تشكل سوى ذريعة لروز لكي تمضي في رحلتها صوب نيويورك، حيث من المقرر أن تؤدي مَيهيو أحد أدوارها على خشبة المسرح في برودواي.

علينا هنا الإقرار بأن هاينز مخرجٌ مقتدرٌ للغاية في رسم ملامح وتفاصيل حقب زمنية بعينها من خلال أعماله السينمائية. وقد أثبت ذلك من قبل في فيلمي "بعيداً عن الجنة"، و"كارول"، وهو العمل الذي شهد عرضه الأول مهرجان كان السينمائي قبل عامين.

وفي "واندرسترَك"، يعيد هذا الرجل إحياء "نيويورك الزمن الماضي" بشكلٍ مفصل وواسع النطاق، وعلى نحوٍ فريد من نوعه واستثنائي كذلك، فالأمر لا يقتصر على تصويره للمدينة في حقبة واحدة، وإنما في حقبتين زمنيتين مختلفتين.

وبشكل خاص، يبدو تصويره لنيويورك في الجزء الذي تدور أحداثه عام 1977، شديد الدقة والأصالة، فيما يتعلق بمحاكاته لتصميمات الأزياء التي كانت سائدة في تلك الفترة، وصخب وضوضاء المدينة الأمريكية حينذاك، وصورة شوارعها التي تتناثر فيها القمامة، إلى حدٍ يجعلك تشعر بأنه نجح في العودة إلى تلك الحقبة بفضل آلةٍ للزمن.

لكن يتعين على المرء هنا أن يضع في حسبانه أنه ربما لم يكن لنيويورك الحقيقية في أي وقت تقريباً هذا الوجه الودود الذي قابلت به "بِن" و"روز" في الفيلم. فلا ننسى هنا أن هذا العمل يتتبع رحلتيّ صبييّن فاريّن مُصابيّن بإعاقة سمعية في أنحاء المدينة.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption أبطال فيلم واندرستك خلال ظهورهم في مهرجان كان السينمائي المنعقد حاليا في نسخته الـ 70

المفارقة أن أسوأ ما يصيبهما هناك لا يتعدى التعرض للنشل. بل إن الأمر حتى في هذه الحالة لا يتجاوز سرقة المال، وترك المحفظة التي كانت تحتوي عليه.

المفارقة أنك لن تصل كمشاهد إلى النقطة التي تشكل بحق محوراً للفيلم، حتى وإن كانت تتسم بقدرٍ من الافتعال في تقديم الأحداث والانفعالات، سوى عندما يزور بِن وروز - كلٌ على حده - المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي في نيويورك، وذلك في المرحلة نفسها من رحلتيهما المتعاقبتين زمنياً.

ومن الممتع على أي حال، أن يرى المرء كيف تغير المتحف في النصف قرن الفاصل بين الحقبتين اللتين يتناولهما العمل. فمثلاً، اختفت الخزائن الزجاجية التي تُوضع فيها المعروضات، وظهر استخدام أساليبٍ حديثة في الإضاءة تجعل القاعات وكأنها تسبح في الأنوار ذات الألوان المختلفة.

لكن المشكلة تتمثل في أن الفيلم يستغرق لوقتٍ طويلٍ للغاية في الانبهار بمحتويات المتحف، ما يشل حركة الأحداث المرتبطة بالخيطيّن الرئيسييّن له تماماً. الأسوأ أن هذه الأحداث لا تستأنف حركتها بعد ذلك بنفس القوة، حتى نهاية العمل.

فبدلاً من أن يشد الفيلم انتباهنا عبر السعي لإجابة أسئلة من عينة "من هو والد بِن؟" و"ما علاقته بـ`روز`؟" مثلاً، يتحول العمل إلى ما هو أشبه بمحاضرةٍ قد يكون عنوانها "ما ينبغي أن يعرفه الناشئة عن الأشياء المرتبطة بالماضي القريب".

وهي محاضرةٌ ربما تتمثل موضوعاتها الرئيسية في أشياء مثل المتاحف والسينما الصامتة والكتب القديمة المستعملة وطُرز الورق المقوى، وهي أمورٌ لا يُتوقع أن يعلم الصغار بشأنها أي شيء، بل قد نحسب أنهم سيُؤخذون بعظمتها فائقة الحد.

لكن ذلك لا يمنع أن بعض المشاهدين قد يُؤخذون بشكلٍ كاملٍ بمثل هذه التفاصيل. فقد سبق وأن أبدع سالزنيك - كتابةً ورسماً - قصة أخرى بعنوان "اختراع هيوغو كابريه" التي حوّلها المخرج مارتِن سكورسيزي إلى فيلمٍ ذي طابع مبتهج ومتفائل باسم "هيوغو"، وهو عملٌ جاء أشبه بدرسٍ في التاريخ.

فإذا كنت قد افتتنت بـ"هيوغو"، فربما سيعجبك أيضا فيلم "واندرسترَك". كما قد يروق فيلمنا هذا إلى من أُعْجِبوا بفيلم "صاخبٌ إلى أقصى حد وقريبٌ بشكلٍ لا يصدق"، الذي يتناول هو الآخر رحلةً بحثٍ غريبة وحافلة بالمصادفات يقوم بها طفلٌ في نيويورك.

لكن المشاهدين الآخرين الذين لم يعجبوا كثيراً بأفلامٍ كتلك التي ذكرناها للتو، ربما سيشعرون بأن "واندرسترَك" لم يُخلّف هذا التأثير الذي رغب فيه صناعه، وأنه كذلك يتسم بطابعٍ مبالغٍ فيه إلى حد يجعله يفتقر للواقعية، ليبدو في نهاية المطاف أن صندوق هاينز للعجائب لا يحتوي في الواقع سوى على القليل من النفائس.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة