عرض نقدي لفيلم "الحرب من أجل كوكب القردة"

صورة ترويجية لفيلم "الحرب من أجل كوكب القردرة" مصدر الصورة 20th Century Fox

يبدو أحدث أفلام سلسلة "بلانيت أوف ذا آيبس" (كوكب القردة) عملاً سينمائياً عن حرب العصابات يتحول في ما بعد لتصبح أحداثه مشابهة لما يدور في مسلسل "بريزون بريك" (الهروب من السجن). لكن هل هذا الفيلم ممتع من الأصل؟ ناقدنا السينمائي نيكولاس باربر يشاركنا رأيه.

أول ما يمكن قوله عن الفيلم الجديد "الحرب من أجل كوكب القردة " أنه لا يدور في الواقع عن أي حرب على الإطلاق. فأحداثه تتضمن بعض المناوشات حول السيطرة على كوكبنا، ومعركة قصيرة للغرض نفسه أيضاً، ولكننا لا نشاهد قط على الشاشة ما يعدنا به عنوان الفيلم من صراعٍ شامل بين البشر وهذه المخلوقات. ولعل ذلك أحد الأسباب التي تجعل العمل يمثل خذلانا لمشاهديه، رغم كل ما يتضمنه من أعاجيب تقنية، ورصانة ذات طابع جريء.

رغم ذلك دعونا نبدأ بالإشارة إلى أن الفيلم يبدو في مستهله كما لو كان سيصبح عملاً سينمائياً عن الحرب بمعنى الكلمة. هو على أي حال العمل الثالث في سلسلة أفلام "كوكب القردة" التي أُعِيد إحياؤها، وتدور أحداثه بعد 15 عاماً من تفشي فيروس أُطلق عليه اسم "أنفلونزا القردة"، أدى إلى هلاك الغالبية العظمى من المخلوقات المنتمية لسلالة الإنسان العاقل التي ينتمي إليها البشر. وهو الفيروس الذي أدى في الوقت نفسه إلى تعزيز القدرات العقلية للقردة. وبذلك تنتهي الحضارة كما نعرفها، وتنصب قبيلةٌ من القردة الذكية معسكراً مريحاً في إحدى الغابات.

أما الزعيم الحكيم لهذه القبيلة فهو بطل السلسلة "قيصر"، الذي يجسد دوره الممثل أندي سركيس. نراه في أحداث هذا الفيلم متزوجاً ويعول، وقد اشتعلت بعض مناطق من فرائه شيباً. ويبدو "قيصر" هذه المرة غير راغبٍ سوى في الاسترخاء والاهتمام بوصفاته لطهي الموز. لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، إذ يتعرض المعسكر لغارة من قبل فريقٍ من المغاوير (الكوماندوز). هنا يحين الوقت لاندلاع معارك حرب عصابات، تتضمن الكثير من الإشارات والتلميحات لحرب فيتنام. ويبدو كتاب السيناريو مغرمين بشكلٍ خاص باستخدام بعض الكلمات ذات المعاني المزدوجة من تلك المرتبطة بهذه الحرب.

(اقرأ أيضا: فيلم واندر وومان في طريقه لـ"تحطيم الأرقام القياسية لشباك التذاكر")

ولعل من الإنصاف القول إن هذه المشاهد مؤثرةٌ على نحو بالغ. كما تتضمن بعض الأفكار المبتكرة، إذ نرى مثلاً عدداً من القردة الخائنة الراغبة في التعاون والتواطؤ مع البشر. وتُلقب هذه القردة بالـ"حمير" نسبة إلى لعبة فيديو بطلها قرد، وتحمل اسم "دونكي كونغ" (الحمار كونغ).

لكن الجزء الخاص بالمعارك التي تدور في الغابة ينتهي أسرع من اللازم. وبعد أن يقتل كولونيل في الجيش، والذي يجسد شخصيته الممثل وودي هيرلسون، قردين يمتان بصلة قرابة لـ"قيصر"، يغادر القرد الزعيم وثلاثة من مساعديه المقربين موطن القردة في رحلةٍ للأخذ بالثأر.

في البداية تتهادي القردة الأربعة على صهوات الخيول عبر جبال ثلجية بحثاً عن القاعدة التي يتحصن بها الكولونيل. لكن الركب يتوقف لاصطحاب مساعدٍ آخر، قبل مواصلة الرحلة المتثاقلة على ظهور الجياد.

(اقرأ أيضا: عرض نقدي لفيلم "المفتون" صاحب جائزة أفضل إخراج في مهرجان كان)

ويمضي قيصر ورفاقه من القردة الأخرى في تلك الرحلة ببطءٍ مؤلم، وسط مشاهد مذهلة للحياة البرية. ولذا فإذا لم تكن من هواة مشاهدة حيوانات تنتمي إلى رتبة الرئيسيات وهي تمضي في رحلة مضنية على صهوات الخيول، فربما سيراودك تساؤلٌ محق حول التوقيت الذي يفترض أن تبدأ فيه حبكة الفيلم في التجسد على الشاشة.

"هروب الدجاج مع القردة"

وتنقضي نصف مدة الفيلم قبل أن تُوصِل مطاردة الكولونيل قيصر إلى معسكرٍ اعتقال ذات طابع نازي وجهنمي، تُحتجز فيه مئات القردة في أقفاص. في هذه المرحلة، يغير الفيلم نوعه وطبيعة تصنيفه تماماً مرة أخرى. ففي البداية كان عبارة عن عملٍ عن حرب العصابات، ثم أصبح فيلماً يدور حول رحلة مطاردةٍ وبحثٍ، قبل أن يتحول إلى أحد الأعمال التي تشبه أحداثها مسلسل "بريزون بريك" (الهروب من السجن).

مصدر الصورة Tristan Fewings/Getty Images
Image caption يلعب الممثل أندي سركيس دور "قيصر" في فيلم الحرب من أجل كوكب القردة

لكن وبقدر الطابع المروع الذي تكتسي به بعض مشاهد الفيلم؛ يبدو مفزعاً أيضاً أن نرى أن هذا العمل أُعِد في الأساس وعن عمد ليصبح فيلماً مماثلاً لذاك المسلسل، بل وبشكل نمطي كذلك. إذ نجد شبكةً مريحةً من الأنفاق تمتد أسفل أرضية المعسكر تماماً، بجانب حراس مسلحين يتحلون بعطف يكفي لأن يتبخروا في الفراغ، كلما احتاج قيصر أن يفعلوا هم ذلك. وبدا الأمر كما وصفه صديقٌ لي وكأننا نشاهد فيلم "هروب الدجاج" ولكن بمشاركة قردة هذه المرة.

على أي حال من المخيب للآمال أن نرى كل نقاط الضعف هذه في فيلمٍ ينتمي إلى سلسلةٍ تثير الكثير من أوجهها الإعجاب بشدة. لكن بالرغم من أن أياً من الأفلام الثلاثة التي أُنتجت منها حتى الآن لم تتفوق على الفيلم الأصلي الذي أُنتِج عام 1968، فإنها أكثر ذكاءً وبراعة بواقع عشرات المرات من النسخة الثانية المضحكة لهذا العمل، التي قدمها تيم بيرتون عام 2001.

(اقرأ أيضا: فيلم الجميلة والوحش يعزز أرباح والت ديزني)

وقد أقدم مات ريفز - مخرج أحدث اثنين من هذه الأفلام والمشارك كذلك في كتابة أحداثهما - على بعض الخيارات الشجاعة بشكلٍ لافت. فعملاه يصطبغان بطابعٍ قاتمٍ لا لبس فيه، وغالبية الحوار فيهما كان مكتوباً على هيئة نص على الشاشة.

وباستثناء قيصر، نرى أن القردة تتواصل فيما بينها بالنخير ولغة الإشارة. بجانب ذلك، يتضمن هذان الفيلمان لقطات ذات طابع متطور بشدة مُعدة بواسطة الكمبيوتر.

فمن فرط الإقناع الذي يتميز به الفراء الكثيف وبنية البشرة اللذان يكسوان الحيوانات الظاهرة في هذه المشاهد، سرعان ما ينسى المرء أنه يشاهد ممثلين يرتدون ستراتٍ خاصة، وهي عبارة عن ملابس مزودة بمجموعة من الأسلاك، يرتديها المشاركون في أي عملٍ تمثيلي لنقل حركاتهم لأجهزة متخصصة تحولها إلى مشاهد بتقنية الغرافيك، وتجسدها شخصيات رسوم متحركة بالبعد الثالث.

وهكذا يصبح بوسعك أن تشعر بأنك تشاهد قردة حية حقيقية، حتى وإن كانت تحمل بنادق هجومية وتمتطي الخيول.

ولكن مستوى النص لا يضاهي على الإطلاق هذا المستوى الرفيع للمؤثرات البصرية، وما تخلقه من مُناخٍ حافل بالشؤم. فإذا تحدثنا من الوجهة القصصية والسردية سنرى أن مستوى العمل محدود بل ومتواضع للغاية بالنسبة لفيلمٍ يتضمن في عنوانه مفردة "كوكب".

إذ يتبين أنه لا صلة للكولونيل بالإدارة الأمريكية أو بأي نوع من شبكات المقاومة المنظمة المناوئة لسيطرة القردة على الأرض، فهو مجرد شخصٍ متوحدٍ غريب الأطوار، لديه ولعٌ بسفك الدماء والحديث الفلسفي إلى النفس. تتبعه زمرةٌ صغيرة من الجنود ممن يأتمرون بأمره.

ويسخر الفيلم من وجود تشابهٍ بينه وبين شخصية الكولونيل كيرتس، التي جسدها الممثل مارلون براندو في فيلم "أبوكاليبس ناو" (نهاية العالم الآن)، وذلك من خلال مشهد تظهر فيه عبارة "نهاية القردة الآن" منحوتةً بشكل بارز على جدار أحد الأنفاق.

وبحسب الأحداث، يؤدي ظهور سلالة جديدة من فيروس "أنفلونزا القردة" إلى محو آخر آثار الجنس البشري. ويعني ذلك أن الحرب من أجل السيطرة على الكوكب قد انتهت في الأساس. فلم يعد مهماً أن يدحر القرد "قيصر" الكولونيل الأمريكي أو لا - في معركة قد يكون بوسعك أن تخمن نهايتها - وذلك لأن البشر سيكونون بصدد المضي على درب الديناصورات في الانقراض، بغض النظر عما سيتمخض عنه الصراع الدائر في الفيلم.

فهل ذلك أمرٌ ينبغي لنا أن نشعر بالسعادة إزاءه؟ في الإجمال، تبدو القردة التي يُظهرها الفيلم مجموعةً من الحيوانات الدمثة للغاية، لكن لا يوجد من بينها تقريباً أي حيوان بشخصية مميزة أو جذابة، وهو ما يدعونا إلى التساؤل عن السبب الذي قد يحدو بنا إلى أن نكترث بما إذا كانت تلك المخلوقات سترث الأرض أم لا؟

ومن الناحية الموضوعية، يبدو الفيلم متواضعاً للغاية كذلك. ففي الجزء السابق من السلسلة، ذاك الذي حمل اسم "دون أوف ذا بلانيت أوف ذا آيبس" (فجر كوكب القردة)، نجد شخصياتٍ - سواء بشر أو قردة - ذات دوافع معقدة ومعضلات شائكة، بجانب حبكة تبحث السبب في كون العنف أمراً من العسير للغاية تجنبه رغم أنه دائماً ما يأتي في الوقت نفسه بنتائج عكسية بشدة.

على النقيض من ذلك، لا يقول فيلم "الحرب من أجل كوكب القردة" شيئاً البتة عن مجتمعنا اليوم، سواء في عباراته المنطوقة أو تلك المكتوبة على الشاشة. فرغم أن الكولونيل يبدو وأنه يهوى أن تُلتقط له الصور وهو يقف بجوار العلم الأمريكي، بل وربما يكون قد أجبر عبيده من القردة على بناء جدارٍ ضخم، فلا يوجد بخلاف ذلك أي إشارات تُذكر إلى حقبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تكفي لأن تشفي غليل من يسعون لمشاهدة عملٍ سينمائي يحفل بتعليقات سياسية على ما يجري في عهده.

في نهاية المطاف، يبدو "الحرب من أجل كوكب القردة" كئيباً بشدة إلى حد لا يؤهله أن يصبح فيلماً ناجحاً حافلاً بالإثارة من تلك الأفلام التي تُعرض في موسم الصيف. كما أنه سخيفٌ إلى حدٍ بعيد، مما لا يجعله يُصنف كعملٍ رمزيٍ جاد ذي طابعٍ تجريبي. ولهذا من الأجدر أن يُترك هذا الفيلم لمن يريد إنتاج تتمة له، لاسيما وأنه ليس عملاُ عميقاً للغاية، أو مؤثراً بقوة في المشاعر، حتى وإن حاكى في بعض الأحيان أعمالاً تتميز بهذه الصفات.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة