السر وراء مواقع معابد الإغريق

السر وراء مواقع معابد الإغريق مصدر الصورة Dimitrios Iatrou/Getty Images

عندما كنت طفلة صغيرة، كنت لا أمِل من كثرة ترديد نفس السؤال على جدي كلما تجولنا معا في المساء في شوارع هضبة فيلوبابو القديمة بالعاصمة اليونانية آثينا، تحت السماء الصافية. وكنت أنتظر حتى نصل إلى معبد بارثينون فوق قمة الهضبة على ارتفاع 147 مترا فوق سطح الأرض، لأسأله:

"لماذا تبدو النجوم شديدة السطوع من هنا؟"

وكان جدي يجيب بهدوء، ولا يبدي انزعاجا من شدة إلحاحي في السؤال: "الإغريق كانوا حكماء، وكانوا يعرفون أين سيشيدون المباني المقدسة. فهذه الأماكن ترمز لأشياء أكبر من أن تدركها عقولنا".

وعندما أسترجع هذه الذكريات، أتساءل هل كان تفسير جدي الرائع مبعثه الفخر بالحضارة الإغريقية؟ ويتفق مانولو فيرنانديز، مدرس اللغة الأسبانية، وأحد الهواة الشغوفين بعلم الفلك، مع جدي في الرأي، إذ يعتقد أن اليونانيين لم يختاروا مواقع المعابد اليونانية عشوائيا.

ألتقيت فيرنانديز للمرة الأولى وسط بقايا معبد البارثينون في أثناء موجة حارة في أواخر شهر يونيو/حزيران. وفرد خريطة اليونان، وسط أعمدة المعبد المهيبة ذات الطراز الإغريقي، وقال لي: "انظري إلى الخريطة، يمثل معبد بوسيدون في سونيون أحد أضلع مثلث متساوي الساقين، ويمثل معبد هيفايستيون في آثينا ومعبد آفيا في جزيرة أجانيطس (إجينا)، الضلعين الآخرين. وينطبق الحال نفسه على معبد أبولو في مدينة دلفي وأفايا في جزيرة إجينا بارثينون في أثينا، فهذه المعابد تشكل مثلثات متساوية الساقين".

ولم يخالج فيرنانديز أدنى شك في أن المثلثات التي تشكلها هذه المعابد تعكس حركات الأجرام السماوية المختلفة، كالشمس والقمر أو الكواكب والنجوم، بالنسبة إلى سطح الأرض. ودفعته هذه النظرية إلى زيارة المرصد الفلكي القومي بأثينا لمراقبة النجوم.

ويشاهد الزوار، مثل فيرنانديز، عبر تليسكوب دوريديس، داخل مبنى مقبب رخامي، مناظر خلابة للسماء ليلا. وبعد أن رأى فيرنانديز بعينيه القمر وكوكب زحل والمريخ، ومجموعات نجمية عديدة من خلال التليسكوب تشبث برأيه القائل إن "الهدف من بناء معابد الإغريق في هذه المواقع هو أن تتعامد الكواكب في السماء على الأماكن المعمورة من الأرض".

إلا أن الاعتقاد بأن مواقع المباني الإغريقية تشكل مثلثات ترتبط بظواهر فلكية ليس جديدا، لكنه يعد أحد أمثلة "الجغرافيا المقدسة"، التي تعني تحديد المواقع الجغرافية للأماكن المقدسة بحسب المعتقدات الفلكية أو الأسطورية.

مصدر الصورة Sizun Eye/Getty Images
Image caption كانت الشمس تضيء يوما ما التمثال الرئيسي للإله المعبود بمعبد أبولو

وفي ستينيات القرن الماضي، ذكر جين ريشيه، أستاذ الأدب الفرنسي بجامعة نيس صوفيا أنتيبوليس بمدينة نيس بفرنسا، ولديه اهتمام خاص بالدلالات الرمزية والمعتقدات والتعاليم الغامضة والأساطير الإغريقية، أن إقامة المدن بالتوازي مع النجوم يعد "التصميم العظيم"، الذي يربط المواقع المقدسة ببعضها وبالأجرام السماوية.

وتخيل ريشيه أن اليونان مقسمة إلى 12 قطاعا، يعكس كل قطاع منها برج من الأبراج الإثني عشر، ويمثل مهبط الوحي في مدينة دلفي، حيث ألقى زيوس، أحد آلهة الإغريق، الحجر المقدس، مركز البر الرئيسي لليونان.

بيد أن نظريات الجغرافيا المقدسة التي طرحها علماء مثل ريشيه لم تجد صدى في أوساط العلوم التقليدية، لأنها ليست مبنية على حقائق علمية مثبتة.

وتقول إيفروسيني بوتسيكاس، محاضرة أثار في جامعة كنت بانجلترا، وتولي اهتماما بعلم الفلك والأساطير والمعتقدات الدينية الإغريقية: "لنبدأ بموقع الأكروبوليس الأثري، الذي يضم مجموعة من الأثار والمعابد فوق قمة هضبة. نحن لا نعلم أي المعابد اتخذها الإغريق كنقطة بداية لبناء الأكروبوليس، هل بدأوا من معبد بارثينون الذي بني في العصر الكلاسيكي على أنقاض معبد بارثينون الأقدم عهدا أم من معبد بارثينون، أم معبد أثينا بولياس أو معبد أثينا نايك؟"

وتتابع: "فإذا كنا نتحدث عن تكوين أشكال هندسية دقيقة، مثل المثلثات متساوية الساقين، يجب ألا يزيد الفارق بين ضلعي المثلث عن متر واحد. وتبعد هذه المعابد عدة أمتار عن بعضها، ولهذا فلك أن تختار ما تشاء من المعابد لتحصل على شكل المثلث متساوي الساقين الأكثر دقة. ورغم ذلك، هذا لا يعني أن هذه الأشكال كان لها دلالة عند الإغريق القدماء".

استعان كل من جورج بانتازيس وإيفانجيليا لامبرو، الأستاذين المشاركين بالجامعة التقنية القومية بأثينا، مؤخرا بطرق المسح الجيوديسي، التي تقيس بدقة بالغة الشكل الهندسي للأرض واتجاهها في الفضاء والمجال المغناطيسي، لتحديد العلاقة بين اتجاهات المعابد الإغريقية والظواهر الفلكية.

وعكف الأستاذان على دراسة معبدي بارثينون وهيفايستيون، وهما من أكبر المعابد في العصر الكلاسيكي من التاريخ الإغريقي، وكلاهما أقيم لعبادة أثينا، إحدى آلهة الإغريق، وإن كان الإله هيفايستوس كان يُعبد أيضا في معبد هيفايستيون.

واكتشفا أن هناك تطابقا عجيبا بين موقعي المعبدين، بحيث يطل كلاهما صوب الجهة الشرقية. ويقول بانتازيس: "حُددت اتجاهات المعابد وفقا لحسابات فلكية، روعيت فيها نقطة شروق الشمس في يوم الاحتفال بالإله الذي أقيم الموقع المقدس لعبادته، بحيث تتعامد الشمس على المحور الرئيسي للمعبد لإضاءة التمثال الرئيسي للإله المعبود".

وأجريت العديد من الدراسات الأخرى التي تدل على أن المعابد الإغريقية التي بنيت في العصر الكلاسيكي تقع على نفس الخط مع النجوم، رغم أن تعامد النجوم على المعابد ليس بالحجم الذي تخيله ريشيه.

إلا أن ظهور علم الفلك الأثري، المعني بدراسة تأثر الحضارات القديمة بعلم الفلك، معرفيا وتطبيقيا، سيجعل العلاقة بين علم الفلك والدين أكثر تشويقا.

ويتجه السواح الذين يتجولون نهارا بين أروقة المركز التاريخي بأثينا نحو المرصد الفلكي عند مغيب الشمس، لرؤية النجوم التي ستظهر في السماء المظلمة.

وعندما انضممت إلى مجموعة من الناس الذي اصطفوا أمام المدخل، صادفت وجها مألوفا. وكان فيرنانديز، الذي يهوى مراقبة النجوم، يترقب الدخول ليتأمل بإعجاب مجرة درب التبانة. ولا شك أن هذه التجربة زادته اصرارا على الربط بين الأجرام السماوية والمواقع المقدسة على الأرض.

وتبعت فرنانديز إلى الداخل، وكنت أتحين بفارغ الصبر اللحظة المناسبة لأسأل: "لماذا تبدو النجوم شديدة السطوع من هنا؟"

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة