الآثار السلبية للتوقيت الخاطيء الذي تتبعه أسبانيا

صورة بانوراماتية لأسبانيا من مكان مرتفع مصدر الصورة Facto Foto/Getty

يعتقد كثير من المسافرين أن تناول الأسبانيين لوجباتهم في أوقات متأخرة يعد انعكاسا للسلوك العام في أسبانيا، والذي يتسم بالاسترخاء والتكاسل نوعا ما. لكن يبدو أن ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة.

في الساعة العاشرة مساء في أحد أحياء مدريد، وهو حي لا لاتينا الذي يعد من أقدم المناطق في المدينة، كانت الشوارع المرصوفة بالحصى تضج بأصوات هؤلاء الذين يستمتعون بتناول الأطباق الشهية التي تضم ألوانا مختلفة من الطعام.

وكانت المطاعم أيضا تعج بروادها، وذلك في الوقت الذي تستعد فيه المطاعم في بلدان أخرى لإغلاق أبوابها لتأخر الوقت.

وفي حين يربط الناس بين تناول الأسبان لوجباتهم اليومية في أوقات متأخرة، مقارنة بالدول الأخرى، وبين السلوك العام لدول البحر المتوسط الذي يوصف بأنه متراخٍ ومتكاسل، إلا أن السبب الرئيسي يعد أكثر غرابة من ذلك. فالأسبان يعيشون حاليا وفقا لتوقيت زمني خاطئ منذ أكثر من 70 عاما.

فإذا ألقيت نظرة على خريطة بلدان أوروبا، ستدرك أن أسبانيا - التي تقع على نفس خط الطول الذي يمر بالمملكة المتحدة، والبرتغال، والمغرب - يجب أن تسير وفقا لتوقيت غرينيتش (GMT).

لكن أسبانيا تسير حاليا وفقا لتوقيت وسط أوروبا (CET)، ما يضعها في توقيت متزامن مع العاصمة الصربية بلغراد، التي تقع على مسافة أكثر من 2,500 كيلومتر شرق العاصمة الأسبانية مدريد.

إذا، لماذا يعيش الأسبان وفقا لتوقيت متأخر عن ذلك التوقيت المناسب لموقعهم الجغرافي؟

في عام 1940، غيَّر الجنرال فرانسيسكو فرانكو، الذي حكم أسبانيا من عام 1939 وحتى وفاته في عام 1975، توقيت البلاد، وقدّم الوقت ساعة واحدة، وذلك تضامنا مع ألمانيا النازية، لتسير بلاده بنفس توقيت الألمان.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تعيش أسبانبا حاليا وفقا لتوقيت وسط أوروبا، مما يجعلها في توقيت متزامن مع توقيت صربيا على سبيل المثال

وبالنسبة للأسبان، الذين كانوا آنذاك منهكين تماما بعد أن دمرتهم الحرب الأهلية الأسبانية، لم تكن حتى الشكوى من تغيير التوقيت ترد على أذهانهم من الأساس، بسبب ما كانوا يرونه من تحديات ومشكلات أكبر من ذلك.

لكنهم استمروا في تناول وجباتهم اليومية في نفس الوقت من اليوم وفقا لضوء النهار، وكما اعتادوا من قبل، وليس وفقا للساعة الجديدة.

لكن بسبب تغيير الساعة، أصبحت وجبة الغداء التي اعتادوا على تناولها في الساعة الواحدة ظهرا، هي وجبة غداء الثانية ظهرا، وأصبحوا أيضا يتناولون وجبة عشاء الثامنة مساء في الساعة التاسعة مساء.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم تُغير الساعة لتعد كما كانت على الإطلاق، واستمر العمل بها منذ ذلك الحين.

لكن في عام 2016، أعلن رئيس الوزراء الأسباني، ماريانو راخوي، أن الحكومة كانت تعمل من أجل وضع خطة لتعديل مواعيد العمل اليومي لينتهي يوم العمل في أسبانيا في الساعة السادسة مساء، بدلا من الثامنة مساء.

وكان أهم عنصر في هذه الخطة هو تقييم إمكانية تغيير التوقيت في أسبانبا من توقيت وسط أوروبا إلى توقيت غرينيتش، وهو أمر أثار موجة قوية من النقاش والجدل في جميع أنحاء البلاد.

وكان تقديم الوقت لمدة ساعة كاملة عن التوقيت الأصلي للبلاد يعني أن الشمس تشرق فيها في وقت متأخر، وتغرب أيضا في وقت متأخر عن الموعد الطبيعي، وهو ما منح أسبانيا أمسيات صيفية أطول، إذ تغرب فيها الشمس في الساعة العاشرة مساء في الشتاء.

ويعتقد العاملون في إدارة الشواطئ والمنتجعات السياحية أن طول فترة ضوء النهار في البلاد يعد أحد العوامل الكبرى لجذب السائحين.

وتعارض الحكومة الإقليمية لجزر البليار، والتي تضم جزر مايوركا ومينوركا وإيبيزا، بقوة العودة إلى العمل بتوقيت غرينيتش، ودشنت حملة من أجل المطالبة باستمرار العمل بتوقيت وسط أوروبا طوال العام، من أجل إعطاء فرصة للزائرين للاستفادة بشكل كامل من الطقس الشتوي المعتدل في تلك المنطقة.

مصدر الصورة Stefano Politi Markovina/Alamy
Image caption مع انتهاء ساعات العمل في أسبانيا في الثامنة مساء، كان الأسبان يمارسون أنشطتهم الاجتماعيىة الأخرى في أوقات متأخرة من الليل

لكن بالنسبة للعديد من الأسبان، أدى العيش وفقا لنطاق زمني خاطئ إلى حرمانهم من النوم بالصورة المناسبة، وكذلك تقليل معدلات الإنتاج.

ويبدأ يوم العمل النموذجي في أسبانيا في الساعة التاسعة صباحا، وحتى الساعة الثامنة مساء، وتتوسطه فترة راحة للغداء تمتد لساعتين، من الساعة الثانية وحتى الرابعة نهارا.

ويضطر الناس في أسبانيا، بسبب نظام العمل الممتد لساعة متأخرة، إلى تأخير أنشطة الحياة الاجتماعية إلى ساعات متأخرة من الليل.

حتى إن برامج الوقت الرئيسي في التلفزيون الأسباني لا تبدأ قبل الساعة العاشرة والنصف مساء.

جولة في مدينة دلهي التي تجسد التنوع الثقافي في الهند

وفي الوقت ذاته، فإن الشمس في منطقة غاليسيا، التي تقع شمال غربي البلاد، لا تشرق قبل الساعة التاسعة صباحا في فصل الشتاء، وهو ما يعني أن سكان هذه المنطقة يبدأون يومهم في الصباح وسط الظلام.

ويقول خوسيه لويس كاسيرو، رئيس ما يُعرف بالهيئة القومية المعنية بالتعديل المنطقي للمواعيد الأسبانية، وهي منظمة مستقلة تعمل من أجل إعادة أسبانيا إلى العمل بالتوقيت الصحيح المتوافق مع موقعها الجغرافي، منذ عام 2006: "إن الحقيقة التي مفادها أن الوقت في أسبانيا لا يتوافق مع حركة الشمس تؤثر بالفعل على الصحة، وخاصة وقت النوم".

ويضيف: "إذا غيرنا التوقيت الزمني، ستشرق الشمس في وقت مبكر يسبق الوقت الحالي بساعة، وسوف نستيقظ نحن بطريقة طبيعية أكثر، وسوف يتقدم وقت الوجبات بنحو ساعة أيضا، وسنحصل على ساعة نوم إضافية".

وقد تأقلم الأسبان بشكل تقليدي مع السهر لوقت متأخر من الليل، من خلال الحصول على فترة راحة قصيرة لتناول القهوة في منتصف الصباح، وفترة راحة لتناول الغداء تمتد لساعتين، وهو ما يتيح لهم فرصة للاستمتاع بأحد تقاليد الثقافة الأسبانية، وهو نوم القيلولة، الذي يعرف في الثقافة الأسبانية باسم "سيستا".

وربما يؤدي تغيير ساعات العمل اليومية إلى تهديد تلك العادة المتعلقة بنوم القليلولة. وسواء أحب الأسبانيون ذلك أم لا، لا تزال تلك العادة محل جدل كبير عند الحديث عن تقاليد الشعب الأسباني.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption سيؤدي تغيير ساعات العمل في أسبانيا إلى تهديد عادة القيلولة الأسبانية الشهيرة التي تعرف باسم "سيستا"

وقد توصلت شركة أبحاث أسبانية، وهي شركة "سيمبل لوجيكا" (أو المنطق البسيط)، في دراسة لها أجريت في شهر يناير/كانون الثاني 2017، إلى أن أقل من 18 في المئة من الأسبان يأخذون قسطا من نوم القيلولة بشكل منتظم، بينما هناك نحو 60 في المئة من الأسبان لا يلجأون إلى نوم القيلولة مطلقا.

وفي الواقع، يظل أصحاب الأعمال والشركات في العديد من المدن الكبرى في أسبانيا مستيقظين طوال ساعات النهار، وخلال ساعات الراحة وسط النهار أيضا، وذلك لتقديم مزيد من الرعاية للسياح والزائرين.

وفي المقابل، فإن هؤلاء الذين ينامون خلال ساعتي الراحة في النهار بانتظام، نراهم يعبرون عن إحباطهم إذا حدثت أي تغييرات طارئة في جدولهم اليومي، ومنعتهم من النوم خلال النهار.

المواقع الأثرية في "أول دولة مسيحية" في العالم

ويقول كاسيرو: "ينبغي علينا بالفعل أن نلغي نوم القيلولة في أسبانيا، لأنه لا يتوافق مع الواقع. ومع تغيير التوقيت الزمني الذي سيؤدي إلى تقديم أوقات تناول الوجبات، وسيمنحنا ساعة إضافية للنوم، ستكون هناك حاجة أقل لأخذ قسط من الراحة للنوم في وسط النهار".

وفيما يتعلق بتغيير التوقيت، تقول نوريا تشينشيلا، الاقتصادية والخبيرة في مجال التوازن بين الحياة والعمل بالمعهد العالي للدراسات التجارية بكلية إدارة الأعمال في برشلونة، إنها تشعر بأن نوعية الحياة التي يجب أن يحصل عيها الأسبانيون تعد أكثر أهمية من التفكير في توفير ساعة أو ساعتين إضافيتين من ساعات المساء من أجل جذب السائحين.

وتضيف نوريا: "هناك اختلاف مستمر في التوقيت. لذا، ستظل السياحة موجودة دائما، والسائحون لا يبالون بهذا الأمر. فعدد ساعات ضوء النهار سيظل كما هو، سواء كانت هناك ساعة إضافية في وقت الصباح أو في وقت المساء".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة