الكنافة الغزاوية: حلوى محبوبة يصعب الوصول إليها

كنافة فلسطينية مصدر الصورة Miriam Berger

نادرا ما نجد الكنافة التي تعد بالطريقة الغزاوية الخاصة في مكان آخر خارج ذلك الجيب الساحلي الصغير المعروف باسم قطاع غزة.

تماثل رائحة محال "أبو السعود" للحلويات تلك الرائحة التي تنتشر في أرجاء غزة. وداخل الأبواب الزجاجية الكبيرة لتلك المحال، وتنتشر الرائحة الدافئة للسكر والعجين حول المعروضات من الحلويات، والطاولات النظيفة أيضا. وتعد هذه المحال هادئة بشكل عام، باستثناء ثرثرة الزبائن، وصوت تقطيع العامل لتلك الحلوى الأسطورية الجذابة والشهيرة، المعروفة باسم الكنافة العربية.

ويعد النوع الأكثر شهرة منها هو الكنافة النابلسية (المصنعة في نابلس في الأراضي الفلسطينية)، حيث تتخلل طبقات من الجبن، الشائع استخدامه في الحلويات الفلسطينية، الشعيرية المسحوقة أو السميد. أما الكنافة العربية أو الغزاوية، فهي حلوى تميل إلى الملوحة بعض الشيء، وأكثر دسما مع نكهات غزة المميزة من المكسرات، وجوزة الطيب، والقرفة التي تحل محل الجبن.

وقد دأبت محال الحلويات التي تمتلكها عائلة "ساق الله"، وهو الاسم الآخر الذي تُعرف به محال "أبو السعود" للحلوى، على صناعة هذه الحلوى الأكثر تميزا في غزة منذ عام 1896. لكن من الصعب معرفة أصل هذا الطبق بالضبط.

ويقدم محمد ساق الله، حفيد مؤسس ذلك المحل، بفخر واحدة من النظريات التي تعود إلى القرن السابع، وعهد النبي محمد أيضا، عندما ورد أن علي ابن أبي طالب طلب حلوى عذبة المذاق، وعندها ولدت الكنافة العربية، كما روى ساق الله. وسواء كانت الرواية صحيحة أم لا، فإن القصة تتحدث عن مكانة الطبق الشهير في الهوية الفلسطينية الغزية.

وتحتاج هذه الأيام إلى تصريح يصعب الحصول عليه لدخول غزة أو الخروج منها. لكن تاريخيا، كانت هذه المنطقة المعزولة حاليا مكانا لتقاطع الطرق والتجارة.

ففي العصور القديمة، كانت غزة الميناء الرئيسي على طول البحر الأبيض المتوسط، ونقطة وصول للمسافرين والتجار على الطريق إلى بلاد الشام وسوريا الكبرى، والجزيرة العربية، وأفريقيا. واليوم، لا يزال مطبخها ذو المكونات الفريدة يعكس هذا الماضي.

وتقول ليلى الحداد، مؤلفة كتاب "مطبخ غزة": "تعكس الكنافة العربية صورة غزة نفسها. إنها حلوى ذات طابع ريفي مميز، وغنية بالتوابل".

مصدر الصورة Miriam Berger
Image caption محلات ساق الله تصنع الكنافة منذ عام 1896

وأضافت: "في العصور الحديثة التي أصبحت فيها غزة مغلقة أكثر، أصبحت هذه النكهات غير معروفة تقريبا، حتى بالنسبة لفلسطينيين آخرين".

وفي الواقع، فإن معظم الفلسطينيين هذه الأيام لا يمكنهم الوصول إلى غزة وتناول كنافتها. فبعد عقود من الحكم العثماني والبريطاني والمصري، احتلت إسرائيل غزة من عام 1967 حتى عام 2005. وبعد عامين من ذلك، سيطرت حركة حماس على القطاع من منافستها، السلطة الفلسطينية، والتي يقع مقرها الرئيسي في الضفة الغربية.

ثم فرضت إسرائيل ومصر حظرا على السفر والتجارة في غزة. وعلى مدى السنوات التسع الماضية، خاضت إسرائيل وحماس ثلاث حروب مدمرة؛ والكثيرون في غزة لم يستعيدوا بعد عافيتهم من الحرب الأخيرة التي وقعت قبل ثلاث سنوات.

واليوم، تفرض إسرائيل قيودا على معظم المعابر الحدودية. وفي معبر إيريز في جنوب إسرائيل، وهو نقطة العبور والخروج الوحيدة للمواطنين بين غزة وإسرائيل والضفة الغربية، "لا يُسمح بتصدير الأغذية من غزة لأغراض تنظيمية"، وفقا لمكتب تنسيق الأنشطة الحكومية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

ومع ذلك، وبشكل غير رسمي، يمكن لنصف كيلو أو كيلو من الحلويات، أو حوالي طبقين كبيرين من الكنافة العربية، أن يمر إلى خارج القطاع.

عندما زرت محل "أبو السعود" في يوليو/تموز الماضي، كانت الأوقات صعبة، وتزداد صعوبة يوما بعد يوم. فقد كانت غزة قد مرت على مدى شهر بأزمة شديدة جراء انقطاع الكهرباء عنها، مما جعل مواطني غزة البالغ عددهم مليوني نسمة يحصلون على ساعتين أو ثلاث فقط من الكهرباء يوميا، بعدما كانوا يحصلون عليها لمدة ثماني ساعات يوميا فقط في الشهور السابقة.

وكان بإمكان المحظوظين منهم، مثل أبو السعود، أن يُبقوا على الإضاءة لفترة أطول باستخدام المولدات الكهربائية. وحتى مبلغ خمسة شواكل فقط (ثمن قطعة الكنافة) - وهو نفس السعر في نابلس أيضا- لم يكن بمقدور العديد من سكان غزة توفيره لشراء قطعة كنافة، مع الأخذ في الاعتبار أن غزة تعاني واحدا من أعلى معدلات البطالة العالم.

مصدر الصورة Abid Katib / Stringer
Image caption تحتاج هذه الأيام إلى تصريح يصعب الحصول عليه لدخول غزة أو الخروج منها، وكانت في السابق ملتقى طرق التجارة في منطقة حوض البحر المتوسط

ورغم المصاعب، فإن لدى أبو السعود عددا من المحال الناجحة في مدينة غزة.

وفي عام 1994، وهو الوقت الذي بدأت فيه المفاوضات حول إقامة دولة فلسطينية واعدة أكثر من أي وقت مضى، أضافت حلويات ساق الله الكنافة النابلسية لتشكيلتها.

وفتحت العائلة موقعها الحالي في وسط مدينة غزة في عام 2009، قبل أسابيع قليلة فقط من الحرب مع إسرائيل. وبحلول نهاية الحرب، كانت القنابل قد حطمت نوافذ المحل وكلفت العائلة عشرات الآلاف من الجنيهات الاسترلينية من الخسائر والأضرار.

والآن، ومع إغلاق الحدود وزيادة صعوبة الحصول على المال، "من الصعب إيجاد نظام ثابت"، حسبما يقول ساق الله، الذي شرح لنا كيف أن المكونات عالية الجودة - وحتى بعض المكونات الأساسية - ازدادت صعوبة شرائها أكثر وأكثر.

وعلى الرغم من ذلك، فالأمر لا يتعلق بالمكونات وحسب، بل بكيفية طهيها، وفقا لساق الله.

وفي المطبخ الموجود تحت المحل الصاخب، أتقن فريق ساق الله فن هذه الصناعة. ورفض ساق الله إعطاء وصفة الكنافة العربية بالضبط، لكنه وصف كيف تبدأ بقاعدة من السميد المحمص، ومصل الحليب المطبوخ والمصفى لتحقيق الخشونة المميزة للطبق.

وبعد ذلك، يسكب العجين المفتت فيمقلاة كبيرة مغطاة بالزيت، يتبعه مزيج القرفة والسكر وجوزة الطيب، وطبقة من الجوز. ثم يُضغط عليها بمقلاة أصغر، وتوضع على موقد كبير لحوالي 20 دقيقة. وبالطبع، فاللمسة الأخيرة هي محلول السكر الذي يُسكب فوقها.

مصدر الصورة Miriam Berger
Image caption تميل لبكنافة الغزاوية إلى الملوحة بعض الشيء، وهي أكثر دسما مع نكهات غزة المميزة من المكسرات، وجوزة الطيب، والقرفة

ومن الأفضل تقديم الطبق ساخنا، لكن ساق الله يحذر من تغطية الطبق لفترة طويلة، لأن الكنافة يمكمن أن تجف وتتفتت، وهذا علامة على كنافة أقل جودة حسب قوله.

وتقول ليلى الحداد إنه من الصعب الحصول على التركيبة المعقدة للكنافة في المنزل، وهذا يفسر جزئيا سبب بقاء هذا الطبق غير معروف على نطاق واسع خارج غزة. وبدلا من ذلك، فإن الوصفات البيتية، مثل الواردة في كتابها، تعتمد على مزيج أسهل من البرغل والسميد لعمل قاعدة المعجنات للكنافة.

ويعمل ساق الله في المحل منذ 40 عاما. والآن، يجري الإعداد لأن يرثه سعود البالغ 31 عاما، وهو أحد أبنائه الستة. ويكون المحل في العادة مزدحما ليلا ونهارا، خاصة خلال العطلات أو في بداية الشهر بعد استلام الرواتب.

وقال نور، البالغ 20 عاما، والذي كان قبل العاشرة صباحا بقليل ينتظر مع أربعة من أصدقائه في الجامعة تجهيز أول دفعة من الكنافة لذلك اليوم: "إننا دائما نأتي إلى هنا لتناول الكنافة".

وكان لديهم موعد في ذلك الصباح بالقرب من المحل، وقرروا إكرام أنفسهم أولا؛ وثلاثة منهم أرادوا المزيد من الكنافة العربية المائلة إلى الملوحة، فيما اختار الاثنان الآخران الكنافة بالجبن.

وقد ذهلوا بعض الشيء لاهتمامي الكبير بالكنافة، وقال نور مبتسما: "لا غرابة في الأمر بالنسبة لنا على الإطلاق".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة