مقابلة مع أبرز مصمم لـ "مشاهد المستقبل" في هوليوود

سفينة فضاء من وحي السينما مصدر الصورة Alamy

لم يكن "سِد مييد" يعلم عندما سُئِل ذات يوم عما إذا كان يرغب في الاضطلاع بدورٍ في تصميم مشاهد فيلم سينمائي، أنه سيصبح واحدا من أبرز خبراء تصميم عوالم المستقبل على شاشة السينما، ليساعد بذلك على رسم وتحديد ملامح ما بات يشكل كلاسيكيات أفلام الخيال العلمي، مثل "بليد رانر"، "فضائيون"، و"ستار تريك: الفيلم السينمائي".

لم يكن "سِد مييد" يخطط لأن يعمل في مجال تصميم المشاهد التي يُفترض أنها تدور في المستقبل ومكونات هذه المشاهد. بل إن هذا المسمى الوظيفي لم يكن موجودا من الأصل إلى أن اخترعه هذا الرجل.

ويقول "مييد" في هذا الشأن: "كانوا يعدون قائمة المشاركين في إعداد وتنفيذ وإنتاج فيلم بليد رانر، حينما اتصلوا بي هاتفيا، وسألوني عن التوصيف الذي أرغب في أن يُمنح لما قمت به من عمل. كان قد صار لي 20 عاما أصمم مشاهد سينمائية، غالبيتها يُفترض أنها تحدث في المستقبل، لذا ابتكرت وصف مصمم مشاهد مستقبلية".

لذا، سيكون هذا الرجل هو من تبحث عنه إذا كنت تريد التعرف على الشكل المحتمل لأي أمور مستقبلية، على شاكلة أشياء مثل سفن الفضاء العضوية، أو تلك المركبات الفضائية التي يكسوها السخام، أو المستعمرات الفضائية المتألقة، أو المدن التي يسودها الخراب والفساد أو مرت بكارثة ما.

وقد أتاحت التصميمات التي وضعها "مييد" الفرصة لمخرجي العديد من الأفلام، مثل "بليد رانر"، و"فضائيون"، و"ستار تريك"، و"ترون"، و"إيليزيم"، لتجسيد "العوالم المستقبلية" المتصورة في أعمالهم.

وفي منحدر لأحد التلال المكسوة بالأشجار بمدينة باسادينا الأمريكية، التقينا "مييد" في منزله والاستوديو الخاص به؛ وهما في حد ذاتهما عبارة عن منزل فسيح الحجرات، قليل الجدران، ذي طابع مستقبلي، ومزود بشرفات، وفيه نافورة داخلية.

أما الجدران، فتزدان بلوحات فنية إلى جانب أرفف تتراص عليها نماذج مصغرة لسياراتٍ من طرز مختلفة. فبجانب عمله في تصميم المشاهد السينمائية، يُعد "مييد" من العشاق المتحمسين للسيارات، وقد بدأ مسيرته العملية في شركة "فورد" قبل أن يؤسس شركته الخاصة في عام 1970.

وكانت المهمة الأولى التي أُسندت لشركته تتمثل في تصميم أجهزة تسجيل كاسيت لحساب الفرع الهولندي من شركة "فيليبس" العملاقة للإليكترونيات متعددة الجنسيات.

ويقول "مييد" في هذا الشأن: "كان الاتجاه السائد عندما بدأت مسيرتي، يتمثل في إفساح المجال للمهندسين لجعل (مثل هذه الآلات) تعمل، فيما نعمل نحن على تصميمها في أفضل صورة ممكنة".

ويضيف أنه انخرط في العمل كـ "أي أمريكي أرعن، تم التعاقد معي للعمل قبل خمس سنوات كاملة من بدء عملية التصميم الفعلية".

مصدر الصورة Alamy
Image caption يمكن القول إن "مييد" ساعد على إضفاء طابع كلاسيكي على الشكل المحتمل لمدن المستقبل، التي ظهرت في فيلم"بليد رانر" ذي الطابع القاتم المتشائم

وبعد وقت قصير من انتقاله إلى ولاية كاليفورنيا الواقعة جنوبي الولايات المتحدة عام 1975، اتصلت به شركة "باراماونت بيكتشرز" للإنتاج السينمائي لسؤاله عما إذا كان يرغب في الانضمام إلى طاقم العمل في فيلم للخيال العلمي.

ويتذكر "مييد" هذه اللحظات قائلا: "فكرت (وقلت في نفسي) لِمَ لا؟ .. لم يكن الأمر على شاكلة هذه الرؤية التي رآها شاؤول اليهودي وهو في طريقه إلى دمشق فتحول إلى المسيحية، بل كان مجرد مشروع آخر تقوم به شركتي".

وفي عام 1979، كان صناع فيلم "ستار تريك: الفيلم السينمائي" على وشك طرحه في دور العرض، بعدما تم إنجازه عبر إعادة لم شمل طاقم السفينة الفضائية "إنتربرايز"، بعد عشر سنوات كاملة من توقف عرض سلسلة "ستار تريك" التليفزيونية، التي قدمتهم للجماهير.

وفي الفيلم، ظهرت سفينة فضاء عملاقة كان يُفترض، بحسب الأحداث، أنها تهدد كوكب الأرض. ويقول "مييد" إن الفيلم لم يكن سوى معالجة جديدة لعمل تليفزيوني عُرض من قبل، مع إضفاء لمسات مستحدثة عليه، لتوحي بأنه مختلف. وأدى هذا إلى أن يقول "مييد" إن ذلك العمل السينمائي "ليس مبتكرا من الألف إلى الياء بشكلٍ كاملٍ".

لكن الأمر اختلف بالنسبة لسفينة الفضاء التي صممها "مييد" وظهرت في الفيلم، فقد كانت مبتكرة تماما. ويقول الرجل في هذا الصدد: "الفكرة كلها كانت تتمثل في ابتكار نسيج عضوي، يبدو كما لو كان قد نما حول هيكل ميكانيكي. لذا، تأملت صور نباتات مُعرشة في (مجمع معابد) أنغكور وات (بكمبوديا)، حيث تهيمن الغابات على الآلات، ما يوحي بغموض" يُمتع المرء بصريا.

وقد أنهى الرجل تصميم هذه السفينة وهو يجلس في حانة أحد الفنادق الواقعة على الطريق القادم من مقار تابعة لشركة "فيليبس" بمدينة آيندهوفن الهولندية.

ويشير إلى أنه رسم التصميم على منديل مائدة، وهو يحتسي مشروبا، قائلا في هذا السياق: "يمكنك أن ترسم في كل مكان طالما توافر لديك قلم وورقة". وجُسد هذا التصور النظري على أرض الواقع في شكل نموذج عملاق بلغ طوله 42 قدما، ما أتاح الفرصة للكاميرات لاستعراضه والتنقل عبر كل أجزائه، بما يعطي الانطباع بكون تلك السفينة الفضائية ذات حجم هائل.

وبعد بدء عرض الفيلم، عرض جين رُدنبري، مبتكر سلسلة "ستار تريك" ومنتجها، على "مييد" إعادة تصميم سفينة الفضاء الخيالية المعروفة باسم "إنتربرايز"، لتظهر في جزء جديد من مسلسل "ستار تريك". لكن رُدنبري أصر على أن ينجز الرجل تصميماته في المكاتب الخاصة بالعاملين في "ستار تريك".

مصدر الصورة Alamy
Image caption استوحى "مييد" تصميم هذه السفينة الفضائية العملاقة، التي ظهرت في فيلم "ستار تريك"، من صور نباتات مُعرشة تنمو حول المعابد في كمبوديا

ويروي "مييد" هذه الواقعة بالقول: "قال لي إنه يتوجب عليّ العمل هنا. لقد كان مولعا بالسيطرة على نحو غريب". ويقول الرجل إنه رفض العرض، ليتولى التصميم صديقٌ له، جعل السفينة الفضائية المفترضة تبدو ذات "قبة بيضاوية قابلة للانفصال عن جسمها، ونصف سفلي مقعر، يشبه دجاجةً قُطِع رأسها".

ويؤكد "مييد" أن التحدي الذي يواجهه في كل تصميماته، يتمثل في جعلها ذات طابع مستقبلي، دون أن يُقلل ذلك من قابليتها للتصديق من جانب المشاهدين في الوقت ذاته.

ويقول في هذا الشأن: "تأثر خيالي دائما بالتعرف على الكيفية التي يمكن من خلالها تصميم أشياء ذات طابع واقعي".

ويضيف أنه يتعين على المرء - وهو يصمم أشياء مثل الأسلحة والسفن الصاروخية - وكل هذه الأمور "التي أعكف على إنجازها، أن يتيقن من أنها تبدو قادرة على القيام بما تقول قصة العمل إنها تؤديه. لذا يتعاقد (صناع الأعمال التليفزيونية والسينمائية) معي".

لكن "مييد" يقر بأن هناك دائما توازن يتعين على المرء الحفاظ عليه. ويضرب على ذلك مثالا بفيلم "إيليزيم" الذي قام ببطولته مات ديمون عام 2013.

فقد طُلِب من "مييد" حينذاك تصميم المكونات الداخلية لمستعمرة فضائية عملاقة، يقطن فيها علية القوم ممن يعيشون في ترفٍ وفخامة على ارتفاعٍ كبيرٍ بعيدا عن الأرض، بينما يبدو كوكبنا نفسه وقد انتهى إلى حالةٍ من الخراب والدمار والانحطاط.

وفي تصوير مجازي من جانب صناع الفيلم لمسائل مثل الهجرة والصراع الطبقي، يقدم هؤلاء المأوى الفضائي أسطواني الشكل الذي تحيا فيه النخبة، على أنه "عالم مثالي" يغص بالبحيرات والجبال وملامح رغد العيش.

ومن أجل خلق جاذبية اصطناعية تنعم بها هذه المستعمرة الفضائية، كان يتعين تصميمها على نحوٍ تدور فيه حول نفسها. ولتحقيق هذا الهدف على نحو دقيق، استعان "مييد" بمشورة صديقٍ له يعمل في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة "ناسا"، وهو مختبر يقع كذلك في باسادينا.

مصدر الصورة Alamy
Image caption تعتمد غالبية تصميمات "مييد" على تكنولوجيا واقعية يتم إضفاء طابع مستقبلي متطور عليها

وكان الهدف من الاتصال التأكد من أن "مييد" توصل إلى الحسابات الصحيحة المتعلقة بمعدل دوران الأسطوانة حول نفسها. وأشار "مييد" إلى أن صديقه تفهم أبعاد الأمر برمته وأجرى حساباته في هذا الشأن "وقال إنه يتعين أن تمر (هذه الأسطوانة) بنقطةٍ ثابتة ما، مرة واحدة كل دقيقتين ونصف الدقيقة".

لكن الفيلم تضمن كذلك أمورا لا تتسم بالدقة العلمية التامة على هذه الشاكلة. ففي أحد المشاهد، تهبط سفينة ديمون الفضائية اضطراريا على أرضية هذا العالم الافتراضي المصطنع الذي تعيش فيه علية القوم.

وعنى ذلك أنه كان ينبغي تصميم هذه المستعمرة الفضائية، بحيث تكون مفتوحة جزئيا، ولديها منفذٌ إلى الفضاء، لا أن تكون مغلقةً بشكلٍ كاملٍ كما ظهرت في العمل. ونتيجة لذلك، تضمنت إحدى المقابلات التي أُجريت خلال فترة الدعاية للفيلم، قول القائم بإجرائها إن ثمة ثغرات علمية تشوب العمل السينمائي.

ويقول "مييد" في هذا الشأن إنه رد على هذا الرجل هامسا "إنه مجرد فيلم .. التخصص التقني أمرٌ رائع، لكن يتعين عليك عندما تكون بصدد تقديم فيلم سينمائي، أن تسمو على الواقع، وإلا فلن يظهر العمل على الشاكلة التي ينبغي له الظهور عليها".

المفارقة أن "مييد" يشير إلى أن المنتجات التقنية فائقة التطور الموجودة بالفعل على أرض الواقع، غالبا ما تكون - صراحةً - مُخيبة للآمال. ويقول في هذا الشأن إن "أول كمبيوتر فائق تنتجه شركة كراي بدا وكأنه (أداة) زهيدة الثمن، ظهرت في فيلم خيال علمي ضعيف التمويل. كان أمرا يُرثى له، رغم أن ذلك كان الكمبيوتر الأسرع في العالم في ذلك الوقت".

ومع أن "مييد" حظي بالصيت والشهرة، عبر مشاركته في تصميم المشاهد السينمائية، فإنه يصر على أن المصمم البارع قادرٌ على العمل في أي مجال سواء في تصميم "أجهزة التسجيل، أو التليفزيونات، أو سفن الفضاء. الأمر لا يعدو أن بعض التقنيات تكون أحدث بأشواطٍ من نظيراتها".

ويخلص الرجل للقول إنه يعتبر الخيال العلمي "حقيقة ظهرت قبل أوانها المحدد".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة