هل يقدم الفيلم الثالث من سلسلة "كينغزمان" أي جديد؟

الممثل تشانينغ تيتوم في لقطة من الفيلم مصدر الصورة 20th Century Fox

لا يعدو فيلم الجاسوسية "كينغزمان: الدائرة الذهبية" سوى إعادة صياغة للجزء الأول من سلسلة أفلام "كينغزمان"، بصورة معتادة ومثيرة للكدر، حتى لو كان ذلك في ثوبٍ جديد ظاهرياً، كما يشير الناقد السينمائي نيكولاس باربر.

يشكل "كينغزمان: الدائرة الذهبية" ثالث الأفلام التي استمدها المخرج البريطاني ماثيو فون من سلسلة قصص مصورة كتبها مارك ميللر، واستوحى منها فون من قبل فيلميه "كيك-آس" عام 2010، و"كينغزمان: الخدمة السرية"، عام 2014.

ولكن ما يجمع بين الأفلام الثلاثة، أنها جميعاً اتبعت نهج عمل واحدا، يعتمد على استلهام نمط سينمائيٍ شعبي راسخ ومحبوب، والبناء عليه.

في فيلم "كيك-آس" كان ذلك النمط يتمثل في "الأبطال الخارقين"، أما في الفيلمين التاليين فقد كانت الأحداث تدور حول "جواسيس خارقين". ويعمد فون إلى تقديم ذلك النمط السينمائي أياً كان، في إطار خيالي سادي مراهق بعض الشيء، يحفل حواره بالسباب وتُلطخ مشاهده بالكثير من الدماء، ويشيع فيه مُناخٌ عام تشعر في غماره بأن كل شيء مقبولٌ وقابل للتحقق، مع قدرٍ مفرط من تلك التفاهات التي تعج بها أفلام الدرجة الثانية.

ليست هذه فكرة سيئة على أي حال، فثمة لحظات في كل فيلم سينمائي تدفع مشاهديها إلى بصق حبات الذرة المحمصة من أفواههم من فرط ما تتضمنه المشاهد المعروضة أمامهم من بذاءة ووقاحة.

لكن كم مرة يمكن أن يُصدم المرء بفعل التعرض للأساليب الفنية الصادمة ذاتها؟ فالجزء الثاني "كينغزمان: الخدمة السرية"، عبارة عن عمل ذي طابعٍ أبله ونابض بالحياة في وقت واحد، ويستمر على الشاشة لفترة أطول مما ينبغي.

ولدى هذا الفيلم السمت المتباهي الذي تصطبغ به أعمال فون عادة، ويتسم أيضا باستخدامٍ مفرط للمفردات البذيئة، ويحتوي على مشاهد قتال تبدو محتدمةً على نحوٍ مبالغٍ فيه، من تلك التي تميز أسلوب هذا المخرج تحديداً.

كما نرصد في العمل الطريقة المعتادة المتكلفة التي يتعامل بها فون مع الجنس. لكن أياً من هذه العوامل لم يعد يثير الدهشة كما كان الحال قبلاً. فكلها تدفع المرء منّا للقول: "إن ما يجري على الشاشة لا يختلف عما حدث في آخر أفلام سلسلة كينغزمان" بدلاً من أن يقول "إن ذلك يختلف عن أحدث أفلام باتمان أو جيمس بوند".

لا يعني ذلك أن فيلمنا هذا ليس ممتعاً من حيث أسلوبه الصبياني قليلاً. لكن الأمر يتعلق بأن صناعه لم يقدموا فيه أي جديد على الإطلاق. كما أن عدم وجود هذا الشعور المثير الفاتن المتمثل في الإحساس بأن المخرج فون يحطم كل القواعد فيه، يجعل التغاضي عن تلك الرداءة المتأصلة في التفاصيل الإنتاجية للعمل أكثر صعوبة.

على أي حال، فإن "كينغزمان: الدائرة الذهبية" - مثله مثل الأجزاء التالية لأي فيلم كبير حقق نجاحاً لافتاً - لا يشكل في واقع الأمر سوى إعادة صياغة للفيلم السابق له في ثوبٍ جديد، ولكن بمشاركة نجوم أكثر شهرة يظهرون كضيوف شرف، وبأحداث تدور في مواقع تتسم بغرابة أشد من تلك التي دارت فيها أحداث الجزء السابق له.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يقوم الممثل تارون إيغرتون بدور البطولة في هذا الفيلم

ففي الجزء الأول نرى شاباً وقحاً يُدعى إيغزي (يجسد شخصيته الممثل المحبوب تارون إيغرتون) وُلِد في أحد المنازل التي تمنحها المجالس المحلية للمعوزين في بريطانيا. وبحسب الأحداث، يتم تجنيد إيغزي من قبل منظمة تجسس شديدة التكتم وتستخدم تقنيات متطورة للغاية.

وتحمل هذه المنظمة اسم "كينغزمان" أو "رجل الملك" (يزعجني دائماً بالمناسبة أنهم لا يطلقون على هذه المنظمة اسم "كينغزمين" أي "رجال الملك"، لكن هذا أمرٌ آخر على أي حال).

في هذه المرة، نرى في المشاهد الافتتاحية من الفيلم الفريق التابع للمنظمة يُسحق تماماً، ولذا يضطر إيغزي وصديقه حاد الملامح ميرلين (الذي يلعب دوره الممثل مارك سترونغ) إلى التماس المساعدة من المنظمة المناظرة لمنظمتهما في الولايات المتحدة، والتي تتميز بأنها أكثر ثراءً وأفضل تجهيزاً، وتحمل اسم "ستايتس مان"، وتدير أنشطتها من قبوٍ يقع تحت معمل لتقطير الخمور في ولاية كنتاكي الأمريكية.

وبالنظر إلى أن المخرج فون نفسه بريطاني الجنسية، يبدو هذا الجزء من الفيلم تصويراً محزناً للوهن البريطاني. لكن ربما كان ذاك التذلل عبر الأطلسي ضرورياً لإغراء هذه الزمرة الرائعة والمثيرة للإعجاب من الممثلين الأمريكيين اللامعين الذين شاركوا في العمل. فقد نجح فون في إقناع بعض نجوم الصف الأول مثل جيف بريدجز، وتشانينغ تيتوم، وهالي بيري بلعب أدوار عملاء منظمة "ستايتس مان".

رغم ذلك فلم يُمنح أيٌ منهم دوراً ذا شأن، إلى حد أن بيدرو باسكال، الذي يجسد شخصية جاسوس يجيد التظاهر بالحماسة الشديدة ويحمل طول الوقت أنشوطةً كتلك التي يحملها رعاة البقر، يظهر على الشاشة لمدة تفوق تلك التي يظهر فيها ثلاثتهم مجتمعين، مع أن صورته لم توضع على الملصقات الدعائية للفيلم.

بل إنه يُنحى جانباً لإفساح المجال لظهور "هاري"، أحد المسؤولين الكبار في "كينغزمان"، والذي كان قد قُتل في الجزء السابق. اللافت أن عملية إعادة هذا الرجل إلى الحياة تستحوذ على وقتٍ أطول من اللازم من مدة عرض الجزء الجديد.

"بواقي طعام مُعاد تسخينها"

في الوقت نفسه، نجد في الفيلم شخصيةً شريرةً أخرى، تحيك خطة مدروسة ثانية ترتبط ضمنياً بمعانٍ سياسية مثيرة للاهتمام. فبينما رأينا في الجزء السابق "كينغزمان: الخدمة السرية" شخصية عالم في تكنولوجيا المعلومات (جسدها الممثل صامويل إل. جاكسون) كانت تريد إهلاك غالبية أبناء الجنس البشري من أجل مواجهة التغير المناخي، نجد في هذا الجزء تاجرة مخدرات باسمة الثغر تُدعى بوبي (تؤدي دورها جوليان مور)، تهدد بتسميم الملايين في مختلف أنحاء العالم، إذا لم تسبغ السلطات الأمريكية المشروعية على كل أنواع المخدرات.

بالمناسبة، يتملك هذه الشخصية هوسٌ بالغٌ بكل ما يتصل بثقافة وتاريخ الولايات المتحدة في عقد الخمسينيات من القرن العشرين، تلك الفترة التي تراها براقة ولامعة. ويبلغ بها هذا الهوس حد تشييد بلدة مستوحاة من الأماكن التي ظهرت في فيلم "غريس" الذي أُنتج في سبعينيات القرن الماضي وتناول أحداثاً دارت قبل ذلك بعشرين عاماً.

وتُشيد مور هذه البلدة في أعماق الغابات المطيرة في كمبوديا، وتزودها بكل الكماليات، بما في ذلك مكانٌ مجهزٌ للعب البولينغ، وصالونٌ للتجميل، ومطعم لإعداد شطائر البرغر. ومن فرط قسوة هذه المرأة، يبدو الخدم المتمردون المكون الرئيسي لوجباتها.

وهنا بدا الأمر كله بمثابة تصميمٍ لطيف يستلهم الماضي، ولكنه لا يتسم بالتناسق. وزاد الطين بلة أن ما أشرنا إليه آنفاً بشأن رداءة الإنتاج كان واضحاً بشدة في المشاهد الخاصة بمور. فالخدع المبتكرة بواسطة الكمبيوتر للمشاهد التي يظهر فيها مقر "بوبي" كانت رديئةً إلى حدٍ جعل هذه المشاهد صالحة لأن تكون جزءاً من لعبة فيديو عتيقة كانت رائجةً قبل عشر سنوات.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption الممثل مارك سترونغ يلعب دورا مهما في الفيلم

كما أن هوس هذه الشخصية بفترة الخمسينيات لا يتسق البتة مع مخططها الشائن. بجانب ذلك، فإن فون وشريكته في كتابة السيناريو جاين غولدمان نسيا في بعض الأحيان - وبشكلٍ كامل - مسألة تعلق هذه الشخصية بتلك الفترة.

فرغم أنه لا ضير على الإطلاق - مثلاً - في أن تتضمن الأحداث اختطاف "بوبي" للمغني إلتون جون (الذي يظهر كضيف شرف في دورٍ يحاكي فيه شخصيته الحقيقية على نحو ساخر)، فإن المرء ليتساءل عن السبب الذي يحدو بها لأن تجبره على ارتداء ملابس من تلك التي كان يرتديها مؤدو العروض الغنائية والموسيقية على المسارح في سبعينيات القرن الماضي.

وما الذي يجعلها تأمره بأن يعزف ألحاناً وضعها المؤلف الموسيقي وعازف البيانو الأمريكي جورج غيرشوين الذي توفي عام 1937؟ ألم يكن من الملائم بشكل أكبر أن تُقدم أعمالٌ موسيقية للمغني والموسيقي وكاتب الأغنيات الأمريكي جيري لي لويس الذي ذاع صيته في الخمسينيات؟

أتصور أن فون وغولدمان سيستخفان بهذا الاهتمام الكبير من جانبي بالتفاصيل الضئيلة. ففيلمهما يفخر - في كل الأحوال - بجذوره المستمدة من إحدى قصص الرسوم المصورة. فضلاً عن ذلك، ففي ضوء أن لدى الشخصية الشريرة الرئيسية في هذا العمل كلاباً هجومية آلية، وأن أحد أبطال الفيلم تعافى من إطلاق الرصاص على عينه من مدى قريب للغاية، فلعله من الخطأ أن نأخذ كل ذلك على محمل الجد من الأصل.

لكن الحقيقة تتمثل في أنه كان من الممكن بحق التسامح مع ما شاب الفيلم، من إهمالٍ ولجوءٍ لمؤثرات بصرية رديئة وعرضٍ لحيل ومشاهد منافية للعقل وتقديم أفكار غير مكتملة وعدم الاستخدام المثالي لأبطاله، إذا كان العمل يهزأ مثلاً بالقواعد والتقاليد المتعارف عليها. غير أن المشكلة أن فيلمنا هذا هو أول تعاون ينخرط فيه فون وغولدمان لتقديم ما تتوقع منهما بالضبط أن يقدماه.

بطبيعة الحال، سيظل بوسع عشاق "كينغزمان" الاستمتاع بحواره الساخر الحافل بالسباب والدماء التي تلطخ مشاهده بكثرة.

لكن سيتعين عليهم الإقرار بأن الجزء الجديد بمثابة خيانةٍ للمفهوم الذي تقوم عليه هذه السلسلة من الأفلام. فبدلاً من أن يسعى القائمون عليه لأن يخرج في صورة تختلف عن أفلام الجاسوسية الأخرى، إذا بهم وقد بذلوا جهوداً مضنية، ليجعلوه مماثلاً تماماً للجزء السابق الذي قدمه مخرجه فون منذ ثلاث سنوات، ليبدو "كينغزمان: الدائرة الذهبية" وكأنه يدور في دوائر مُفرغة.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة