الحياة تحت حكم "تنظيم الدولة" في عمل درامي غربي

مشهد من مسلسل "تنظيم الدولة" مصدر الصورة Channel 4

ليس من المستغرب أن تطغى مفردات العنف والإرهاب على المشهدين السياسي والدرامي في العصر الحالي، فقد غيرت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول ملامح النظام الجيوسياسي العالمي، وبات رد الفعل الغربي عليها، الذي تمثل في "الحرب على الإرهاب"، هو الهاجس الأكبر في العصر الحديث.

ويرى المؤلف يوفال نوح هراري أن "الإرهاب"، قبل كل شيء، ظاهرة لافتة للنظر، ويتعين أن تظهر الدراما التليفزيونية "الإرهابيين" من أجل زرع الخوف منهم في قلوب أكبر عدد ممكن من الناس. وبالطبع، هذا يتوقف على أداء الممثلين.

لكن الكاتب البريطاني جون لوكاريه، يرى أن "الإرهاب" والعمليات التي تشن للقضاء عليه تشغل مساحة معينة في عالمنا المعاصر، يصفها في روايته "قارعة الطبل الصغيرة" بأنها "مسرح الواقع". ومن ثم، فإن مفردات "الإرهاب" لا تنفصل عن مفردات الدراما بأي حال، سواء في التطلعات السياسية أو الخيال الإبداعي.

وفي أعقاب سيطرته على مدينة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، في يونيو/ حزيران 2014، أصبح "تنظيم الدولة" مرادفا للإرهاب. لكن بيتر كوزمينسكي، فرضه على الدراما التليفزيونية من خلال حلقات مسلسل "الدولة"، الذي بدأ بثه الأسبوع الماضي في الولايات المتحدة.

مرّت المعالجة الدرامية الحديثة للإرهاب بثلاثة أطوار، يبدأ الطور الأول في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضى، حيث عُرضت للجمهور الغربي، الذي يدرك أن منطقة الشرق الأوسط تعجّ بالصراعات، أفلاما سطحية تكرس الصور النمطية للإرهابيين، إذ يغلب عليها إرهابيون ملتحون يتوقون إلى التفجير، مع قلة الاهتمام بتحري الدقة أو الحقيقة.

مصدر الصورة Alamy
Image caption في فيلم "أكاذيب حقيقية" في عام 1994، واجه أرنولد شوارزنغر "إرهابيا فلسطينيا" يُدعى "سليم أبو عزيز"، جسد دوره الممثل البريطاني "أرت مالك"

وخير مثال على ذلك، فيلم "أكاذيب حقيقية" في عام 1994، الذي خاض فيه بطل الفيلم، أرنولد شوارزنجر، معارك ضد إرهابي فلسطيني، يُدعى سليم أبو عزيز، الذي لعب دوره "أرت مالك"، وهو ممثل بريطاني من أصول باكستانية.

وتوالت الأحداث غير الواقعية، التي كان من بينها محاولة تدمير مدن بأكملها بالأسلحة النووية. صحيحٌ أن هذا الفيلم يصنف ضمن أفلام الحركة الكوميدية، وهذا يفسر تعمد المبالغة في بعض المشاهد، إذ كان من الممكن في هذه الفترة معالجة قضية الإرهاب بطريقة هزلية.

ثم وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، وما أعقبها من حروب وهجمات إرهابية. وطور منتجو الأفلام السينمائية والتليفزيونية أساليبهم في معالجة قضية الإرهاب، وتغلغت إلى شاشات التليفزيون والسينما مصطلحات جديدة، مثل خلايا نائمة، وتفجيرات انتحارية، و"الإرهابيون المحليون" الذين يشنون هجمات إرهابية ضد البلد التي نشأوا فيها، وكلما زادت مفردات الإرهاب في الأعمال الدرامية، زاد إلمامنا بها واعتيادنا عليها.

لكن الحبكة الدرامية في هذه الفترة كانت تتمحور حول الأبطال "الخيرين" الذين يحاولون منع الإرهابيين من الاستحواذ على الأسلحة النووية، كما في المسلسل التليفزيوني "24"، أو إحباط محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي، كما في المسلسل التليفزيوني "الوطن". فلم تتناول هذه المسلسلات الهجمات التي شنها الإرهابيون بالفعل، إنما جسدت أسوأ مخاوف الغرب مما قد يفعله الإرهابيون.

والمرحلة الثالثة والأخيرة بدأت ببروز قوة تنظيم الدولة، الذي أثبت أنه الجماعة الإرهابية الأكثر دراية بمخاطبة الجمهور، والأكثر وقدرة على تسخير المنابر الإعلامية لتحقيق مآربه في التاريخ الحديث.

واستطاع تنظيم الدولة أن يغير مفهوم الإرهاب، وغيّر معه نظرتنا وطريقة تعاطينا مع الإرهاب، إلى غير رجعة. فقد انقضى عهد مقاطع الفيديو غير الواضحة التي كان يطيل فيها أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، الحديث بنبرته الرتيبة باللغة العربية.

مصدر الصورة Channel 4
Image caption تبدأ أحداث الفيلم في عام 2015، مع توافد منتسبون جدد إلى سوريا للإنضمام إلى دولة الخلافة

وحل محل ذلك مقاطع فيديو ذات مؤثرات سمعية وبصرية أنتجها خبراء في الإخراج والإنتاج، والتي تظهر عمليات القتل الوحشية، واقتحمت هذه المقاطع من فرط فظاعتها شاشات السينما والتليفزيون. ولا يتحدث هؤلاء الملثمون بالعربية، بل يتقنون الإنجليزية ويهددوننا باللكنة البريطانية.

مجندون جدد

تبدأ أحداث فيلم "الدولة" في عام 2015، في غمرة انتصارات التنظيم بعد فرض سيطرته على مدينة الموصل. وتوافد المجندون إلى سوريا للانضواء تحت لواء التنظيم.

وتسلط الحلقات الضوء على أربع شخصيات بريطانية، شاكيرا، طبيبة وأم غير متزوجة، اصطحبت معها ابنها إسحاق الذي لم يتجاوز التاسعة. وجلال الذي جاء برفقة صديقه زياد ليُخلف أخاه الذي يصفه بأنه "الشهيد" بعد مقتله في إحدى المعارك التي خاضها دفاعا عن التنظيم. وأخيرا أوشنا، وهي فتاة مراهقة تحلم بأن تكون زوجة أحد الجهاديين.

منذ البداية، تنبيء دقة التفاصيل بمدى إلمام صناع المسلسل بجوانب موضوعه، وهذا يتبدى في تصوير كوزمينسكي لأدق تفاصيل مسيرة الكثير من المجندين إلى "دولة الخلافة"، بداية من الشخصيات التي تمسح جميع محتويات هواتفها، من خلال إعادتها إلى ضبط المصنع، ثم مرورهم إلى سوريا عبر السياج الحدودي بالقرب من مدينة غازي عنتاب، جنوبي تركيا.

وعند وصول المجندين الأربعة، أُخِذت النساء إلى دار للضيافة مخصصة لغير المتزوجات، وجُمعت هواتفهن. أما الرجال، فقد ذهبوا برفقة مرشدين لرؤية أحد قيادي تنظيم الدولة.

وعندما سئل جلال عن إمكانياته، قال إنه جاء ليقاتل، ولكن هذا الوهم سرعان ما أزاله القائد، وهنا ينفذ مسلسل "الدولة" إلى جوهر "تنظيم الدولة".

إذ ظنّ جلال من تلقاء نفسه أنه سيكون مقاتلا في صفوف التنظيم، ولكن هذه الجماعة، قبل كل شيء، ما هي إلا مشروع لإقامة دولة، ولهذا فإن دور محرري مقاطع الفيديو لا يقل أهمية عن دور الجنود.

مصدر الصورة Channel 4
Image caption يلقي المسلسل الضوء على أربعة شخصيات، منهم جلال الذي جاء برفقة صديقه زياد للإنضمام إلى التنظيم بعد مقتل أخيه الذي كان يقاتل في صفوفه

وبينما كان التركيز الإعلامي منصبا على الدوام على العنف المفرط للتنظيم، فإن قوة التنظيم الحقيقية التي تمكنه من التغلغل والتجنيد، تكمن في شيء مختلف تماما.

إذ ينسج التنظيم للمجندين المحتملين واقعا بديلا لواقعهم ويتيح لهم الفرصة ليصبحوا جزءا من كيان أكبر منهم. وفي الوقت الذي كانت قناة "سي إن إن" تعرض فيه تقارير عن عمليات قطع الرأس على يد أعضاء التنظيم، أنفقت الجماعة وقتا طويلا في بث مقاطع فيديو تظهر جنودها وهم يتصدقون على المحتاجين، أو يحتسون الشاي، ويتضاحكون معا.

وأثارت الحلقة الأولى من المسلسل انتقادات واسعة بعد أن ظهر فيها جلال وزياد وهم يتبادلون الضحك في بركة السباحة مع مجندين جدد آخرين (من بينهم الألماني، الذي أعلن إسلامه، وتكشف ملامحة أنه يتحدر من أصول آرية، لكن هذا النقد ليس في محله على الإطلاق.

إذ يرى هؤلاء المجندون أنهم يمكنهم الآن أن يرتقوا إلى مكانة أعلى من مكانتهم السابقة، وهذا ما يبعث البهجة في نفوسهم. فكان عليهم الاختيار بين البقاء في ويملبي بلندن والعمل في مطاعم "ماكدونالدز"، أو السفر إلى دولة الخلافة والانضمام إلى صفوف المقاتلين.

وقد دفع سبب مشابه شاكيرا، الطبيبة، إلى المجيء. إذ قيل لها عبر الإنترنت إنها ستمارس الطب في مستشفى كانت في أمسّ الحاجة لمهاراتها. وقد تركت شاكيرا، كشأن غيرها من المجندات، "حياة الجاهلية" (التي أصبحت ترمز في نظر من يتبنى هذا الفكر إلى العلمانية والحداثة) في "دار الكفر"، لتساهم في بناء "دار الإسلام".

ومنذ هذه اللحظة، أفاق جلال وشاكيرا من غفلتهما ليصطدما بواقع "الخلافة" المفزع. فلم تستطع شاكيرا العمل في المستشفى من دون إذن ولي أمرها، كما أن حظر ملابس الجراحين في المستشفى يكشف عن تقديم الشريعة على الوقاية من الأمراض.

شخصيات بلا قيمة

ويتجلى في كل مشهد من مشاهد المسلسل البحث المستفيض الذي أجراه كوزمينسكي قبل التصوير. وفي أكثر من موضع خلال الفيلم، ظهرت كلمات على الشاشة باللغة العربية عند نطقها مثل "الدنيا" و"المرتدون"، وهذا يثري الحلقات ويضفي عليها مصداقية الأفلام الوثائقية التي تتناسب مع موضوعها الواقعي.

مصدر الصورة Channel4
Image caption استعان كوزمينسكي ببعض الأساليب السردية، مثل ترك بعض المقاطع التي تحدّث فيها الممثلون باللغة العربية دون ترجمة، ليشاركهم المشاهد مشاعر العزلة

كما وظف كوزمينسكي في المسلسل بعض الأساليب السردية توظيفا دقيقا، ولا سيما حين ترك بعض المقاطع التي تحدث فيها الممثلون باللغة العربية دون ترجمة، وقد حققت هذه الأساليب أفضل أثر في اللقاءات الأولى بين أوشنا وزوجها الذي لا تفهمه، وكان كوزمينسكي يريد من وراء ذلك أن يشاركها المشاهد نفس مشاعر العزلة والوحشة.

ولكن مسلسل "الدولة" ينطوي على الكثير من المشاكل كعمل درامي. فكيف سيتعاطف الجمهور مع جلال عندما تبددت أوهامه تباعا وظهر له التنظيم على حقيقته؟ لقد رأيناه حين امتعض واشمئز من منظر قطع الرأس العلني، في حين كان يصوره زياد على هاتفه بتشف وسعادة.

وفي مشهد قاس، ارتسمت على وجه جلال علامات اليأس، وأسقط في يده حين جيء به إلى سوق النخاسة.

إلا أن يأس جلال يبدو زائفا بالنسبة للمشاهد، الذي قد يتساءل على الفور: وماذا كنت تتوقع من تنظيم الدولة؟

هذا التنظيم أصبح بمثابة "دولة خلافة رقمية"، لا يتورع عن بث كل فظائعه إلى العالم. والعنف لا يُرتكب تحت ستار أو مسمى آخر. فمن هو جلال في نهاية الأمر؟ هل هو مقاتل "خيّر" في صفوف التنظيم؟ هذا تناقض بيّن ومستحيل تحقيقه.

ويتعامل كوزمينسكي مع جلال تعامُل ديفيد تشيز، منتج مسلسل "ذا سوبرانوز" مع توني سوبرانو، الذي لم يظهر على مدار الحلقات إلا وهو يقتل أفراد العصابات الأخرى بينما يتعامل بمنتهى الحب والحنان مع أبنائه، رغم أنه مضطرب نفسيا.

لكن جلال، في المقابل، لم يرتكب أي أعمال تتسم بالقسوة والوحشية، وأنقذ إحدى السبايا الإيزيديات وابنتها الصغيرة.

كما أن أحداث الفيلم لم تكن مترابطة إلى حد كبير، ولم تمر بسلاسة. والكثير من الشخصيات لم يؤثر وجودها على العمل وقد لا يفهمها ولا يستسيغها المشاهد، وخاصة أوشنا المتعصبة لفكرها تعصبا أعمى وزياد الجهادي الجاهل، وكلاهما لم يضف أي قيمة للعمل.

وفي النهاية، نجح مسلسل "الدولة" كسرد واقعي مشوّق ومثير يرصد أدق تفاصيل الحياة تحت حكم تنظيم الدولة، ولكنه أخفق على المستوى الإنساني. لكن في هذا السرد التفصيلي لجماعة يوصف أفرادها بأنهم الإرهابيون الأكثر فصاحة في العصر الحديث، هناك الكثير من المعلومات المسكوت عنها بشأنهم.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة