"رجل الثلج": رؤية نقدية لأحدث أفلام مايكل فاسبندر

مشهد من فيلم "رجل الثلج" مصدر الصورة Alamy

يبدو أنه ليس لدى فيلم "ذا سنومان" (رجل الثلج)، فرصٌ كبيرة لإقناع المنتجين بتقديم جزء ثانٍ منه، كما يقول الناقد الفني نيكولاس باربر.

هذا العمل مستوحى من رواية حققت مبيعاتٍ كبيرة، وتنتمي إلى نوع أدبي يضم رواياتٍ بوليسية، تُروى من وجهة نظر رجل شرطة، وتدور أحداثها في أجواءٍ قاتمة وتحفل بالإشكاليات الأخلاقية، وعادة ما تكون الدول الإسكندنافية مسرحاً لها.

لا بد أن يكون قد تبادر إلى ذهن صناع فيلم "رجل الثلج "، في لحظة ما خلال فترة إنتاج هذا الفيلم، أنهم بصدد تدشين سلسلة جديدة من الأفلام السينمائية الناجحة متعددة الأجزاء. فالعمل مُستوحى من رواية تشكل أحد أجزاء سلسلة ذائعة الصيت للكاتب النرويجي "يو نسبو".

كما أن فريق العمل في الفيلم - سواء من الممثلين أو الفنيين - كلهم من الصف الأول، فالمخرج هو توماس ألفريدسون، الذي سبق أن قدم أعمالاً مثل "دع الشخص الصحيح يدخل" و"سمكري خياط جندي جاسوس"، أما المنتج فهو مارتن سكورسيزي، وذلك بجانب مايكل فاسبندر الذي يجسد دور البطل هاري هول.

لكن وجود كل هذه الأسماء اللامعة التي تزدان بها قائمة المشاركين في العمل، لا يمنع من طرح سؤال مفاده: هل سيحقق "رجل الثلج" نجاحاً يكفي لتبرير تقديم جزءٍ ثانٍ أو أجزاء أخرى منه؟

فأحداث الفيلم منافيةٌ للعقل إلى حدٍ بعيد، كما أنها باهتة الطابع في الوقت نفسه، وهو ما يجعل فرص تقديم أجزاء أخرى منه محدودة بشدة.

الثغرة الأكثر وضوحاً في الفيلم تتمثل في شخصيته الرئيسية هاري هول، فهو مفتش شرطة نرويجي يحظى بالتقدير والاحترام. ولكن بدلاً من أن يتحلى بشخصية قوية جذابة، نجد أن لديه مجموعة من أسطوانات الموسيقى والغناء القديمة من جهة، وما يبدو أنها مشكلة حادة مع معاقرة الخمر من جهة أخرى.

وللبرهنة على مدى جسامة مشكلة احتساء الخمر هذه، يظهر هاري في المشاهد الأولى وهو ينهض من فراشه صبيحة أحد الأيام في كوخ بمتنزه في أوسلو، قبل أن نراه وقد غلبه النوم على كومة من الثلوج خارج حانة، بعد بضعة مشاهد لا غير.

لكن للأسف، لم تكن ملامح الشخصية في هذا الشأن جذابة بالنسبة للمشاهدين في حد ذاتها، وذلك في ضوء أن شخصية مفتش الشرطة مدمن الخمور، باتت شخصية نمطية تُستخدم كثيراً من قبل صناع الأعمال السينمائية. الأسوأ من ذلك أن هذا الجانب من شخصيته، لم يكن له تأثير البتة على سلوكه الشخصي أو ممارسته لمهنته خلال الفيلم.

ففي واقع الأمر، فبمجرد أن تبدأ أحداث العمل تفاعلها، يبدو هاري كما لو كان لا يفكر على الإطلاق في أن يقرب الخمر، وهو ضرب غريب وغير مألوف من ضروب تجسيد الإدمان، ربما كان مقبولاً في الماضي، عندما جعل الكاتب آرثر كونان دويل بطله شارلوك هولمز يتعاطى المورفين والكوكايين على نحوٍ غير منتظم، ولكنه يبدو أحمقَ في وقتنا الحالي.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption المخرج الشهير توماس ألفريدسون هو مخرج فيلم رجل الثلج

ويحاول المخرج ألفريدسون أن يجعله بطلاً جذاباً بشكل أكبر في عيون مشاهديه، عبر تقديم مشهدٍ تكسوه إضاءة خافتة معبرة لـ"هاري" وهو عاري الجذع، مُظهراً بذلك أن لدى الشخصية الرئيسية في عمله بنياناً جسمانياً جيداً بشكل لافت، بالمقارنة بكونه رجلاً في منتصف العمر يدخن ويحتسي الخمر بإفراط.

ورغم ذلك يظل البطل مُفتقراً للجاذبية الشخصية أو التميز بقدرٍ كافٍ لتحفيزك على أن تشاهد أي أفلام أخرى قد تُنتج في المستقبل بشأن مغامراته. المفارقة أنه في فيلم يُدعى بطله "هول"، أي ثقب أو ثغرة باللغة الإنجليزية، تكمن الثغرة الأساسية في العمل في البطل نفسه.

أما الثغرة الثانية الرئيسية في العمل، فتتمثل في أن الشخصية الشريرة فيه ليست لافتة أو مثيرة للاهتمام على نحوٍ كافٍ بدورها. فالفيلم يدور حول مطاردة لقاتل محترف تتمثل الصفة المُميزة له في أنه يترك "رجل الثلج" في مسرح جريمته.

ويضطلع باقتفاء أثره بطبيعة الحال، هاري ومساعدته المقربة الأصغر منه سناً، والتي تبدو شخصيتها باهتة أكثر من البطل (تؤدي دورها الممثلة ربيكا فيرغسون). وربما يعنُّ للمرء أن يتساءل عن السبب الذي يحدو بالقاتل للقيام بذلك.

على أي حال، يوضح لنا الفيلم في مرحلته الاستهلالية أن هذا الرجل، رأى خلال صباه أمه وهي تلقى حتفها جراء قسوة مارسها بحقها شرطيٌ ساديٌ، وهو ما يجعل هناك سبباً ما للغضب الذي يعتمل في صدره حيال العالم.

لكن فكرة ترك "رجل ثلج" في مكان الجريمة، تبقى أمراً لا مسوغ منطقي له. فربما كان هذا الرجل من عشاق شخصية رجل الثلج "أولاف" التي ظهرت في أحد أعمال شركة "ديزني"، أو قد يكون ممن يُكِنون تقديراً وإعزازاً خاصاً لذكرياتهم مع الكتب والأفلام الكارتونية الكلاسيكية التي أبدعها الإنجليزي رايموند بريغز.

كل ما نستطيع قوله هنا على وجه اليقين، إن "رجل الثلج" لا يبدو شريراً للغاية، كما أن ظهوره المتكرر في الفيلم، كان مدعاة للضحك على الأرجح أكثر من كونه باعثاً على الرعب، وذلك على الرغم من المحاولات الجاهدة التي بذلها القائمون على الحلقة الخاصة التي قُدِمتْ من برنامج "دكتور هو" في أعياد ميلاد عام 2012، لإضفاء طابع مخيف على هذه الهياكل الثلجية.

المشكلة أن حذف هذه التفصيلة و"العلامة التجارية" لشخصية القاتل، لن تجعله يبدو مجرد شخص معقد نفسياً طالما تم تناول شخصيات عديدة مثله من قبل فحسب، بل ستجعله كذلك لا يظهر تقريباً على الشاشة على الإطلاق.

خلال أحداث الفيلم، نشاهد مطاردة محمومة مفعمة بالتوتر، تُظهر مهارات المخرج في اختيار أماكن تبعث في النفس أجواء بعينها، في أفضل الصور الغرائبية العجيبة لهذه المهارات.

بجانب ذلك، ثمة مشهد يثير الضحك - عن غير قصدٍ من صناع العمل بالتأكيد - وهو ذاك الذي يهدد فيه القاتل توأمين متطابقين، تجسد دورهما الممثلة كلوي سافيني.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption الممثل مايكل فاسبندر يجسد دور البطل هاري هول في الفيلم.

بخلاف ذلك، يمكن القول إن شخصية الشرير تغيب عن الأحداث في الجانب الأكبر من مدة عرض الفيلم، ولذا نجد العمل يتخذ منحنيات ومنعطفات طويلة وملتفة ومعقدة، بل وتزيد من إرباك المشاهدين أيضاً.

فمثلاً، يبدو من المذهل ذاك الوقت الطويل الذي كرسه الفيلم لتناول العرض الذي قدمته أوسلو لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية الشتوية، التي يُطلق عليها في الفيلم اسم "كأس العالم للرياضات الشتوية"، وهو أمر قد يعود إلى أن ثمة حساسية تكتنف الأولمبياد، لذا آثر صناع العمل النأي بجانبهم عنها.

وإذا كان الإنجليز يستخدمون تعبير "الرنجة الحمراء" للإشارة إلى الأمور المُشتتة للانتباه التي توجد في سياقٍ ما، وإذا كان هذا النوع من الأسماك من المواد الغذائية الرئيسية على المائدة النرويجية، فإن ذلك لا يكفي في نظري لأن يشكل عذراً، لأن أجد "رجل الثلج" المُستوحى من رواية نرويجية مكدساً إلى هذا الحد بما يشتت الانتباه.

ورغم أن ثمة مبرراً ما، لأن تكون أوسلو ومحيطها مسرحاً للأحداث، فما المبرر لأن نرى الممثلين وهم يتحدثون الإنجليزية بلكنة بريطانية بشكلٍ أو بآخر. (الاستثناء الوحيد في هذا الشأن تمثل في فال كيلمر الذي لا يمكنك استيضاح ماهية اللهجة التي يتحدث بها. وعلى أي حال، فـكيلمر ضيف شرف على الفيلم يجسد شخصية محقق آخر، ويبدو الآن، وبشكل مُزعج، وكأنه قد ارتدى عباءة الممثل كيرت راسل التي لا تلائمه على الإطلاق).

ورغم أن هذا التقليد - الخاص بالحديث بإنجليزية بلكنة بريطانية - قد تعزز عبر فيلم "الفتاة ذات وشم التنين " للمخرج دافيد فينتشر، وكذلك من خلال مسلسل "فالاندر" التليفزيوني الذي أنتجته "بي بي سي"، فإنه يبقى عنصراً يشتت انتباه المشاهدين، فإذا ما كان يتعين عليك الاستعانة بممثلين يتحدثون الإنجليزية في قصة اسكندنافية.

فلِمَ لا تنقل الأحداث إلى مكانٍ ناطق بالإنجليزية ويتسم بأجواء قارسة البرودة مثل اسكندنافيا أيضاً؟ لاسيما وأن هذا النهج قد جُرِبَ وآتى ثماره بشكلٍ مذهل، حينما قدم المخرج كريستوفر نولان فيلم "إنسومنيا" (أرق)، وهو عبارة عن إعادةٍ لعملٍ سابق يحمل نفس الاسم، ولكنه غيّر مكان الأحداث لتصبح ألاسكا.

ولكن ربما كان الأمر يعود إلى أن المخرج ألفريدسون وأفراد فريق عمله كانوا يعلمون أن مواقع التصوير تلك الواقعة في اسكندنافيا، هي كل ما يميز فيلمهم عن سواه من كل الأعمال السينمائية التي قُدمت في فترة ما بعد فيلم "صمت الحملان" ذي الطابع المثير، بهدف الاستفادة من نجاح هذا النوع من الأفلام.

فإذا حذفت كل العلامات المرتبطة بقصص الجريمة المثيرة التي تدور في دول اسكندنافيا، من قبيل السترات الصوفية المنقوشة، والسيارات من طراز فولفو، والمضايق البحرية المتجمدة، وحذفت أيضاً الكثير والكثير من الجسور (التي بدت مكرسةً لعشاق المسلسل التليفزيوني "ذا بريدج") ، فستجد أن "رجل الثلج" سيذوب، دون أن يترك وراءه سوى بركة صغيرة من المياه قد تكون مشوبة بالأوحال.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة