أبرز ملامح الحياة الاجتماعية والثقافية في مكسيكو سيتي

مدينة مكسيكو سيتي مصدر الصورة Getty Images

يتعلم المكسيكيون منذ الصغر ألا يبالغوا في الانفعال العاطفي، وهناك مثل مكسيكي مفاده أن من يغضب هو من يخسر، فكيف تبدو مظاهر العيش والعلاقات الاجتماعية في مكسيكو سيتي؟

عشتُ في مكسيكو سيتي لحوالي ستة أشهر قبل أن أشاهد شخصاً غاضباً بشكل علني. ولم يكن ذلك الشخص مكسيكياً.

كان ذلك قبل نهاية يوم العمل، وكان المقهى الذي أجلس فيه يعج بمرتاديه، ويقف أمام بابه طابور طويل من الناس. فجأة بدأ رجل برفع صوته على المحاسب قائلاً: "أنت تحاول سرقتي!" وكان يتحدث بالإسبانية بلهجة غير مكسيكية.

وقد نظر في أرجاء المقهى وقال بصوت مرتفع أنه أعطى المحاسب 500 بيزو (عملة المكسيك)، لكنه تلقى منه 200 بيزو فقط هي كل الباقي. وبدا المحاسب شاعراً بالإحراج، في حين نظر الناس في الطابور إلى أقدامهم أو إلى المعجنات المعروضة أمامهم.

قال الرجل وقد بدأ بالصراخ الآن: "هذا شيء لا يصدق". وكان يصب جام غضبه على كل من في المقهى، مضيفاً: "هذا عمل إجرامي".

لم يهرع أحد لمساعدته. وكان الجميع في ذهول لمجرد أنه رفع صوته وتكلم بعدائية واضحة. في نهاية الأمر، استدار المحاسب وذهب إلى الغرفة الخلفية. واصل الرجل صراخه للحظة أخرى قبل أن يغادر المكان وهو في غاية الغضب.

وبمجرد اختفائه عن الأنظار، عاد المحاسب، وابتسم للزبون التالي في الطابور وواصل تلقي الطلبات كالمعتاد.

لا أعرف من أين هذا الرجل، لكن بشكل واضح لم يكن من مكسيكو سيتي. وليس من المكسيك. فمن النادر أن ترى مكسيكياً يفقد أعصابه أمام الناس، إلا إذا كان تناول قدراً زائداً من مشروب التكيلا الكحولي.

مصدر الصورة Alamy
Image caption من النادر أن ترى مكسيكياً يفقد أعصابه علناً

ويرجع ذلك إلى أن هناك أمران يجعلانك لا تصل إلى نتيجة في مكسيكو سيتي: أن يكون ظاهراً عليك الغضب، وأن تكون مباشراً بشكل مبالغ فيه.

يقول إليزار سيلفيستري، من مكسيكو سيتي، والقادم من ولاية سونورا الشمالية الصحراوية: "تعلمنا أن نكون هادئين بقدر الإمكان في كل الظروف".

وينسحب ذلك بشكل أكبر على وسط البلاد، بما في ذلك مكسيكو سيتي، والتي تعتبر واحدة من أكثر مدن أمريكا اللاتينية حداثة وتنوعاً.

يقول سيلفستري: "لا يمكن أن تكون مباشراً وصريحا هنا، تحت أي ظرف من الظروف".

القاعدة الثقافية هنا في مكسيكو سيتي تبنى على مستوى من الأدب الظاهري على الأقل، بشكل لم أشاهده في أي مدينة بحجمها.

الأمر المؤكد أن وجود 25 مليون نسمة في مدينة كبرى مترامية الأطراف ينبغي أن يجعل مستوى التوتر عالياً بشكل ملحوظ. لكن هنا، يوجد نوع من الفوضى المنظمة، ونوع من الأداء القائم على تبادل المجاملات (تبادل التحيات الروتينية وخاصة الوداع، ولا سيما بين من ليس لهم سابق معرفة ببعضهم البعض)، ومستوى مثير للإعجاب من الصبر.

فعلى سبيل المثال، طلب بسيط من قبيل "من فضلك، ناولني الملح"، يقابله في مكسيكو سيتي "من فضلك، هل من الممكن أن تناولني الملح إذا سمحت"، ويتبع ذلك "ما ألطفك، أشكرك شكراً جزيلاً".

هذه التقاليد من اللغة النابضة بالاحترام انتقلت على يد سكان البلاد الأصليين (بمن فيهم شعب الأزتيك، وهم أجداد قبائل الناهوا اليوم)، واختلطت في وقت لاحق مع التقاليد الإسبانية للبلاد عندما وصل إليها الإسبان بقيادة إيرنان كورتيس، وفريقه عام 1519.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تعتبر مكسيكو سيتي واحدة من أكثر مدن أمريكا اللاتينية حداثة وتنوعاً

وبينما استقرت الأمور شمالي البلاد بشكل مختلف، بحقبة استعمارية أقل تميزاً، كان وسط البلاد وجنوبها متأثرين بشكل عميق بـ 300 سنة من الحكم الإسباني تبعها حوالي 100 عام من الدكتاتوريات المكسيكية.

"أساليب التواصل غير المباشرة لها علاقة بنقص الثقة"، كما تقول باتريشيا غالاردو أرياس، أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة المكسيك الوطنية المستقلة (أونام).

وتضيف: "في حالة المكسيك، يمكن أن يكون لذلك علاقة بالغزو وبالمناخ السياسي".

ويمكن رؤية ذلك بشكل خاص في مكسيكو سيتي، التي تقع في وسط مناطق قبائل الناهوا، والتي هي مركز الإمبراطورية الأزتيكية.

ويقول لويس فرناندو لارا، أستاذ اللغويات في أونام: "من بداية الاستعمار، كان لدى الناهوا الذين شكلوا غالبية السكان في نيو سبين (إسبانيا الجديدة)، نظام معقد ومنمق من عبارات المجاملة، والذي انتقل إلى اللغة الإسبانية المكسيكية".

ويضيف: "من الواضح أيضاً، أن لدينا الآلاف من الكلمات الناهواتية في لغتنا الإسبانية".

مازالت اللغة النهواتية يتحدثها حوالي 1.5 مليون من أصول نهواتية في أمريكا الوسطى يقطن غالبيتهم في التلال المحيطة بجنوب مكسيكو سيتي ويهيمنون على قطاع الخدمات والأسواق فيها.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تناقل المكسيكيون عن السكان الأصليين اللغة المفعمة بمصطلحات وألفاظ الأدب والاحترام

وتحتوي اللغة النهواتية على كلمات مقابلة لعدد من الكلمات الانجليزية، مثل الشيكولاته، والأفوكادو، والفلفل، والطماطم، كما تحتوي على صوت يفيض احتراماً، وتواضعاً وعادات لتقديم التحية باحترام، بغض النظر عن الوقت خلال اليوم أو الظرف القائم. وبإضافة ملحقات معينة للكلمات، بإمكانك تمييز عمر شخص ما أو مكانته الاجتماعية، كما يمكنك التعبير عن مشاعر الحب له.

ويقول الشاعر دييغو روبليه، ابن مدينة مكسيكو سيتي، والذي يدرس الناواتل، وهي مجموعة من اللغات الأصلية لقبائل المكسيك القديمة: "أحد الأمثلة على وجود لغة الناواتل في الإسبانية المكسيكية هو تحية الصباح لدينا، والتي تعني حرفياً "كيف بدأ فجركم"؟ والسؤال بلغة الناواتل هو: "كيف دخل النور إلى عيونكم هذا الصباح؟ هنا فقط نتبادل التحية بهذه الطريقة".

في بعض المجتمعات الأصلية، بما فيها بعض مجتمعات الناهوا، يعتبر عدم النظر إلى وجه الناس عندما تتحدث إليهم نوعاً من الاحترام، بينما الإبقاء على التواصل البصري لفترة طويلة خاصة بين اثنين من الرجال، يمكن أن يعتبر رمزاً للعدائية.

إساءة معاملة السكان الأصليين عبر تاريخ البلاد موضوع حساس في مكسيكو سيتي، ولا تزال آثار الماضي بادية على النسيج الاجتماعي للبلاد، وعلى أسلوب التواصل غير المباشر.

في جوانب معينة، هي عدم الرغبة في نكأ مزيد من الجراح، في بلد لا يثق فيه الناس بحكامهم. الأدب في التعامل في مكسيكو سيتي هو تحديداً بمثابة وضع حاجز بين الشخص والعالم الخارجي. يختلط ذلك برغبة صادقة في عدم إغضاب الآخرين.

على سبيل المثال، إذا سألت في مكسيكو سيتي عن الاتجاهات، ربما تجد نفسك تدور في حلقة نتيجة اتباعك الاتجاهات التي أخبرك بها شخص لا يريد أن يبدو غير مؤدب بمصارحتك أنه لا يعرف الاتجاهات التي توصلك إلى المكان الذي تبغيه.

وبطريقة مماثلة، عندما تكون في سيارة أجرة، إذا مارست طقوس الأدب الجم التي تمتد إلى ما وراء إلقاء التحية البسيطة ستجد نفسك مستمتعاً بمشوار مريح وسهل وربما أقل تكلفة.

إذا بدأت في إلقاء الأوامر بطريقة لا تنم عن العرفان، سواء لموظف مرأب السيارات، أو للنادل في المقهى، فسوف تثير مشاعر استياء قديمة.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption في سيارة الأجرة، أن تكون مؤدباً ربما يؤدي إلى مشوار مريح وأقل تكلفة

وعلى سبيل المثال، إذا لم تبالغ في إلقاء التحية، أو إذا كنت متعالياً، أنانياً أو وقحاً، فربما تبدو كما لو كنت من الغزاة الذين أساءوا معاملة أهل البلاد الأصليين.

ذلك لا يعني أن كل شخص في مكسيكو سيتي هو إنسان لطيف. لكن بالنسبة لواحدة من أكثر المدن كثافة سكانية في العالم، وتعج بمشاكل كبيرة (من الجريمة إلى ندرة المياه والفساد والإزدحام المروري)، يلاحظ كثير من زوار المدينة أن الناس هنا يستفيضون في المجاملات.

وهم بذلك يحافظون على المدينة حية، ويحتمل الناس العيش فيها. وهذا في حد ذاته أمر في غاية الأهمية في مدينة شيدت أصلاً مكان بحيرة قديمة، ويوجد أجزاء منها تغوص في مياه البحر بمعدل 20 سنتيمتراً في السنة.

"ربما يكون مصطلح 'الفوضى المنظمة' طريقة جيدة لتعريف الحياة في مكسيكو سيتي"، كما يقول فرناندو لارا.

ويضيف: "بالمقارنة بمدينة ساو باولو أو ليما على سبيل المثال، هذا الشعور بالنظام رغم كل شيء ربما يكون مدهشاً".

خلال ما يقرب من مدة السنتين التي عشتها في مكسيكو سيتي، تعلمت أن الحفاظ على هذا المستوى المشدد من المجاملات فن في حد ذاته.

ويمارس الجميع قدراً من المجاملات، محاولين أن يعيشوا حياتهم وأن يجدوا السبيل إلى الابتعاد قدر الإمكان عن جنون مدينة هائلة الحجم. أنا هنا مجرد واحد من ملايين البشر. ولم تفت علي فرصة أن أتمنى لأي شخص لا أعرفه "يوماً سعيداً"، أو أن أشكر بحفاوة شخصاً ما على معروف أسداه لي، حتى لو دفعت ثمنه من جيبي.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة