القرية الإيرانية الساحرة المشيدة فوق منحدر جبلي

قرية ماسولة الإيرانية مصدر الصورة Getty Images

يعد كل فناء في قرية ماسولة الجبلية، التي تقبع في قلب جبال ألبرز شمالي إيران، سطحا لمنزل أو مبنى آخر أسفل منه، يمكنك أن تطل من فوقه على مناظر خلابة.

تأملت من نافذتي مجموعة من المنازل الصفراء المبنية من الطوب الطيني على منحدر جبلي، تكتنفها تلال خضراء متدثرة بسحابة من الضباب.

وقد أقيمت قرية ماسولة في قلب أحد الجوانب شديدة الانحدار من الجبل، لتبقى في مأمن من الفيضانات التي تغمر الوادي عند سفح الجبل، والرياح القارسة التي تضرب قمته.

لكن هذا الانحدار الشديد الناتج عن تفاوت الارتفاع داخل القرية بمعدل 100 متر، أجبر سكانها على ابتكار طرق خلاقة للاستفادة القصوى من تلك المساحات.

وتوصلوا إلى تصميم هندسي فريد لهذه القرية التي يناهز عمرها ألف عام، بحيث يستقر الفناء الأمامي لكل منزل أو مطعم أو حتى أجزاء من السوق التجاري، على سطح المنزل المشيد تحته.

وصمدت أسطح هذه المنازل المبنية من الطين والحجارة والخشب لقرون عديدة في وجه الأمطار والثلوج، إذ تهطل على هذه المنطقة أمطار وثلوج بمعدل 150 سنتيمترا سنويا، كما تحملت دوس الأقدام الغادية والرائحة عليها ليلا ونهارا، والسيدات اللائي ينشرن الملابس والشراشف المبللة، والتجار الذين يبيعون الأوشحة الملونة، والدمى المصنوعة يدويا في الأكشاك الصغيرة المنتشرة في الأزقة الضيقة.

مصدر الصورة Shervin Abdolhamidi
Image caption يستقر الفناء الأمامي لكل منزل على سطح المنزل المشيد تحته

وفي دار الضيافة الذي نزلت فيه، تشغل نافذة واسعة مساحة كبيرة من الجدار الأمامي للغرفة لتسمح بدخول ضوء الشمس والدفء، وهي سمة معتادة تمتاز بها الكثير من منازل ماسولة للتأقلم مع برودة الشتاء.

كما يوجد في الجزء الخلفي من الكثير من المنازل القديمة في ماسولة غرفة شتوية معزولة بجدران طينية سميكة.

وبينما كنت أحتسي الشاي، تأملت الممرات الضيقة التي شكلتها الأسطح المتداخلة. ووقع نظري على رجل يحمل مواد البقالة من السوق ويصعد السلالم المتعرجة بين منزلين قاصدا منزله في الطوابق العليا.

ثم انضم ذلك الرجل إلي جاره الذي يدعى صفايي، الذي يستضيفني في الدار، وقال: "لن تملّ النظر إلى هذا المشهد".

وعرفت ماسولة منذ عهد بعيد كمركز للتجارة، إذ يأتي إليها الناس من شتى أطراف المنطقة منذ قرون لبيع بضاعتهم.

وفي مطلع القرن العشرين كانت القرية معقلا لحركة الغابة "جانغال" المعارضة لاحتلال القوات العثمانية والبريطانية والروسية للأراضي الإيرانية.

وتذكر صفايي بحسرة وأسى نزوح المزارعين تدريجيا من الأرياف إلى مدن إيران.

وقال صفايي: "عندما كنت صغيرا، كانت القرية تضم مدرسة ابتدائية. ورغم قلة السكان في القرية، فقد كانت تربطنا جميعا علاقة وثيقة. لكن الشباب الآن هجروا القرية واتجهوا إلى المدن الأخرى بحثا عن فرص عمل، ولم يعد لدينا الأن مدرسة ابتدائية".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يبيع التجار في السوق الفواكه المجففة والمربى المصنوعة في المنازل، والأعشاب الجبلية

أما السكان الذين لم يبرحوا القرية، فقد استفادوا من السياحة، ويقول صفايي: "بفضل السياحة، يعيش سكان القرية في سعة ورخاء، واستطعنا أيضا أن نرمم منازلنا القديمة ونعيدها إلى حالتها الأولى".

ومع ذيوع شهرة قرية ماسولة كوجهة سياحية في إيران، أصبحت طرقها الضيقة أقرب إلى المدن الكبرى منها إلى القرى الوادعة.

وأقيمت الفنادق الكبرى بالطوابق السفلية من القرية بالقرب من مدخلها. وبالرغم من أن الكثير من السياح يسعدون بالإقامة على مقربة من السوق التجاري المحاط بالمقاهي والمطاعم المشيدة على أسطح المنازل، فإن الطوابق العليا من القرية أكثر سكونا.

وبعد أن فرغت من تناول الشاي، عزمت على أن استكشف القرية وأجوب شوارعها. وفي أثناء صعودي نحو قمة القرية، لمحت حافلة سياحية في الوادي أسفل الجبل، كانت تصعد في مشقة الطريق المائل لتصل إلى بداية القرية، حيث يضطر الركاب للنزول والسير في ممرات القرية الضيقة غير المعدة لمرور المركبات.

وبعيدا عن الزحام، تجولت في منطقة بارف أنداز، التي تعني "مكان إلقاء الثلج".

وتذكرت ما قاله لي صفايي في الصباح: "اعتدنا في ماسولة أن نجرف الثلوج المتراكمة أمام المنازل ونضعها على سطح الجار في المنزل السفلي". وضحك صفايي من فرط الدهشة التي بدت على وجهي.

فهذه المساحة التي تتراوح بين متر ومترين في مؤخرة كل سطح هي الجزء الأقوى من البناء، لأنها قريبة من منحدر الجبل. ويختزن في هذه المساحة الجليد الذي يجرفه الجار في البيت الأعلى في الشتاء للحد من فرص انهيار السقف.

ثم نزلت من أعلى القرية متجها نحو الطوابق السفلية منها التي تحوي السوق "البازار"، وهو ممر ضيق يغص بالمتاجر التي تبيع السكاكين المصنوعة يدويا، وقرون الماعز الجبلي، والأساور، بأشكالها وأنواعها.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption المنازل في قرية ماسولة الإيرانية مشيدة فوق منحدر جبلي

وبينما يتوقف السواح ليتأملوا البضائع بإمعان، يتوجه سكان القرية من متجر لآخر، كما اعتادوا كل مساء، لشراء احتياجات المنزل اليومية من المخبوزات، والفاكهة المجففة، والمربى المنزلية، والأعشاب الجبلية، مثل البابونج والنعناع.

ومررت بعجوز كانت تلف الخيوط لتنسج منها دمية حتى تضيفها إلى مجموعة الدمى ذات الألوان الزاهية المرصوصة بجانبها.

وقالت لي السيدة العجوز بينما كانت تحيك بأصابعها بسرعة وبدقة الخيوط لتصنع منها رأس الدمية: "هل تريد دمية؟".

وذكرت لي أنها تصنع للزوار الدمى التي كانت تصنعها لبناتها، منذ أن انتقلن للعيش في مدينة رشت التي تبعد 70 كيلومترا عن القرية. وودعتني السيدة بعد أن رفضت عرضها بلطف.

وصعدت الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي فوق السوق مباشرة، وجلست في فناء أحد المطاعم وطلبت طبق "ميزرا قاسمي"، وهي أكلة إيرانية مفعمة بالنكهات، تُعد من اليقطين والباذنجان والثوم والبيض، وتُخلط كل هذه المكونات في طبق واحد.

وبينما كنت أستمتع بتناول العشاء في أول المساء، أخذ الضباب يلف الشوارع شيئا فشيئا، ثم غشّى القرية بأكملها ستار رقيق من الضباب.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة