الممثل هيو جاكمان يتألق في فيلم "أعظم رجل استعراض"

الفنان هيو جاكمان مصدر الصورة Getty Images
Image caption كان الفنان الأسترالي هيو جاكمان نجماً موسيقياً حاصلاً على جوائز قبل خوضه مجال التمثيل

يقوم الممثل هيو جاكمان ببطولة فيلم موسيقي جديد يتسم بالبراعة ورهافة الحس. ويستند العمل إلى قصة حياة منظم عروض السيرك "بي تي بارنوم"، ويعتبره الناقد السينمائي نيكولاس باربر فيلماً مرحاً ممتعاً ملائماً لكل أفراد الأسرة، ويخلو من أي مشاهد حسية أو ألفاظٍ نابية، ويرى أن صناعه آثروا عدم الإقدام على أي مجازفات غير ضرورية.

قبل خوضه مجال التمثيل وتألقه في سلسلة أفلام "إكس - مِن" (رجال إكس)، كان الفنان الأسترالي هيو جاكمان نجماً موسيقياً حاصلاً على جوائز، ويقدم عروضاً حية أمام الجماهير، بل إن الهالة والسحر اللذين أحاطا به باعتباره رمزاً للحفلات النهارية المفعمة بالحماسة، لم تتلاشيا قط.

فحتى عندما كان يوسع الأشرار الخارقين ضرباً، خلال تجسيده دور "وولفرين" في "رجال إكس"، بدا وهو يؤدي مشاهد الحركة هذه وكأنه يضع إحدى قدميه على جذع شجرة، بينما يصدح صوته بغناءٍ صاخبٍ، مماثل لذاك الذي يمكن أن يصدر عن جوقة من مدينة أوكلاهوما الأمريكية.

وخلال مسيرته السينمائية، سنحت لـ"جاكمان" الفرصة مرتين لإظهار مواهبه الموسيقية التي يفخر بها. كانت المرة الأولى عندما شارك بالأداء الصوتي لشخصية بطريق في فيلم الرسوم المتحركة "هابي فييت" (الأقدام المرحة)، أما الثانية فكانت خلال تجسيده لشخصية جان فالجان - غير البعيدة بشدة عن شخصيات أفلام الرسوم - في فيلم "لي ميزرابل" (البؤساء).

لكن فيلمه الجديد "ذا غرايتيست شومان" (أعظم رجل استعراض)، الذي سعى صناعه إلى أن يبث السعادة والارتياح في نفوس مشاهديه، هو العمل الذي يشكل الفرصة الحقيقية لـ"جاكمان"، من أجل إطلاق العنان لما هو مخبوءٌ بداخله من قدراتٍ كموسيقي وعضو في فرقة غنائية، فهو لا يكف تقريباً عن الغناء والرقص والنقر على قبعته منذ بداية الفيلم وحتى نهايته.

ويجسد جاكمان في العمل دور "فينياس تايلور بارنوم"، ذاك الرجل الذي كان مندوب دعاية، ومُنظماً شهيراً لعروض السيرك في القرن التاسع عشر. لكن فيلمنا هذا ليس على شاكلة تلك المسرحية التي حملت اسم "بارنوم"، وحققت نجاحاً كبيراً في برودواي في ثمانينيات القرن الماضي.

فالعمل السينمائي هذه المرة ذو طابعٍ موسيقي، يتضمن أغنياتٍ مُبهجة ومتفائلة، أبدعها ثنائي أغاني فيلم "لا لا لاند"؛ بينج باسيك وجاستين بول. أما سيناريو الفيلم فشارك في كتابته "بيل كَندُن" الذي أخرج فيلم "فتيات الحلم".

وعلى الرغم من ذلك فإن فيلم "أعظم رجل استعراض" هو فيلمٌ ذو طابع تقليدي بشكل أكبر مقارنة بالنسخة السينمائية السابقة التي أُنْتِجتْ عن حياة بارنوم، وعُرِضت قبل نحو أربعة عقود.

وربما يستكشف الفيلم الجديد جوانب من الحياة الاستثنائية التي عاشها بارنوم، من بين تلك التي لم يتطرق له الفيلم الموسيقي الذي تناول سيرة هذا الرجل سابقاً، مثل حملته ضد العبودية. ولكن هذا العمل هو في الوقت نفسه؛ فيلمٌ "معقم" وخالٍ من أي شوائب أو إيماءات حسية أو ألفاظٍ نابية. فهو عبارة عن قصةٍ تتناول انتقالٍ شخصٍ ما، من الفقر إلى الثراء في إطارٍ يشبه القصص الخيالية.

مصدر الصورة 20th Century Fox
Image caption يضم العمل مجموعة متنوعة أخرى من الشخصيات التي تبدو غريبة الأطوار، مثل المرأة ذات اللحية، التي تجسد دورها الممثلة كيلا سيتيل

وتبدأ أحداث العمل بتقديم لمحة من طفولة بارنوم، كابنٍ لخياطٍ فقير من ولاية كونيتيكت. وفي غضون دقائق يستغرقها عرض أغنيةٍ واحدة فحسب، تتوالى المشاهد التي تُصوّر لنا كيف شب بارنوم عن الطوق وتزوج من حبيبته التي تجسد شخصيتها الممثلة ميشيل ويليامز، قبل أن يستقر في عملٍ مكتبي، كذاك الذي نراه في روايات تشارلز ديكنز.

وبحسب الأحداث، تبدو زوجته وابنتاه راضياتٍ بنصيبهن، بفعل أنهن شديدات العفة والطهر، بقدرٍ لا نظير له، ما يجعلهن لا يكترثن بالمال. ومن جهته، يحلم بارنوم بأن يجعل العالم مكاناً أكثر سحراً، ولذا يفتتح مُتحفاً عُرِفَ بـ"المتحف الأمريكي" في نيويورك.

وفي بادئ الأمر، يملأ الرجل المكان بأعمالٍ مصنوعة من الشمع، ونماذج لحيواناتٍ محنطة تلتهمها العثة. بعد ذلك، وبناءً على نصيحة ابنته اللطيفة والمفرطة في حبه إلى حدٍ يثير الغثيان، يلملم بارنوم شتات ما يُطلق عليه اسم قائمة "الغرائب"، تلك التي تشمل سيدةً ذات لحية (تؤدي دورها كيلا سيتيل)، وصبياً بوجه يشبه الكلب، ورجلاً يغص جسده بالوشوم، ومجموعة متنوعة أخرى من الشخصيات غريبة الأطوار على نحو حقيقي لا مفتعل، والتي مُنِحتْ الفرصة لتشعر بالفخر بصفاتها الغريبة الشاذة، وليس - بالقطع - بكونها تُستغل أو يُحملق فيها من قبل الآخرين على نحو وقحٍ أو سخيف.

ويحقق بارنوم كل ذلك بيسرٍ مذهل. ولكن بالرغم من أن مبيعات التذاكر لن تلبث أن تزداد بشكلٍ كبير، فإنه يضطر إلى أن يتسامح مع المتفاخرين بأنفسهم الذين يسخرون منه، والبلطجية الثملين الذين يعبرون عن استيائهم منه بالصياح في وجهه.

فما كان يريده هذا الرجل حقاً لم يكن يتمثل في أن يُوصف بـ"أمير الخدع" كما كان يُلقب؛ بل أن يلقى القبول من جانب الطبقة الراقية في المجتمع، وهي النقطة التي تصبح فيها الأمور شائكةً ودقيقةً وربما مراوغة على نحوٍ أكبر أيضاً. فـ"بارنوم" يوظف - بحسب الأحداث - كاتباً مسرحياً موسراً يُدعى فيليب كارلايل (يجسد شخصيته زاك إفرون)، لتحسين مستوى عروضه.

لكن كارلايل يثير الجدل حول حياته الخاصة عندما يظهر في العلن وقد تشابكت يداه مع يديْ فنانة تأرجح "ترابيز" سوداء البشرة تجسد شخصيتها الممثلة والمغنية زيندايا. وعندما ينظم بارنوم جولة فنية في أكبر القاعات التي تستضيف الحفلات الغنائية في أمريكا، لمغنية سوبرانو كلاسيكية تُعرف باسم "العندليب السويدي" وتقوم بدورها ريبيكا فيرغسون، تُثار شائعاتٌ حول أن بينهما علاقة شخصية لا مهنية فحسب.

على أي حال؛ لا يقر الفيلم بوجود أي جانب من الصحة لهذه الشائعات، وذلك إن كانت تنطوي على أي صحة من الأساس. فـ"أعظم رجل استعراض" هو عملٌ عقد صناعه العزم على أن يجعلوه خالياً من أي إيحاءاتٍ أو مشاهد حسية، وعلى أن يتسم بطابعٍ مفيد، وأن يكون كذلك فيلماً ترفيهياً ملائماً للمشاهدة الأسرية، بلا مشاهد جنس أو ألفاظ سباب أو لعن.

كما أن صناع الفيلم كانوا حريصين على ألا يجعلوا مشاهديه يجفلون مما يرونه أمامهم على الشاشة، فرسالته كانت تتمثل في الحديث عن نقاطٍ كلها إيجابية، دون الخوض في أي أمورٍ مثيرة للجدل. فهو حريصٌ على أن يحض مشاهديه على عدم الحكم على الناس بناءً على خلفياتهم، وأن يعمل كل منّا على تحقيق أحلامه، ولكن شريطة ألا يقوده ذلك إلى الابتعاد - مثلاً - عن زوجته الوفية المخلصة.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption المخرج مايكل غرايسي يخوض تجربة الإخراج للمرة الأولى على الإطلاق، من خلال هذا الفيلم الجديد

ورغم أن تصميم الرقصات التي نراها في الفيلم يتسم بالنضارة والحيوية، فإن مخرجه مايكل غرايسي - الذي يتولى الإخراج للمرة الأولى على الإطلاق - يتجنب المشاهد المتبجحة الفظة أو نظيرتها الحافلة بالمشاعر الحسية، كتلك التي تضمنها فيلم "مولان روج" (الطاحونة الحمراء) الذي قدمه باز لورمان.

وبينما كان يمكن أن تؤدي أغنيات الـ"فانك بوب" التي يتضمنها الفيلم؛ إلى تفجير عقول المستمعين في منتصف القرن الثامن عشر، فإنها تبدو الآن ذات غرضٍ تجاري على نحوٍ محسوبٍ بعناية.

وبإلهامٍ ربما من أغنية "ليت إت غو" التي تضمنها فيلم "فروزِن"، وحققت نجاحاً استثنائياً، قرر مؤلفو أغنيات فيلم "أعظم رجل استعراض"، أنه يتعين أن تكون كل هذه الأغاني - بقدر الإمكان - عبارة عن أناشيد مُغناة على لسان أشخاصٍ - من خارج دائرة شخصيات العمل - يؤكدون عبرها ذواتهم وشخصياتهم وقيمهم.

بل إن إحدى هذه الأغنيات تحمل اسم "ذيس إز مي" (هذا أنا)، وهو عنوانٌ يجعل نظيره الذي تحمله أغنية :"آيام وات آيام" (أنا ما أنا عليه)، والتي تضمنتها أحداث العمل الموسيقي "لا كاجو فول" (سجن المجانين)، يبدو مبهماً وضرباً من ضروب الحديث المعسول الذي يفضل أصحابه التلميح لا التصريح.

بالطبع هناك الكثير مما يمكن قوله عن الأفلام الموسيقية المؤثرة ذات السمت التقليدي والملائمة للذوق السائد بين الجماهير، ولكنني غير واثق مما إذا كان يجدر تخصيص أحد هذه الأعمال لشخصٍ انخرط في حملات الدعاية التجارية والسياسية، واتسم بطبيعة صادمة، إلى حدٍ كان كافياً لاندلاع احتجاجات رفع المشاركون فيها لافتاتٍ تندد به خلالها.

فهل ينبغي أن يكون أي احتفاءٍ بالفظاعات ذا طابعٍ مسالمٍ بشكل متعمد للغاية؟ وهل يتعين أن تكون الأنشودة التي تتحدث عن ركوب المخاطر آمنةً بشدة؟ وهل يجب أن تتمحور ترنيمةٌ تتناول الإنسانية بمختلف أشكالها وصورها ومقاييسها، حول رجلين ذوي شخصياتٍ قيادية، ويتميزان بشدة البأس والقوة، والشعر الكثيف كذلك؟

أما السؤال الأخير في هذا السياق، فيثير القلق بشكلٍ خاص. فرغم أن " كارلايل" حطم بالفعل أحد المحظورات "التابوهات"، بعدما لم يتجنب أن يُرى علناً بصحبة سيدة سوداء البشرة، فإن أياً من البشر المُدرجين في قائمة "الغرائب"، ممن يتسمون بصفاتٍ أكثر غرابة، لم ينخرط في علاقةٍ عاطفية خاصة به، أو بالأحرى، لم يكن له أي خيط من خيوط الحبكة القصصية في العمل بأي شكلٍ من الأشكال.

فبنهاية الفيلم، لن تتطور شخصية السيدة ذات اللحية إلى ما هو أكثر من كونها شخصية سيدة ذات لحية، وهو ما ينطبق كذلك على الصبي ذي الوجه الشبيه بالكلب. أما الرجل ذو الجسد المليء بالوشوم، فرغم أنه شخصيةٌ ذات أبعاد معقدة وتاريخٍ ثري بالأحداث، من حيث كونه شخصاً يؤثر الإقدام والمبادرة ولديه التواءٌ ما في تكوينه الشخصي، فإنه يظل بدوره في نهاية العمل - وللمفارقة المريرة - مجرد رجلٍ يحمل وشوماً على جسده لا أكثر ولا أقل.

وهكذا فعندما يستمع المرء إلى هؤلاء البشر ذوي الصفات الغريبة وهم ينشدون أغنية "هذا أنا"، يشعر بما يدفعه إلى السؤال: "نعم، ولكن من أنتم حقاً؟"ً. ولا يقدم "أعظم رجل استعراض" أي إجابة على سؤالٍ مثل هذا.

فبقدر النزعة التقدمية التي يحاول هذا العمل أن يصطبغ بها، كانت الوظيفة الوحيدة التي أُنيطت بفريق الممثلين المساعدين الذين جسدوا الشخصيات غريبة السمات التي ظهرت فيه، هي الوقوف دون طائل شاعرين بالامتنان حيال بطل الفيلم أبيض البشرة طويل القامة، ووسيم الملامح.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة