كيف أصبحت القطارات الحديثة وسيلة نقل أكثر فخامة؟

مقصورات نوم مريحة وفسيحة على متن قطار "بيلموند غراند هيبرنيان" مصدر الصورة JPA Design
Image caption مقصورات نوم مريحة وفسيحة على متن قطار "بيلموند غراند هيبرنيان"، الذي ينتقل في أرجاء أيرلندا

هل باتت القطارات وسيلة النقل المفضلة؟ يستعرض دومينيك ليوتينز التصميمات الجديدة والجريئة للقطارات ومحطات السكك الحديدية التي تبدو وكأنها قادمة من المستقبل.

يقول بول بريستمان، أحد مؤسسي شركة "بريستمان غود" للتصميم في لندن، المتخصصة في وسائل النقل: "كثيرا ما ينظر الناس للقطار على أنه الوسيلة المتواضعة للنقل بالمقارنة مع الطائرات، ولهذا حظي تصميم القطارات بنصيب أقل من الاستثمارات".

وعلى الرغم من أن القطارات اخترعت قبل الطائرات النفاثة، التي أصبحت أكثر منها تطورا وسرعة، فإن القطارات الآن على وشك أن تتخطى الطائرات لتغدو وسيلة النقل الأكثر جذبا للمسافرين.

ولعل ذلك يرجع لأسباب عديدة، منها أن السفر بالقطار لا يتطلب عادة المرور بإجراءات تسجيل الوصول ولا تدابير أمنية، وهذا يقلل من زمن الرحلة وخاصة في المسافات القصيرة، ويوفر عليك الانتقال عبر طرق مزدحمة إلى مطارات خارج المدينة.

واستقطبت القطارات في الآونة الأخيرة أنظار وجهود المصممين، الذين حرصوا على مزج النواحي الجمالية بعوامل الراحة والرفاهية التي تجعل تجربة السفر بالقطار أكثر يسرا ومتعة، فقد اهتموا على سبيل المثال بزيادة الخصوصية ومظاهر الفخامة، واللافتات الجذابة ووسائل الإنارة المريحة للنظر، ومراعاة الهدوء والسلاسة طوال الرحلة، وفوق ذلك توفير مساحة كافية لكل راكب.

يقول بريستمان: "في قطاراتنا المكتظة بالركاب، يجدر بنا التركيز على توفير مساحة أكبر لكل راكب على متنها".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption محطة لييج غيلمنز البلجيكية من تصميم المهندس المعماري سانتياغو كالاترافا تعد واحدة من محطات القطارات الجديدة ذات التصميمات اللافتة

وأشعلت القطارات فائقة السرعة حماسة المصممين لابتكار تصميمات متطورة لم يسبق لها مثيل. ومن بين هؤلاء، شركة "بريستمان غود" التي صممت كبسولات "هايبرلوب" فائقة السرعة، لصالح شركة "هايبرلوب ترانسبورتيشن تكنولوجيز"، تنفيذا للفكرة التي ابتكرها إيلون ماسك، مؤسس شركة "تيسلا موتورز، و"سبيس إكس" للاستكشافات الفضائية.

وقد ازيح الستار عن قطار "هايبرلوب" في مهرجان لندن للتصميم الذي أقيم في 2017. ويتضمن القطار كبسولات "عربات" متصلة ببعضها، يشبهها بريستمان "بكبسولة المركبة الفضائية الفاخرة".

وينزلق القطار فوق مساره، دون ملامسته، داخل أنبوب بسرعة تتجاوز 1000 كيلومتر في الساعة، بالاستعانة بتقنية الرفع المغناطيسي السلبي، التي يشار إليها اختصارا باسم "ماغليف". إذ تتسبب وحدات المغناطيس المثبتة أسفل الكبسولات في رفع القطار، بينما يدفعه المحرك الخطي للأمام.

يقول بريستمان: "تنطلق هذه الكبسولات في بيئة خاضعة للرقابة، بمعزل عن تغيرات الطقس. إذ تتأثر حركة القطارات عادة بالأحوال الجوية السيئة وقد تتوقف في حالة سقوط الأشجار على قضبانها".

وطورت أيضا أنظمة الرفع المغناطيسي في الصين، وخير مثال على ذلك قطار شنغهاي الذي يعمل بنظام الرفع المغناطيسي، وهو أسرع قطار كهربائي تجاري في العالم.

مصدر الصورة JPA Design
Image caption يعكس التصميم الداخلي لقطار "بيلموند غراند هيبرنيان" فخامة قطارات شركة "أورينت إكسبريس" التي أصبحت تسمى الأن "بيلموند" المالكة للقطار، ولكن بطراز عصري

يقول بريسمان: "يندفع القطار بسلاسة، فلا تشعر بارتجاج ولا اهتزاز كما في القطارات المعتادة. وتنفق الصين مبالغ طائلة على تصميم القطارات، ربما بسبب المسافات الطويلة التي تقطعها القطارات، ولأنها ترحب بالأفكار الجديدة".

من محطة إلى أخرى

وابتكرت شركة بريستمان غود أيضا فكرة الأرصفة المتنقلة، التي يشرحها بريستمان بأنها "ربط القطار الخفيف "الترام" المحلي بالقطار عالي السرعة الذي يربط المدن ببعضها.

إذ يخفف القطار من سرعته عندما يقترب الترام منه، حتى يصل إلى سرعة الترام، ثم يرتبط به عبر نظام التحام، بحيث يصبح بإمكان راكبي الترام الصعود إلى القطار بسهولة. ويسمح هذا التصميم للركاب بالانتقال عبر قارة بأكملها، من سان فرانيسيسكو، على سبيل المثال، إلى نيويورك، في رحلة متصلة دون النزول إلى المحطة.

يمكنك أن تقرأ أيضا: زها حديد تحصل على الميدالية الذهبية الملكية للعمارة في بريطانيا

وهذا مثال أخر يؤكد أن السفر بالقطار من مركز مدينة إلى مركز مدينة أخرى قد يكون أكثر ملائمة ويسرا من السفر بالطائرة.

وفوق ذلك، فإن هذا التطور الذي شهدته شبكات السكك الحديدية عالية السرعة أفضى إلى ظهور محطات قطار جديدة ذات طرز معمارية غير معهودة.

مصدر الصورة JPA Design
Image caption مزج مصممو قطار "بيلموند غراند هيبرنيان" بين الفخامة واللمسات العصرية

ويقول جيمس بارك، مؤسس شركة "جيه بي أيه ديزاين" لتصميم وسائل النقل وصالات الضيافة، إن محطة لييج غيلمنز التي صممها سانتياغو كالاترافا في عام 2009، كانت مصدر إلهام للكثير من المصممين المعماريين.

وتخدم هذه المحطة ذات القبة الشاسعة المصنوعة من الزجاج والفولاذ شبكة السكك الحديدية عالية السرعة في بلجيكا. وقد تأثر الكثير من المهندسين المعماريين بتصميم كلاترافا.

وبالقرب من مدينة نابلولي، دشنت شركة المهندسة المعمارية "زها حديد"، مؤخرا محطة نابولي أفراغولا ذات التصميم المتعرج بشكل مدهش، وتغمر المحطة أشعة الشمس من كل جانب بفضل سقفها المصنوع من الزجاج ومادة الكوريان.

في العام الماضي، ابتكرت شركة "جي بي أيه ديزاين" التصميم الداخلي لقطار بيلموند غراند هيبرنيان، الذي يطوف ربوع أيرلندا، ويتضمن 20 مقصورة للنوم تضم كل منها مرحاضا وطاولتين كبيرتين للطعام.

وينطق التصميم الداخلي للقطار بالفخامة التي اشتهرت بها قطارات شركة "أورينت اكسبريس" التي أصبحت تسمى "بيلموند" المالكة للقطار، ولكن بطراز عصري.

مصدر الصورة Alamy
Image caption محطة قطارات نابولي أفراغولا التي صممتها زها حديد تخدم أربعة خطوط قطارات سريعة تربط المدن ببعضها، ويتخذ تصميم المحطة شكلا متعرجا ويغمرها ضوء الشمس صباحا

يقول بارك: "نعمل في الوقت الحالي على تقليل سماكة مساند الظهر لتوفير أربع أو خمس بوصات بين المقعد الأمامي والمقعد الخلفي، وإضافة أنظمة صوتية ترسل حزمة موجات صوتية مركزة، لا تسمعها إلا إذا كانت أذناك في نطاقها، حتى تغنيك عن استخدام سماعات الأذن، وأنظمة مقاعد ذكية مزودة بوسائد تأخذ شكل الجسم".

واقترحت شركة بريستمان غود أيضا تصميما داخليا للقطارات الصباحية والمسائية التابعة لشبكة السكك الحديدية النمساوية. وبحسب هذا التصميم، من المتوقع أن تتضمن القطارات المسائية التي تعمل طوال الليل غرفا تسع أربعة أشخاص، ومقصورات مزودة بسريرين ومرحاض.

وراعت الشركة أدق التفاصيل لتوفير جميع سبل الراحة للركاب، إذ أضافت إلى الدرجات، على سبيل المثال، جزءا منحدرا لتسهل على الراكب جرّ أمتعته أثناء صعود القطار.

ويتصدر التصميم الداخلي اهتمامات القائمين على شبكة النقل العام في بريطانيا أيضا، ويسعى مصممو خط السكك الحديدية "كروس ريل" في لندن بشتى الطرق لابتكار تصميمات تضفي اتساعا ورحابة على المكان.

مصدر الصورة Crossrail
Image caption الحديقة العامة الفخمة فوق سطح محطة قطار كروس ريل في كناري وورف بلندن

وتبلغ كلفة هذا المشروع 14.8 مليار جنيه استرليني، ومن المتوقع أن يدشن هذا الخط قريبا، والذي سيطلق عليه رسميا اسم خط إليزابيث.

ويقول جون هانتر، كبير مصممي شبكة النقل في لندن: "نولي في عملية التصميم اهتماما خاصا بعامل المساحة الشخصية، ولهذا أضفنا إلى كل مقعد مسندين كبيرين للذراعين، حتى لا يتنافس الركاب على مسند واحد للذراع ".

ولزيادة الإحساس بالرحابة في خط إليزابيث، أزيلت الفواصل بين عربات القطار لتصبح متصلة ببعضها بلا أبواب، ووضع باب مزدوج في كل عربة لتيسير الصعود والهبوط من القطار. وسيكون للممرات والمساحات الأخرى في المحطات حواف منحنية من الأسمنت لتضفي انسيابية على المكان.

وتعكس التصميمات الجديدة لمحطات خط كروس ريل معالم المناطق المحيطة بكل محطة، إذ يغلب على صالة التذاكر الغربية بمحطة توتنهام كورت رود الألوان القاتمة، وجهزت بأثاث داخلي أسود لتتماشى مع منطقة سوهو التي اشتهرت بنواديها الليلية، في حين تميزت صالة التذاكر الشرقية بنفس المحطة باللون الأبيض الناصع، لتعكس صورة مبنى "سنتر بوينت" الشاهق المجاور للمحطة الذي شيد في ستينيات القرن الماضي.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture .

المزيد حول هذه القصة