باسم يوسف: رحلة إعلامي ساخر تعكس مآل "الربيع العربي"

باسم يوسف مصدر الصورة Getty Images

بالتزامن مع انطلاق شرارة الربيع العربي في مصر، قدم باسم يوسف برنامجا يوميا على غرار برنامج "ذا دايلي شو" الأمريكي الذي كان يقدمه جون ستيوارت، لكن يوسف اضطر إلى الرحيل عن مصر في النهاية. والآن يسعى يوسف لشق طريقه نحو النجومية في فضاء الإعلام الأمريكي الساخر.

لم يكن أمام باسم يوسف، الإعلامي الساخر المعروف باسم "جون ستيوارت المصري" إلا القليل من الوقت للملمة بعض الملابس في حقيبتين. وفي طريقه إلى مطار القاهرة، أخذ يتابع كل ما يستجد من أخبار على موقع تويتر. وما دام اسمه لم يرد بعد على قائمة الممنوعين من السفر، كان يشعر أنه لا تزال أمامه فرصة للخروج من البلاد.

وفي عام 2014، أُجبر باسم يوسف على الهرب من مصر بسبب نكات تندر بها على الحكومة في برنامجه التلفزيوني الأسبوعي الساخر.

ويعيش يوسف الآن في لوس أنجليس، حيث ساعده صدور فيلم وثائقي جديد عنه، وظهوره في عدة عروض ارتجالية على المسرح، من نوع "ستاند أب كوميدي"، ومشاركته في حلقة ترويجية لمسلسل تليفزيوني من نوع كوميديا الموقف، في كتابة فصل جديد في مشواره الفني في مجال الإعلام الساخر.

إن قصة باسم يوسف هي مرآة عاكسة لانتفاضات الربيع العربي في مصر. إذ بدأت شهرة يوسف من الإنترنت، وسرعان ما أصبح ملء السمع والبصر، وتعلقت به أنظار الناس في بلاده، وأعطاهم يوسف أملا في الحصول على الديمقراطية، وعندما تولت المؤسسة العسكرية مقاليد الحكم، عمدت إلى إسكاته وتهميشه.

وبينما يعيد يوسف تقديم نفسه في شكل جديد يناسب ذائقة الجمهور الغربي، يتساءل بعض المصريين عما وصل إليه هذا الإعلامي الساخر المتمرد.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption مع انطلاق شرارة انتفاضات الربيع العربي في مصر، بدأ برنامج باسم يوسف على موقع "يوتيوب" تحت اسم "بي بلس"، نسبة إلى فصيلة دمه

وفي عام 2011، عندما اجتاحت موجة انتفاضات الربيع العربي مصر، خرج ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين مطالبين بإسقاط الرئيس حسني مبارك، الذي ظل يحكم البلاد طيلة 30 عاما تقريبا.

وقد نزل باسم يوسف، جراح القلب، الذي كان يحظى بشعبية محدودة آنذاك، إلى ميدان التحرير للمساعدة في معالجة المصابين من الثوار.

وبالرغم من الحملات الإعلامية التي شنتها الدولة للنيل من الثورة، والتي أنحت فيها باللائمة على عملاء أجانب، كانت الغلبة للثوار، ووقفت أغلبية الشعب في صف التغيير، ولم يكد يمضي 18 يوما على بداية الثورة السلمية، حتى تنحى مبارك عن الحكم.

وفي خضم الاحتجاجات، أثارت الحملة الإعلامية المنظمة لتشويه المتظاهرين غضب يوسف، ما دعاه إلى تسجيل مقاطع فيديو ساخرة قصيرة من غرفة في منزله للرد على هذه الحملة بالتهكم والسخرية.

وكان يعرض مقتطفات من البرامج الإخبارية والحوارية التي عرضت على قنوات التلفزيون الرسمية ويعقب عليها بتعليقات ساخرة، وخاصة عندما قال مسؤول في الحكومة آنذاك إن "الثوار يحصلون على الأموال ووجبات كنتاكي للخروج للتظاهر".

الثورة أذيعت على شاشات التلفزيون

كان يوسف يأمل أن يشاهد حلقاته التي ينشرها على الإنترنت بضعة آلاف من المستخدمين، لكن في غضون أشهر معدودة، حصدت تلك الحلقات ما يزيد على خمسة ملايين مشاهدة.

وخصصت له قناة مصرية خاصة برنامجا خاصا يحمل اسم "البرنامج"، الذي واصل فيه التهكم على مراسلي البرامج الإخبارية والمشاهير والساسة المصريين.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption بعد أن حصدت حلقات برنامج "بي بلس" أكثر من خمسة ملايين مشاهدة في ثلاثة أشهر، أصبح باسم يوسف مذيعا لبرنامج "البرنامج"

وبعد موسم واحد، لفت برنامج يوسف أنظار شبكة تلفزيونية أكبر حجما وأكثر ثراء، وبلغت شعبية "البرنامج" عنان السماء. وفي أوج شهرته، كان يتابع برنامجه 30 مليون مشاهد في الأسبوع، أي نحو ثلث الشعب المصري.

فقد قدم يوسف نوعا جديدا من الكوميديا لم يألفه المصريون من قبل. وعلى الرغم من ثراء التاريخ المصري في مجال النقد الاجتماعي الساخر، كان الفنانون يسخرون في الواقع من أنفسهم أيضا. أما يوسف فقد استطاع لأول مرة من خلال برنامجه أن يوجه انتقاده اللاذع للمؤسسة الحكومية على الملأ.

يقول جويل جوردون، أستاذ التاريخ بجامعة أركنساس، الذي يسافر إلى مصر ويكتب عنها منذ ثمانينيات القرن الماضي: "في عهد مبارك، كان هجاء أو انتقاد الرئيس، سواء في الإعلام المكتوب أو المسموع أو المرئي، خطا أحمر لا يمكن تجاوزه. وبعد 2011، تلاشى هذا الخط. وتهيأت الفرصة فجأة للتندر على القيادات العليا في البلاد، وهذا هو التغيير الحقيقي".

وأصبح يوسف، الذي حقق برنامجه معدلات مشاهدة قياسية، مصدر إزعاج للرئيسين اللذين خلفا مبارك، وهما الرئيس محمد مرسي ذو الخلفية الإسلامية، ثم الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي ذو الخلفية العسكرية.

وفي ظل حكم الإخوان المسلمين، صدر قرار بضبط وإحضار باسم يوسف بتهمة إهانة الرئيس مرسي، ولكنه قرر أنه سيبقى في مصر ويواجه التهم، لكن هذا أصبح مستحيلا بعد أن أطاح الجيش بمرسي في أعقاب مظاهرات حاشدة احتجاجا على حكمه في 2013.

واتهمت الحكومة المصرية، بعد تولي الفريق عبد الفتاح السيسي بتشديد قبضتها الأمنية، وتعرض برنامج يوسف للتشويش مرتين.

وقال باسم يوسف في حوار أجريته معه في الولايات المتحدة مؤخرا: "الجيش لديه خبرة 60 عاما في الحكم. ولكن الفارق بين الإخوان المسلمين والجيش أن أحدهما حاول إيقاف برنامجي وإبعادي ولم يفلح، والآخر حاول ونجح بسبب خبرته".

وبعد أن نصحه محاموه بمغادرة البلاد على الفور، هرع يوسف إلى المطار، وسافر إلى دبي، ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ويعيش يوسف الآن مع زوجته وطفليه في لوس أنجليس، ليفتح صفحة جديدة في حياته المهنية كإعلامي أمريكي ساخر.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption هرب يوسف من مصر، لكنه ترك فيها بصمة كبيرة، إلى درجة أن مجلة "التايمز" أدرجته في قائمة أكثر 100 شخص تأثيرا في العالم

ويقول يوسف: "إذا أردت أن تظل في هذا المجال (الساخر)، فعليك أن تذهب إلى المكان الذي يزدهر فيه، وهو إما لوس أنجليس أو نيويورك، وأرى أن تربية الأطفال في لوس أنجليس أفضل منها في نيويورك".

وفي عام 2017، نشر يوسف كتابا جديدا، وبدأ جولة ترويجية لبرنامجه الذي يقدمه بمفرده، ونجح في التعاقد مع شبكة "أيه بي سي" لإنتاج مسلسل يقدم ما يعرف بـ "كوميديا الموقف" حول عائلة أمريكية من أصول شرق أوسطية تمتلك قوى خارقة.

ويقول يوسف: "وقعنا أنا ولاري ويلمور اتفاقا مع شبكة 'أي بي سي' لكتابة حلقة تجريبية لمسلسل كوميدي يُعرض الموسم المقبل".

اختلافات ثقافية

وصدر مؤخرا فيلم وثائقي بعنوان "دغدغة العمالقة"، يتناول صعود يوسف الصاروخي، ثم سقوطه المفاجئ. ولاقى الفيلم ترحيبا من نجوم الإعلام الساخر، مثل جون أوليفر، وإيد هيلمز، الذي أدار حلقات نقاش في عروض خاصة للفيلم في لوس أنجليس.

وتقول سارة تاكسلر، مخرجة الفيلم، إنه ليس من المستغرب أن يدعم الإعلاميون الساخرون في كل مكان موقف باسم يوسف. وتضيف: "هم يدركون مدى أهمية إلقاء النكات بحرية دون أن تتعرض حياتك للخطر. ولهذا يحظى باسم باحترام وتقدير كبيرين لما واجهه في حياته".

ويقول إيد هيلمز في حوار على الهاتف: "كنت أنظر لما كان يفعله يوسف في مصر على أنه أمر معتاد، أمارسه هنا يوميا. لكن يوسف في الحقيقة خرج بنفسه وسط الاحتجاجات العارمة، ولم يعرض حياته للخطر فحسب، بل وُجهت تهديدات لعائلته وأصدقائه أيضا. كانت ممارسة حرية الرأي، التي لم أكن أقدر قيمتها كما ينبغي، عملا بطوليا بالنسبة لباسم يوسف".

واستفاد الإعلام الساخر من وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة بسبب تأييده للحكام المستبدين. وسيهتم الناس بسماع رأي يوسف لأنه يعي جيدا حال الإعلامي الساخر الذي يعيش في ظل نظام قمعي.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption ظهر جون ستيوارت في "البرنامج" مع يوسف، قبل أن يتوقف، وبعدها ظهر يوسف في عدة حلقات من برنامج "ذا دايلي شو"، كان منها حلقة مع تريفور نواه، المقدم الحالي للبرنامج

وفي لقاء ليوسف مع الإعلامية الساخرة سامنثا بي، في برنامجها الشهير "فول فرونتال"، سألته عن وصول ترامب إلى الرئاسة، فرد ساخرا: "إذا خاض ترامب الانتخابات الرئاسية في الشرق الأوسط، سيعتبرونه ليبراليا ومناصرا للبيئة".

ويخوض يوسف أيضا تجربة المشاركة في عروض "ستاند أب كوميدي" وهو لون أمريكي أصيل من الفنون الكوميدية، يرتجل فيه الفنان كلمات على المسرح أمام الجمهور. إلا أن هذه التجربة مليئة بالتحديات، لأن هذا اللون من الكوميديا يقوم بالأساس على فهم الفنان والجمهور للخصوصيات الثقافية لكل بلد.

ورغم أن يوسف أثبت تميزه في هذا المضمار في مصر، ولا سيما عندما كان يوجه انتقاداته اللاذعة للحكومة، فإنه لا يزال يركز في أعماله الحديثة في أمريكا على موضوعات مثل الهجرة، واللاجئين، والإرهاب، وأحوال العرب في أمريكا.

وقال يوسف قبل دخول المسرح لأداء عرض ارتجالي في بوسطن مؤخرا: "لن أتناول الشؤون الداخلية، ولن أتحدث عن السياسة، لأن نصف الجمهور الذي أخاطبة من الأمريكان البيض، وأنا أريد أن أجد عناصر مشتركة بيني وبينهم، فلا يمكن أن أتفاعل مع المصريين فحسب".

كما اتجه يوسف إلى التخفيف من حدة انتقاداته، وأصبح يسخر من أمور أخرى غير السياسة المصرية، مثل سيدة أمريكا الأولى ميلانيا ترامب. إذ قال يوسف للجمهور في بوسطن: "تكبدت نيويورك العام الماضي 180 مليون دولار لحماية مهاجرة من الرئيس، ولكنها انتقلت الآن إلى البيت الأبيض وتعيش في سلام".

لكن الموضوعات الجديدة التي يتناولها يوسف في أمريكا كانت مخيبة لأمال بعض الحضور من المصريين، وبدا لهم أن يوسف أدار ظهره للشعب المصري وتخلى عن روح الثورة ليصبح نجما أمريكا.

ومن بين هؤلاء عمر الفقي، المصور الصحفي في مدينة نيويورك، البالغ من العمر 28 عاما، الذي غادر مصر بعد مشاركته في الثورة وتخلى عن دراسته للطب.

ويقول الفقي: "كان يوسف يقدم فنا حقيقيا ونابعا من القلب، وبنّاء، وكان ناشطا سياسيا أكثر منه فنانا. لكن يوسف الآن لا يتحدث بلسان الثورة، بل يعبر عن مصالحة الشخصية، وعن جمهوره الغربي، وتخلى عن جمهوره الذي أوصله إلى الشهرة من الأساس".

وربما يشعر يوسف بالحنين إلى تاريخه المهني في مصر، لكنه لم يُشر إليه من قريب أو من بعيد. ويقول يوسف: "أنا لا أنظر إلى الوراء، أركز فقط على أن أحقق نجاحا هنا بدلا من اجترار الماضي".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel .

المزيد حول هذه القصة