القلعة اليابانية التي تتحدى التاريخ

القلعة اليابانية التي تتحدى التاريخ مصدر الصورة Getty Images

في حديقة بوسط مدينة كوماموتو بجزيرة كيوشو التي لا يؤمها كثير من الزوار، أقصى جنوب غرب اليابان، يمكنك رؤية مجموعة من السكان المحليين يحاولون جاهدين إكمال ما يمكن تسميته أصعب بناء مُركب من القطع الصغيرة المحيرة في العالم. إنها مشكلة هائلة في ظل وجود قطع تغطي مساحة بحجم ملعب كرة قدم، علاوة على أن التركيب معقد جداً بحيث أنه سيستغرق حوالي 20 عاماً لإكماله.

وجنباً إلى جنب مع ذلك، يعمل هؤلاء السكان بأنامل تعلوها علامات من الطباشير بسبب ترقيمهم لمئات من الحجارة التي جرى ترتيبها في أنماط على شكل لوحة شطرنج، ويصورون كل واحدة منها، في محاولة لتحديد الوضع الصحيح لكل قطعة من هذه القطع. ويعملون في حر قائظ في صمت مهيب، ورؤوسهم منحنية وكأنهم في صلاة من الصلوات. وبالنسبة للعين التي تنقصها الخبرة والتجربة يبدو الأمر وكأنه تمريناً يكتنفه الغموض، لكنه في الحقيقة مهمة ستؤدي في النهاية إلى إعادة تلك الكتل إلى نسيج أكثر مباني المدينة رمزيةً: قلعة كوماموتو، المعروفة في كافة أرجاء اليابان بلونها الأسود المميز.

ويلتزم هؤلاء السكان التزاما شديدا بإعادة الحجارة بدقة صارمة وترميم الجدران المحيطة، لأنه عند اكتمال آخر قطعة ستكون أشهر القلاع اليابانية قد عادت إلى الحياة من العدم.

تقول المرشدة السياحية المحلية شوكو تانغويشي وهي تضع يدها على قمة كتلة من الكتل وتشير إلى موقع إعادة البناء: "رؤية هذا تجعلني أشعر بالحزن الشديد". وتضيف، وأمامها العمال الذين يراتدي بعضهم قبعات صلبة وبعضهم يرتدي كمامات طبية لتجنب تنفس الغبار مع هواء الشهيق وجميعهم في وضع انحناء يتفحصون أكثر من اثني عشر صفاً من كتل الحجارة: "هذه القلعة أكثر من مجرد رمز لكوماموتو. إنها مهمة بالنسبة لليابان ككل. لكنها اليوم مقبرة لشواهد القبور المدنسة".

ومن المستحيل أن تزور اليابان هذه الأيام دون أن تمر بإحدى القلاع، مثل قلعة هيميجي البيضاء (هاكورو جو) أو قلعة طائر البلشون الأبيض التي حصلت على جائزة من اليونسكو بسبب احتوائها على شبكة محصنة تضم ما يزيد على 80 برجا من الأبراج الدفاعية.

وهناك أيضاً قلعة ماتسوموتو السوداء اللامعة المسماة "كاراسو جو" أو "قلعة الغراب"، وهي أقدم حصن في البلاد يعود إلى عام 1504. وتحتوي مدن طوكيو، وأوساكا، وناغويا، والمدن الأصغر مثل أوداوارا وهيكوني وتاكيدا وماتسوياما وكانازاوا وأوكاياما وغيفو، على حصن أو قلعة في كل منها. كما يوجد بها خنادق مضاءة بأضواء خافتة، ويعلو الغبار أرجاءها الداخلية. وأحياناً، يشعر المرء بأن هناك الكثير جداً من القلاع التي تتشابه في تصميمها.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تعرضت قلعة كوماموتو لدمار كبير عندما ضرب زلزال بقوة 7.3 منطقة كوماموتو عام 2016

ويكثر الحديث عن القلاع في اليابان بشكل عام وعن قلعة كوماموتو بشكل خاص. وبعد أن ضرب زلزال بقوة 7.3 درجة بمقياس ريختر المدينة في 16 أبريل/نيسان 2016، أصبحت قلعة المدينة أثراً بعد عين. ولم تؤد الهزات الارتدادية إلى تدمير المدارس والمكاتب فحسب بعدما أدت لمقتل 225 شخصا وإصابة أكثر من 3000 آخرين، بل ألحقت الهزات التي تلت الزلزال أضراراً بـ 190 ألف منزل، محولةً أجزاءً من القلعة السوداء، الحصن الذي لم ينكسر أمام الغزوات لأكثر من 400 عام من تاريخه، إلى خراب.

وانهارت الأبراج الحجرية والجدران المقوسة المعروفة باسم "موشا غاييشي" تماما. أما الجزء الأكثر فخامة والمعروف باسم "تونشوكاكو" أو حافظ القلعة، فقد تعرض لدمار من أثر الزلزال، كما انهار بلاط السقف وتداعت الأساسات وتهاوت زينة القلعة من عليائها لتسقط على الأرض (وهي عبارة عن حيوانات فلكلورية برأس نمر وجسم سلطعون).

تقول تانيغوشي وهي ترنو إلى برج تينشوكاكو ذي الخمسة طوابق والذي يختفي الآن تحت السقالات: "لا يمكنني تصور مدى تعقيد مهمة إعادة بنائها. وربما يعود له سحره في يوم من الأيام".

هذا الشعور بالفخر لدى اليابانيين وطريقتهم الدقيقة في الحفاظ على تراثهم مكنهم من إعادة بناء هذه القلعة المندثرة، وهو ما سيكلف الحكوة اليابانية 63.4 مليار ين. وحسب الخطة العامة الحالية لترميم قلعة كوماموتو فإن الأعمال الرئيسية ستبدأ عام 2018 حيث ستفتح أجزاء القلعة أمام الجمهور تدريجيا بعد التأكد من أن المناطق المكتملة آمنة. وفي غضون ذلك، يستمر تدفق المساعدات من كافة أنحاء اليابان.

يقول إسيسي كندا، مدير حماية الأملاك التراثية في مركز أبحاث قلعة كوماموتو: "طال القلعة دمار لم يسبق له مثيل جراء الزلزال، لذا فإن الترميم يحتاج كثيراً من الوقت، والمال، والمعرفة المتخصصة، والتكنولوجيا والأيدي العاملة البشرية. ونظرا لقيمتها الثقافية الجوهرية وأهميتها كموقع تهوي له قلوب الحريصين على متعة البصر، فإننا نخطط للمضي في عمليات الترميم بأسرع الطرق الممكنة".

وقد عاشت قلعة كوماموتو فصولاً لا بأس بها من الأحداث والتطورات عبر القرون، حيث تعود القلعة السوداء إلى عصر الساموراي، الذي غرقت فيه اليابان بحقبة مضطربة من الحروب بين الدول والعائلات الإقطاعية. وتشبه قصة القلعة روايات الخيال التي لا تصدق.

قبل تشييدها عام 1607، كانت كيوشو تترنح تحت وطأة الثورة قبل الصناعية، بينما يتصارع زعماء الساموراي من أجل السلطة والنفوذ من خلال وضع اليد على الأراضي. وكان التغيير قادماً إلى اليابان، فإلى الجنوب حيث ساتسوما (الآن هي عبارة عن كاغوشيما)، قاد موت شوجن تويوتومو هيدايوشي، الزعيم الساموراي والسياسي عام 1598 إلى ازدياد التوتر من قبل الفصائل المنافسة، بما في ذلك قبيلة شيمازو، وهي واحدة من أكبر العائلات قوة ونفوذاً في اليابان، والتي تشكل معارضة قوية.

ومن أجل حماية كوماموتو في حالة التعرض للغزو، قام كاتو كيوماسا ببناء القلعة عندما كان قائداً لجيش هيديوشي. ولمعرفته بشعار الساموراي القائل "الموت أو المجد"، عرف كيوماسا أن القلعة ينبغي أن تكون حصينة في حال تعرضها لهجوم من خصومه. لذا قرر أن تكون شامخة في وجه أي هجوم، وبنى لذلك الغرض قلعة من 49 برجاً و18 مقصورة للمداخل و29 بوابة. ولم يكن أحد يجرؤ على محاولة السيطرة عليها، أو هكذا كان يظن.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption سيكلف إغادة بناء القلعة الحكومة اليابانية 63.4 مليار ين

وجاءت اللحظة الفارقة للقلعة بعد ذلك بقرنين من الزمان خلال ثورة ساتسوما. وكان ذلك تتويجاً لفترة طويلة من الثورات والإصلاحات في فترة انتقال اليابان من نظام الإقطاع إلى إصلاحات ميجي، وقادت في نهاية الأمر إلى نهاية الساموراي.

وفي عام 1877 بعد أن وصلت العداوات بين الساتسوما والإمبراطور ميجي في طوكيو إلى مرحلة الأزمة، قام سايجو تاكاموري قائد الساموراي الذي تحول إلى بطل شعبي والذي كان من ساتسوما، بالتخطيط لشن حملة إلى طوكيو لتطهير الحكومة من الفساد. لكن لأن الوصول إلى طوكيو أرغمه على المرور بكوماموتو والتي كانت حينها تحت سيطرة الإمبراطور وموطناً لأكبر حامية تابعة لجيش اليابان الإمبراطوري في كيوشو، فقد عرف ما سيحدث، وهو أنه لابد من الإستيلاء على القلعة.

وتوقعت حكومة ميجي التي كانت تسيطر على مقاليد الحكم الشيء ذاته أيضاً، فبتدفق 20 ألف من ن الساموراي تحت راية ساتسوما، ستكون قلعة كوماموتو أرضاً للمعركة. وإذا فشلت الحامية في الاحتفاظ بالقلعة، فستنتشر الثورة في اليابان انتشار النار في الهشيم. ولذلك فقد أدرك الإمبراطور أنه ينبغي تجنب سقوطها مهما كان الثمن.

تقول كندا: "تمكنت حامية القلعة من صد المهاجمين لحوالي شهرين وبالتحديد من 19 فبراير/شباط إلى 12 أبريل/نيسان 1877 دون السماح بدخول أي شخص إلى القلعة. كان جيش الساتسوما مسؤولاً عن حرق بيوت الناس وقتل أجدادنا في المعارك، وما زال لدى الناس مشاعر مختلطة تجاه تلك الحقبة. لكن الذي لا يختلف فيه اثنان هو الدور الذي لعبته القلعة، حيث أثبتت قدراتها الدفاعية في ميدان القتال. وهذا أمر نادر الحدوث بالنسبة لقلعة في اليابان".

ولم يكن ذلك هو نهاية هذا الدراما، فقد شبت نيران عرضية أثناء الحصار في قسم من أسفل المبنى الرئيسي في القلعة فأتت عليه، ولم يعرف حتى الآن سبب ذلك الحريق. لكن أحد التفسيرات كما تقول كندا هو أن حامية القلعة التابعة للحكومة شرعت في إحراق مناطق معينة في القلعة لتجعلها هدفاً صعباً للمدفعية من خلال الدخان. ويقول آخرون إن أحد الخونة قام بإشعال النار.

وكما يظهر التاريخ الآن، فإن الأحداث التالية ساعدت على إبراز أهمية إصلاحات ميجي، وهو فصل أعاد ترميم الحكم الإمبراطوري في اليابان قبل 150 عاماً بالضبط. أما الساموراي المحبطون المنكسرون فقد فروا عائدين إلى ساتسوما قبل أن يخوضوا مواجهتهم الأخيرة في معركة شيروياما في سبتمبر/أيلول 1877 (للمزيد عن ذلك التاريخ شاهد فيلم الساموراي الأخير الذي لعب بطولته توم كروز وكين وتانابي). فبدون قدرة قلعة كوماموتوا على الصمود لكانت كيوشو وربما اليابان بأسرها مختلفة عما هي عليه اليوم. وهو السبب في أنه حتى زلزال بقوة 7.3 درجة بمقياس ريختر لم يكن ليضع نهاية لقلعة كوماموتو، التي تحدت التاريخ وسوف تنهض من بين الركام قريباً.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel .

المزيد حول هذه القصة