"جزيرة الكلاب": فيلم رسوم متحركة يقاوم الديكتاتورية

مجموعة عمل وأبطال فيلم "جزيرة الكلاب" في مهرجان برلين السينمائي الدولي مصدر الصورة Getty Images
Image caption مجموعة عمل وأبطال فيلم "جزيرة الكلاب" في مهرجان برلين السينمائي الدولي

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولي العرض الأول لفيلم "آيل أوف دوغز" (جزيرة الكلاب) للمخرج ويس أندرسون. ورغم المستوى الرائع الذي ظهر عليه العمل بما يجعله يستحق أن يُصنف من فئة النجوم الخمس، فربما لن يروق للبعض، كما تقول إيما جونز.

تدور أحداث ثاني أفلام الرسوم المتحركة التي يخرجها أندرسون في اليابان في وقتٍ ما من المستقبل القريب. في ذلك الوقت يصل عدد الكلاب لمستوياتٍ وبائية، كما تثير "أنفلونزا الكلاب" ذعر سكان مدينة ميغاساكي في اليابان، ليأمر عمدة المدينة المستبد بجمع كل الكلاب وحبسها في جزيرة قريبة تُلقى عليها النفايات، لتصبح فيما بعد "جزيرة الكلاب".

ويبدو أن ذلك العمدة الذي يحمل اسم كوباياشي يجسد الديكتاتورية المعاصرة، فهو المسؤول الفاسد الذي ينشر الأخبار الكاذبة عبر محطة تليفزيون دعائية، بالتزامن مع عمليات تزويرٍ للانتخابات لصالحه.

وبعد ستة أشهر من ذلك، يبدأ صبيٌ (12 عاماً) يعيش في دارٍ للأيتام رحلته للبحث عن حيوانه الأليف المحبوب الذي يحمل اسم "سبوتس". ولهذا السبب يقود الصبي - ويُدعى أتاري - طائرةً تتحطم لاحقا فوق تلك الجزيرة. عندئذ، تقرر خمسة كلاب منبوذة وتتضور جوعاً باستمرار مشاركته رحلة البحث عن كلبه.

وتتشبث هذه الكلاب بأسماء سبق أن حملتها قبل أن يُلقى بها على الجزيرة، وهي كينغ (ملك) وبوس (سيد) وديوك (دوق) وريكس وتشيف (رئيس).

ورغم عدم وجود شخصياتٍ تمثل قططاً تظهر في الفيلم الذي يخرجه ويس أندرسون، فإن أصحابها الذين ظهروا في الفيلم كانوا مصممين بشدة على خلق عالمٍ بلا كلاب. وحتى رمز "هاللو كيتي" الشهير يصبح ذا طابعٍ شرير، في ظل الحملة التي يشنها العمدة كوباياشي في مسعى منه لتطهير المنطقة الخاضعة لسلطاته من الكلاب.

ويبدو أن أندرسون يحب بدوره مجموعة الممثلين الذين استعان بهم لتقديم الأداء الصوتي للشخصيات التي ظهرت في الفيلم، والكثير منهم عاد إلى عالم المشاركة بالصوت في أفلام الرسوم المتحركة خصيصاً من أجل فيلم "جزيرة الكلاب"؛ ومن بينهم بيل موراي وإدوارد نورتون وفرانسيس مكدورماند وغريتا غيرويغ.

أما صوت عمدة المدينة كوباياشي غير المحبوب فقد أُسنِد إلى جيسون شوارتزمان، وهو واحدٌ من الكتاب القليلين الذين ساعدوا في كتابة السيناريو، ممن شملت القائمة الخاصة بهم أيضاً كونيتشي نومورا، الذي كان من بين فريق عمل فيلم "ذا غراند بودابست هوتيل" (فندق بودابست الكبير).

مصدر الصورة Getty Images
Image caption الإشارات التي قدمها المخرج ويس أندرسون عن الجانب الشرير من أوروبا ثلاثينيات القرن الماضي في "فندق بودابست الكبير"، تصبح في "جزيرة الكلاب" أشبه بدرسٍ تعليمي حول مشكلات عالمنا المعاصر

أما صوت براين كرانستون الأجش بنبراته الخشنة المفعمة بالألم فقد كان ملائماً بشدة لـ"تشيف"؛ ذاك الكلب الضال الجريح المضطهد الذي دأب على قول "أنا أعض"، فيما كانت سكارليت جوهانسون هي صاحبة الأداء الصوتي لأنثى الكلب ذات السمت الاستعراضي والمظهر شديد البهرجة والزخرفة "ناتمغ"، والتي وردت على لسانها جُمَلٌ حوارية يمكن توقع فحواها بشدة.

ولكن من شأن هذه العبارات أن تثير في الوقت نفسه مطالباتٍ بالاستعانة بشكلٍ أكبر بالممثلات، لتقديم الأداء الصوتي لشخصيات الحيوانات التي تظهر في أفلام الحركة المُنفذة بالبعد الثالث.

وبجانب كل هؤلاء لدينا كويو رانكين الممثل الاسكتلندي - الكندي صغير السن، الذي قدم الأداء الصوتي لشخصية أتاري، واحتفل بعيد ميلاده الحادي عشر خلال العرض العالمي الأول للفيلم في الليلة الافتتاحية لمهرجان برلين السينمائي الدولي.

ولا يمكن أن نغفل هنا تيلدا سوينتون، التي ربما تكون قد قدمت أفضل دور ضيفة شرف لها خلال مسيرتها الفنية، عندما جسدت صوت شخصية أنثى كلب من نوع "الباك" تُدعى "أوراكل"، وتتميز بقدرتها على التنبؤ، وهي قدرة لم تكن لها سوى لأنها قادرة على فهم نشرات أحوال الطقس التي يبثها التليفزيون!

الأفضل في الفيلم

ويبدو فيلم "جزيرة الكلاب" تقديرا خالصا من ويس أندرسون للسينما اليابانية التي يعشقها، وخاصةً للمخرج الأسطوري أكيرا كوروساوا، وكذلك لـ"هاياو ميازاكي"، الذي شارك في تأسيس شركة "ستوديو غيبلي" لإنتاج أفلام الرسوم المتحركة.

بل إن أندرسون استلهم ملامح مدينته "ميغاساكي" من نظيراتها التي ظهرت في أفلامٍ لـ"كوروساوا" مثل "ستراي دوغ" (الكلب الضال) و"هاي آند لو" (ارتفاع وانخفاض). بجانب ذلك، شكلت ملامح وجه الممثل الياباني توشيرو ميفوني، الذي عَمِلَ مراراً مع كوروساوا، مصدراً مباشراً للشكل الذي اتخذته قسمات العمدة كوباياشي.

لكن لدى أندرسون من البراعة والمقدرة ما يُمكنه من خلق عالمه المتفرد والاستثنائي في فيلمه هذا. فـ"جزيرة الكلاب" سار على درب فيلم "فانتاستيك مستر فوكس"، أول أعمال هذا الرجل في مجال الرسوم المتحركة، وذلك على صعيد أنهما يتضمنان عناصر متميزة ينثرها المخرج هنا وهناك، من قبيل الاستعانة بسمات وطرز الفن الياباني التقليدي الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر، لرسم ملامح وتفاصيل العالم المستقبلي للكلاب الظاهرة في الفيلم.

مع ذلك، فإن هذه الجزيرة عبارة عن أرضٍ خراب مليئة بمواد ملوثة بالإشعاع النووي أصبحت بمثابة نفايات، وهي تمثل مقبرة لمخلفات المنتجات المرتبطة بصناعة الوقود الأحفوري وألعاب الملاهي القديمة، وهي كلها أشياءٌ دُمرت بفعل كوارث طبيعية، وذلك في إشارةٍ واضحة إلى أحداث وقعت مؤخراً للغاية في اليابان، وكانت ذات آثارٍ صادمة بالنسبة لمواطني هذا البلد.

مصدر الصورة FoxSearchLight
Image caption الكثير من الممثلين عاد إلى عالم المشاركة بالصوت في أفلام الرسوم المتحركة خصيصاً من أجل فيلم "جزيرة الكلاب"

على كل الأحوال، يمكن للمرء اعتبار أن الفيلم ليس إلا قصة تقليدية عن الاضطهاد، أو مغامرة يخوضها صبيٌ وكلبه. لكن الإشارات والإيماءات التي قدمها لنا أندرسون عن الجانب الشرير من أوروبا ثلاثينيات القرن الماضي في "فندق بودابست الكبير"، تصبح في "جزيرة الكلاب" أشبه بدرسٍ تعليمي حول مشكلات عالمنا المعاصر.

إنه فيلمٌ بشأن الخوف من الآخر، ولكن يصدف هنا أن يكون هذا الآخر عبارة عن مجموعة من الكلاب، وهي كلاب صُودرت وحُبِستْ على جزيرة بعيدة كل البعد عن "الحضارة". فالسكان الخائفون والواثقون في سلطاتهم الحاكمة، يُسلِمون - حتى اليوم - حيواناتهم الأليفة المحببة لديهم إلى تلك السلطات.

كما ينصب البشر أسوارا من الأسلاك الشائكة، ويرسلون طائراتٍ بدون طيار للقتل، كما يقيمون معسكرات إبادة، وكل ذلك مخصصٌ في حالتنا هذه للكلاب، التي تُوصف بأنها خطرٌ على القاطنين في مدينة ميغاساكي. أما في داخل المدينة فسنجد ديكتاتوراً ينشر الأخبار الكاذبة عبر محطة تليفزيونية، بالتزامن مع عمليات تزويرٍ للانتخابات.

ويتطلب الأمر تدخل مجموعة غاضبة من الطلاب الشبان بقيادة مراسلة قليلة الخبرة، تقدم الأداء الصوتي لها غريتا غيرويغ، للكشف بعنادٍ عن الحقيقة ومن ثم تنظيم احتجاجاتٍ ضد العمدة المستبد. ورغم أن الكثير من أبناء الدول المُصنفة كـ"عالمٍ أول" على وجه الأرض، لن يسمحوا بأن تُعامل حيواناتهم الأليفة على هذه الشاكلة في الواقع، فإنهم قد يتسامحون - ولو دون وعي - مع عمليات شيطنة تجري لسواهم من البشر، وما ينتج عن ذلك ضمنياً.

في النهاية، ربما يقدم "جزيرة الكلاب" إجابةً مخيفة عن السؤال الأبدي الذي يقول: "هل بداخلك شخصية كلب أم قط؟". ولكنه يتضمن كذلك فكرة أنه من الضروري أن يتجاوز الحب حاجز اللغة واختلاف النوع الإحيائي، وذلك عبر قصة الصبي أتاري وكلبه سبوتس، ذاك الكلب الذي يخاطر هذا الفتى بحياته للعثور عليه.

أما حاجز اللغة فيظهر عندما نجد أن كل الكلاب في الفيلم تتحدث الإنجليزية، فيما تتحدث الشخصيات البشرية باليابانية بشكلٍ أساسي دون وجود ترجمة مصاحبة. غير أن المترجم الخاص بشخصية فرانسيس مكدورماند، يتولى القدر الأكبر من العمل الضروري اللازم لكي يفهم المشاهدون ما يدور أمامهم على الشاشة، فيما تظل المشاعر التي تربط بين البشر والكلاب، بلا حاجة إلى أي ترجمة على الإطلاق.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture .

المزيد حول هذه القصة