قصة متاجر بيع الموسيقى الأجنبية "المخالفة" في السعودية

مصدر الصورة Luke Best

انتقلت أروى حيدر للإقامة في المملكة العربية السعودية عندما كانت في الثالثة عشر من عمرها. وهي تتذكر في السطور المقبلة ملامح حياتها كفتاة مراهقة عاشقة لموسيقى البوب، عاشت في بقعةٍ كانت الموسيقى تُستهجن فيها.

في أواخر العام الماضي، أحيا نجم موسيقى الهيب - هوب الأمريكي "نيللي" حفلاً موسيقياً لم يُسمح سوى للرجال بحضوره في مدينة جدة السعودية، وهو ما جاء بعد حفلٍ مماثلٍ أحياه مغني موسيقى الريف الأمريكية أيضاً "توبي كيث" في وقتٍ سابق من العام نفسه.

وقد اعْتُبِر الحفلان بمثابة تقدمٍ مهمٍ من نوعه، في دولة خليجية تطبق قواعد صارمة، وكان يُعتقد فيها بوضوح أن الموسيقى "حرام".

وبالقطع كان من الغريب للغاية أن يشاهد المرء مقاطع مصورة للنجم "نيللي" وهو يشعل بحيويته الدافقة خشبة المسرح في حفلٍ مُنِعت النساء من حضوره.

لكن في واقع الأمر، سادت ثقافة موسيقى "البوب" منذ أمدٍ طويل في السعودية، وشكلت المتاجر التي تبيع أشرطة الكاسيت مصدر قوتها في ثمانينيات القرن الماضي.

في خريف عام 1988، انتقلت أنا - الفتاة المهووسة بالموسيقى التي لم يكن عمرها يتجاوز آنذاك ثلاثة عشر عاماً - مع والدتي وأختي ابنة السبعة أعوام في ذلك الوقت، من لندن للإقامة في مدينة الخُبر بالمنطقة الشرقية في السعودية. وقد انضممنا جميعاً حينها إلى والدي الذي كان قد بدأ العمل في مستشفى بالمدينة.

لست واثقةً من طبيعة ما كنا - أنا وأسرتي - نتوقع أن نراه في هذا البلد على أي حال. فبغتة تبخرت المساواة التي كانت تحكم العلاقة بين والداي العراقييْن المسلميْن اللذين يعملان طبيبيْن.

لا أزال أتذكر المشاعر القوية التي اجتاحتنا وأصابتنا بالدوار في ليلة وصولنا إلى المملكة؛ مع درجات الحرارة العالية التي تسود الأجواء، وحركة المرور المكتظة في الشوارع، بجانب النظرات الخبيثة - أو تلك التي تبدو لائمةً لنا - من جانب أُناسٍ غرباء عنّا تماماً.

فضلاً عن ذاك الشعور الغريب، بأننا وجدنا لأنفسنا ملاذاً آمناً، حينما اصطحبنا والدي إلى محل لبيع أشرطة الكاسيت في شارع الملك خالد.

مصدر الصورة Luke Best

لم تختلف ملامح هذا المتجر عن عدد لا حصر له من المتاجر الأخرى المماثلة له، من تلك التي سأرتادها بانتظام فيما بعد خلال فترة إقامتي في السعودية، إذ كان بلا اسم، وشبيهاً بالـ"كشك"، وعلى جدرانه تتراص نسخٌ من ألبوماتٍ غنائية وموسيقية من شتى الأنواع والمدارس الفنية.

كانت هذه عبارةً عن نسخٍ غير مرخصة من تلك الألبومات، وقد بدت في الظاهر وكأنها إصداراتٌ أحدث زمنياً من تلك التي صدرت بالفعل في الغرب، وذلك بهدف طمس وإخفاء هوية وعناوين الألبومات الأصلية.

وقتذاك، كنت اتحرق شوقاً للاستماع إلى "إنتروسبكتيف"؛ أحدث ألبومات الفريق الموسيقي البريطاني "بِت شوب بويز". لكن خلال وجودي في المتجر الأول، اخترت أشرطة للفريق الموسيقي البريطاني "يوريذميكس"، وكذلك لـ"راديو راما"، تلك المجموعة الإيطالية غريبة الأطوار، المتخصصة في موسيقى الديسكو.

وصارت محتويات هذه الألبومات بمثابة الموسيقى التصويرية لكل ما هو جديدٌ في حياتي وقتذاك، من منزل ومدرسة، وكذلك قواعد جديدة.

بجانب ذلك، كانت لمحال بيع أشرطة الكاسيت في السعودية رائحةٌ مميزة لبلاستيك محترق ممزوج بغبار الصحراء. وكانت الأشرطة نفسها تُباع في أكياسٍ بلاستيكية قوية "عازلة للحرارة"، وهي الخيار المثالي في مثل هذه الظروف، فالأكياس المصنوعة من مادة "الفينيل"، كانت ستتشوه بفعل أشعة الشمس الحارقة، أما الأقراص المدمجة فكانت آنذاك ضرباً من الخيال.

وكانت أشرطة التسجيلات المنسوخة بشكلٍ غير قانوني في السعودية تُباع بأسعارٍ زهيدة للغاية لا تتجاوز 10 ريالات للواحد (ما يزيد قليلاً عن دولاريْن أمريكييْن).

ولأن تلك التسجيلات كانت تُنسخ على أشرطة كاسيت يبلغ طول الواحد منها 90 دقيقة (وهو ما يزيد كثيراً على مدة الألبوم العادي) فقد كان يُضاف إليها في أغلب الأحيان، مقاطع غنائية إضافية وموسيقى مُعاد توزيعها بأساليب مختلفة. وكانت هذه المقاطع - التي لم يكن بوسعي العثور عليها قط في متاجر الأشرطة في بريطانيا - بمثابة مكافأةٍ لمن يشترون تلك الألبومات المنسوخة.

كل شيء يتعلق بتلك المتاجر كان بعيداً عن أي نظم أو قواعد، ولا تحتوي على تفاصيله أي سجلات. فلم تكن هناك قوائم لأكثر الألبومات مبيعاً، أو حقوق مؤلفٍ تُدفع للموسيقيين.

رغم ذلك، فقد كان هناك شيءٌ ما يزدهر بقوة كبيرة، نظراً لأن المتاجر التي تبيع التسجيلات المنسوخة على نحوٍ غير قانوني، كانت تظهر بشكلٍ مفاجئ في كل المراكز التجارية ومناطق التسوق. كانت هذه المتاجر تفتح أبوابها يومياً، على أن تُغلق في مواعيد الصلاة، عندما ينطلق صوت المؤذن من المساجد المنتشرة في طول المدينة وعرضها.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption نساء سعوديات يحضرن لتشجيع فريقهن في مباراة رياضية في مشهد لم يكن مألوفا من قبل في المملكة

وكان العاملون في هذه المتاجر عبارة عن رجال متحفظين قليلي الكلام (يبدون دوماً أكثر حفاوة وترحيباً بالزبائن الذكور). وكان الصمت يُطبق كذلك على هذه الأماكن، لأنه كان من المحظور تشغيل موسيقى البوب في الأماكن العامة، وهو ما أضفى عليها طابعاً أسطورياً باعتبارها مواضع للرغبة المسكوت عنها.

رغم ذلك، ففي حقبة ما قبل ظهور شبكة الإنترنت هذه، واصلت ثقافة موسيقى البوب انتشارها كالنار في الهشيم. فبمجرد أن يشهد الغرب ذيوع نجم أغنية ما بشكلٍ كبير، يوّلِدُ ذلك رد فعلٍ في السعودية أيضاً.

كنا نقرأ عن تلك الأغنيات في نسخٍ تُستورد بتكاليف كبيرة من مجلتيْ "سماش هيتس" و"نيو ميوزيكال إكسبريس". وقد كانت الجهات المسؤولة عن الرقابة الدينية في المملكة تخدش - حرفياً - الصور التي تبدو غير محتشمة أو صادمة أو موحية جنسياً لطمس ملامحها. كما كانت الصور الخاصة بالألبومات نفسها تتعرض بدورها لرقابةٍ مماثلة.

في تلك الأيام، كان بوسعنا التعرف على شذراتٍ من تلك الأغنيات الغربية، عبر التقاطنا بث الإذاعة البحرينية، التي كانت تذيع برامج تتضمن الأغاني التي تتصدر قوائم الأغنيات البريطانية. ففي مدينة الخُبر الساحلية، كان من الممكن التقاط بث الإذاعات المنطلقة من الدول الخليجية المجاورة الأقل تزمتاً.

وكانت تلك الأغنيات محوراً للثرثرة بيني وبين زميلاتي في مدرستي ذات المسحة الورعة المتدينة التي لم تكن تضم سوى الفتيات فحسب. وكان يشاركني الحديث في هذا الموضوع، زميلات صفي ممن قَدِمْنَ من مصر والسودان ولبنان والهند وباكستان.

وفي تلك الأيام البعيدة، لم يكن الأمر يستغرق سوى أيامٍ لنسخ أي أغنية تحقق نجاحاً كبيراً في الغرب، وذلك عبر متخصصين في هذا المجال يعملون في شرق آسيا أو جنوبها الشرقي.

فعلى سبيل المثال، كانت إندونيسيا تشهد تنفيذ التسجيلات المنسوخة بشكلٍ غير قانوني التي تحمل علامة "تومسون" الشهيرة. بعد ذلك، تُباع كل هذه التسجيلات المنسوخة في متاجر بيع أشرطة الكاسيت في السعودية، وهي تحمل في بعض الأحيان أغلفةً لا علاقة لها بالأغنيات التي تتضمنها.

وهكذا صار بمقدوري، أن أُشغِّلَ جهاز الاستماع الشخصي الخاص بي ( الذي يعرف بـ "ووكمان")، أو أن أضغط زر التشغيل في مُشغِل الشرائط الموجود في سيارة أبي لأستمتع بتجربة الاستماع لأنواع الموسيقى التي تصدح في الجانب الآخر من العالم.

ولم يقتصر الأمر عليّ وحدي، فحتى أختي الصغيرة، شعرت بأن الموسيقى تشكل همزة وصلٍ بيننا وبين الحرية، وذلك في وقتٍ لم يكن مسموحاً لنا فيه على الإطلاق، بأن نقوم بالكثير على أرض الواقع.

ورغم أن هذا الوضع تغير بعدما شببت عن الطوق ووصلت إلى مرحلة البلوغ، إذ كنت محظوظة ًبما يكفي لأصبح قادرةً على شراء تسجيلاتٍ موسيقية من مختلف أنحاء العالم، فإن ذلك لم يمح ذاك الطابع الفريد الذي كانت تكتسي به تجربة ابتياع تسجيلاتٍ منسوخة ومقرصنة من المتاجر السعودية، بكل ما كان يكمن في هذه التجربة من أمورٍ رائعة وقبيحة أيضاً.

مصدر الصورة Getty Images

فقد كان لي متجري المفضل، الذي كان يقع بالقرب من كورنيش الخُبر، وهو المتجر الذي عثرت فيه على ألبوم "تكنيك" لفريق الروك البريطاني "نيو أوردر". كما كان من بينها منفذ بيع في الرياض قلت يا ليتني لم أكن قد ارتدته قط، قابلت فيه رجلاً مُتحرشاً رأى فيّ - وأنا الفتاة الصغيرة المتشحة بالحجاب بنت الثالثة عشر عاماً - فريسةً سهلة.

وقد صارت تلك المتاجر المنخرطة في بيع الموسيقى المُقرصنة، والتي كانت أشبه بمزاراتٍ يقصدها عشاق هذا النوع من الفن، تكتسي بطابعٍ أسطوريٍ أكبر، بعدما تلاشت بفعل تطورات عصرنا الحالي.

فرياح العولمة التي هبت على السوق السعودية وغيرت طبيعتها، جلبت معها سلاسل المتاجر والمراكز التجارية الضخمة، التي تُباع فيها الأقراص المضغوطة المرخصة، كما سمحت المنصات الرقمية لمرتاديها بالحصول على أغنياتهم وتسجيلاتهم الموسيقية المفضلة بشكلٍ أنقى وأيسر.

وقد هيمن على هذه السوق رسمياً المغنون العرب ونظراؤهم عبر المحيط الأطلسي، ممن يروقون لغالبية المستمعين العرب والغربيين. ولعلي هنا أذكر أن مغنياً مثل "إد شيران"، موجودٌ بكثافة في كل مكان. وفي ديسمبر/كانون الأول من عام 2012 دخل تطبيق "آي تيونز" السعودية، وتبعته في يونيو/حزيران من عام 2015 خدمة "آبل ميوزيك" لبث الموسيقى والفيديو.

ومع اختفاء هذه المحال العتيقة المُغبرة، تلاشى - ربما - وميض ما بدا أنه حركة مقاومة سرية تعمل تحت الأرض، وذلك بعدما برهنت الألبومات المُقرصنة التي بيعت في السعودية، أن الموسيقى شكّلت قوةً دافقةً مفعمة بالحيوية، لا يمكن كبح جماحها أو توقعها، حتى في ظل أكثر الظروف صرامةً وتشدداً.

وبالعودة إلى فترة دراستي، أتذكر أننا كنا نُخفي أشرطة الكاسيت، تحت الألواح البالية لأرضية الصف، وذلك حتى يتسنى لنا تبادلها بعيداً عن أعين المدرسات.

في ذات يوم، أخذت أرسم الوجوه الباسمة لعازفي الموسيقى المعروفة باسم "أسيد هاوس" على سطح مقعدي، كما خططت على السقف اسم فريقي الموسيقي المفضل، بأسلوب الكتابة على الجدران "غرافيتي".

وعندما اكتشفت معلمة الرياضيات ذلك، أمرتني بأن أصعد فوق مقعدي، وأمحو كلمة "بويز" (أو صبية باللغة العربية) باستخدام قنينة تحتوي على "سائل التصحيح" الأبيض.

وبعدها، استؤنِفَ الدرس، بينما كانت كلمتا "بِت شوب" (متجر الحيوانات الأليفة) - وهي الجزء المتبقي من اسم الفريق - تحلقان فوق رؤوسنا جميعاً.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture .

المزيد حول هذه القصة