معبد أبو سمبل "أنقذ آثارا عالمية أخرى"

معبد أبو سمبل مصدر الصورة frans lemmens/Alamy
Image caption جرى إنقاذ آثار أبو سمبل من الغرق عبر تضافر جهود هائلة

لولا إنقاذ معبد أبو سمبل في مصر من الغرق قبل نصف قرن، ربما اختفت من عالمنا آثار أخرى مثل مدينة البندقية العائمة، أو معبد أنكور وات بكمبوديا، وغيرها من المواقع التي تصنفها منظمة اليونيسكو ضمن قائمتها للتراث العالمي.

هناك أعمدة فارهة ذات نقوش بديعة، تزينها أعمال فنية مُحكمة تصور معارك عسكرية، وتعلوها أسقف زينت بصور طيور جارحة، بين دهاليز معبد أبو سمبل في عمق وادي النوبة.

وتعلو جدران ذلك المعبد نقوش هيروغليفية، تحكي انتصارات الفرعون رمسيس الثاني، وخارجه أربعة تماثيل مهيبة لذلك الفرعون، تستقبل شمسا تتلألأ أشعتها فوق بحيرة ذات مياه صافية.

إنه مشهد بديع كدنا نفقده إلى الأبد لو لم يجد أبو سمبل من ينقذه، ولأصبح هذا المعبد الضخم اليوم مغمورا بالمياه، بل الأكثر من ذلك، لربما فقد العالم آثارا أخرى كالبلدة القديمة في فيينا، أو معبد أنكور وات بكمبوديا، أو غيرهما من المعالم التي ربما باتت أطلالا.

وتثني كيم كيتينغ، مديرة المبيعات العالمية بشركة "جيوغرافيك إكسبيديشن" للسياحة المتميزة، على جهود مصر في الحفاظ على معابدها الأثرية، خاصة معبد أبو سمبل الواقع بجنوب البلاد، إذ تشير إلى "الإضاءة الخافتة التي تبرز روائع المعبد من الداخل، وكذلك الكتابات العفوية التي رسمها على جدرانه أشخاص أرادوا ترك بصماتهم عبر العصور، ومنهم غزاة من كل حدب وصوب، فضلا عن الموقع الذي تتصدره بحيرة واسعة جميلة وكأن المعبد يشاطئ محيطا!"

يقع المعبد في بلاد النوبة القديمة المنقسمة الآن، بين مصر شمالا والسودان جنوبا، في صحراء نائية تكاد تخلو من مظاهر الحياة، باستثناء واحات النخيل والأودية التي تحفرها مياه السيول الموسمية، ويشق النيل تلك البقعة، ويمر عبر مدينة أسوان المصرية حتى يصل إلى القاهرة باتجاه المصب.

مصدر الصورة EmmePi Travel/Alamy
Image caption تغطي النقوش الهيروغليفية جدران المعبد الكبير الذي شيده رمسيس الثاني

وفي الأزمنة الغابرة، عُرفت تلك البلاد بثرائها بالذهب وخيرات أخرى، وحكمها ملوك أقوياء بنى كثيرون منهم أهرامات، وخلفوا وراءهم آثارا ومعابدا تشهد على عظمتهم.

ويضم معبد أبو سمبل آثارا بُنيت على مدار عشرين عاما في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ويعد بشكل عام من بين أبرز الأبنية التي لا تزال قائمة إلى يومنا هذا، ويضم المعبد الكبير إلى جواره معبدا أصغر، بُني تكريما لنفرتاري مليكة الفرعون رمسيس الثاني.

أثار المعبد انبهار كيتينغ حين رأته أول مرة، وزاد انبهارها بعد أن عرفت أن فريقا من مهندسين من مختلف الجنسيات في مطلع الستينيات فككوا ذلك المعبد، ونقلوه قطعة قطعة قبل تجميعه مرة أخرى، ليستقر في النهاية فوق بقعة تعلو مكانه الأصلي بستين مترا، لإنقاذه من مياه النيل، مع إنشاء بحيرة ناصر فوق مساحة خمسة آلاف و250 كيلومترا مربعا خلف السد العالي قبل خمسين عاما.

وتقول كيتينغ: "لقد أُنجز هذا الأمر برمته بدقة متناهية، وبطريقة لا يتخيل المرء معها أن هذا المعبد نُقل بالكامل!"

تبدأ القصة في مطلع الستينيات، مع تشكيل ما كان يُعرف ببعثة النوبة، تحت إشراف اليونيسكو، تزامنا مع قيام الجمهورية العربية المتحدة (وكانت اتحادا بين مصر وسوريا بين عامي 1958 و1961)، وبناء السد العالي على نهر النيل على مقربة من أسوان بغرض تحسين الري وزيادة توليد الكهرباء لسد حاجات مصر من الطاقة. غير أن المياه المتجمعة كانت ستغمر معبد أبو سمبل خلال سنوات قلائل.

وكانت مهمة اليونيسكو باكورة جهد دولي لإنقاذ ذلك الأثر العتيق. وأثمر هذا الجهد الدولي لاحقا عن قائمة اليونيسكو للتراث العالمي، التي باتت تضم الآن 1073 موقعا ثقافيا وطبيعيا بارزا حول العالم، وتهدف القائمة للحفاظ على تلك المواقع والتعريف بأهميتها.

وتقول كيتينغ: "لم أكن أدري قبل زيارة أبو سمبل أن هذا المعبد كان له الفضل في تدشين اليونيسكو قائمتها للتراث العالمي. لكني لا أعجب من ذلك، لما لذلك المعبد من تاريخ رائع، فضلا عن موقعه المبهر".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption قاد نجاح بعثة أبو سمبل إلى إنشاء قائمة اليونيسكو للتراث العالمي

غير أن عملية نقل المعبد لم تكن أمرا هينا، إذ تشرح ميختيلد روسلر، مديرة قسم التراث باليونسكو والمسؤولة عن مركز التراث العالمي بالمنظمة، ضخامة ذلك العمل الذي لا تحسب أن من السهولة تكراره اليوم، مع "تشابك تلك العناصر البيئية والاجتماعية المتعلقة بضخامة مثل هذا المشروع".

وفي بداية نوفمبر/تشرين الثاني عام 1963، عملت فرق من خبراء المياه والهندسة والآثار، وفرق أخرى معاونة، ضمن خطة وضعتها منظمة اليونيسكو امتدت لأعوام، وجرى بموجبها تفكيك معبدي أبو سمبل، الكبير والصغير، وتقطيع آثاره لكتل محددة، وترقيمها ونقلها بعناية، ثم إعادتها إلى سابق عهدها، مستندة إلى واجهة صخرية أُعدت خصيصا لذلك.

ومن المدهش أن القائمين على العمل أعادوا حساب القياسات الدقيقة المطلوبة لكي تتعامد الشمس مجددا مرتين في العام على وجه تمثال رمسيس الثاني، وتمثالين آخرين عبر فتحة ضيقة داخل المعبد الكبير، في الثاني والعشرين من فبراير/شباط، والثاني والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول تزامنا مع اعتلاء الفرعون للعرش وعيد ميلاده تباعا. وانتهى المشروع في سبتمبر/أيلول 1968 باحتفال بهيج.

وتستطرد روسلر بالقول إن مشروع أبو سمبل "مثّل التقاء مبهرا لجهود الثقافة والعلوم والتربية التي يجسدها اليونسكو اسما وفعلا".

وخط نجاح تلك المهمة صفحة بارزة في تاريخ هندسة الآثار، إذ جرى المشروع الضخم في بقعة نائية شديدة الحرارة، ما يجعل العلماء اليوم يحارون كيف تأتى لليونيسكو القيام بعمل كهذا، لكنه العمل الذي أثبتت من خلاله الهيئة الدولية قدرتها على حشد الموارد من جهات مختلفة لاجتياز أعتى الصعاب.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption نجح فريق من المهندسين خلال الستينيات في نقل آثار أبو سمبل إلى بقعة بمنأى عن المياه

وتقول روسلر إن إنجاز المشروع، على ضخامته وتعقيده، منح اليونيسكو ثقة بقدرتها، من خلال محاور ثلاثة "أولها حشد أفضل الخبرات العالمية، وثانيها إقرار تعاون دولي بمشاركه الدول الأعضاء بالمنظمة (وكانت في وقتها نحو مئة بلد عضو، واليوم تبلغ 195 بلدا عضوا، وعشرة أعضاء بالانتساب)، وثالثها ضمان مسؤولية المجتمع الدولي تمويلا ودعما للتراث العالمي في كل مكان"، مع عدم قدرة بلد بمفرده على الاضطلاع بالمهمة.

وأدى الزخم الذي تولد عن المشروع إلى إقدام اليونيسكو على تنفيذ مشاريع أخرى، من بينها عمليات الصيانة المستمرة بمدينة البندقية، التي كادت الفيضانات تأتي عليها بمنتصف الستينيات.

وفي عام 1965، اقترح مؤتمر انعقد في البيت الأبيض بواشنطن إنشاء هيئة خاصة بالتراث العالمي لمواصلة جهود الحفاظ على المواقع الأثرية والطبيعية على الصعيد الدولي. ولم تمض سنوات إلا وخرج الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة بمقترح مشابه؛ وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1972 تبنى المؤتمر العام لليونيسكو اتفاقية لحماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي بالجمع بين المقترحين للحفاظ على التراث العالمي بمجمله.

واليوم يعزى لنجاح بعثة النوبة الفضل في الحفاظ على مواقع أخرى بارزة، منها المحمية الطبيعية للفراشات الملكية بالمكسيك، وكهوف نقوش العصر الجليدي بجبال سوابيا الألمانية، وجزيرة روبن بجنوب أفريقيا حيث الزنزانة التي سجن فيها الزعيم السابق نيلسون مانديلا إبان عهد الفصل العنصري.

كما قادت بعثة أبو سمبل إلى جهود واسعة أخرى، شملت مواقع للتراث العالمي في مختلف أرجاء العالم، وبالأخص في مناطق الحروب كالعراق واليمن، فضلا عن إثيوبيا، حيث أعادت اليونيسكو قبل عشر سنوات مسلة أكسوم إلى إثيوبيا، والمكونة من حجر الجرانيت، والبالغ ارتفاعها 24 مترا ووزنها 160 طنا، والتي كان الإيطاليون قد نقلوها أجزاءً إلى روما عام 1937 إبان الحكم الفاشي لموسوليني.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تطلب نقل المعبد تفكيكه قطعا محددة وإعادة تركيبه بحرص بالغ

وتعقب روسلر بالقول إن إعادة نصب المسلة في موطنها الأصلي بإثيوبيا "أذّن (بالنسبة للإثيوبيين) بانتهاء الحرب العالمية الثانية؛ ما يبرهن على أهمية الإرث البشري، إذ لا يسعنا أن نترك الكوارث الطبيعية أو الحروب وغيرها تبدد ذلك الإرث".

وبعد خمسين عاما من الانتهاء من مشروع أبو سمبل، تظل آثاره علامة بارزة على خارطة السياحة العالمية، رغم كونها في بقعة نائية.

أما بحيرة ناصر، فتشتهر بالصيد الممتاز لأسماك المياه العذبة، وبتكاثر التماسيح بها. لكن يظل المعلم الأبرز في وادي النوبة هو بلا شك معبد أبو سمبل نفسه، الذي ما زال قائما بعد ثلاثة آلاف عام على إنشائه، مدللا على الإرث المشترك للبشر، وكيف أمكن لصرح شيده الإنسان أن يدعم جهود الحفاظ على الآثار في بقية العالم.

ولولا الجهود التي بذلها الخبراء في القرن الماضي، لربما احتجب ضوء الشمس عن معبد أبو سمبل، ولم يجد المستكشفون - حسبما تقول روسلر - طريقا إليه إلا "غوصا في أعماق الماء، أو بالنظر إليه من خلال أرضية قارب زجاجي، خوفا من أسنان التماسيح!"

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel

المزيد حول هذه القصة