لماذا يفضل الشباب العمل في جزيرة بالي بإندونيسيا؟

شاب يعمل على جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به وسط متنزه مفتوح

تعد بلدة أوبود السياحية في إندونيسيا موطنا لمجموعة كبيرة من الشباب يعملون في مجالات مثل البرمجة، والتكنولوجيا الرقمية، والذين تركوا العمل المكتبي الشاق للعمل في بيئة أكثر مثالية.

تبعد بلدة أوبود عن الشواطئ المكتظة بالسياح الواقعة على الساحل الجنوبي لجزيرة بالي الإندونيسية، وتشبه شواطئ تلك البلدة شواطئ ميامي أو ساحل أستراليا الذهبي.

وتعد البلدة أيضا القلب الثقافي لجزيرة بالي، خاصة لمن يفضلون زيارة المعابد، وحقول الأرز، والمنحوتات الحجرية، على الاستجمام تحت أشعة الشمس، أو التزلج على الأمواج.

وقد جذب سحر البلدة الكثير من السياح لعقود طويلة. في البداية، انجذب الفنانون إليها بسبب تراثها الهندوسي الثري. وبعد ذلك جاء جمع من الشخصيات الشهيرة لزيارتها، مثل مويل كاوارد، وتشارلي تشابلن. ولاحقاً جاء السياح العاديون.

وقد أحدثت السياحة تطوراً اقتصادياً سريعاً لبلدة أوبود. ولم تصل الكهرباء إلى البلدة إلا خلال فترة السبعينيات، عندما كان يبلغ عدد زوار جزيرة بالي 100 ألف من الأجانب كل عام.

وسوف تستضيف الجزيرة هذا العام حوالي خمسة ملايين زائر أجنبي، ويوجد في أوبود نفسها 400 فندق لتلبية حاجة هذه الأعداد الكبيرة. لكن رحلة سريعة للمناطق المحيطة بالبلدة تكشف عن أسرار بالي الأصلية التي لم تتغير كثيراً.

حينما يحين موعد حصاد الأرز، تكون أوبود محاطة بحقول خضراء وادعة يداعب النسيم أوراق نباتاتها. من السهل أن ينسى الواحد منا أن كل ذلك الجمال كان نتيجة عمل شاق ومضن.

لكن ذلك التقدم الاقتصادي يجلب للبلدة أيضا نوعا جديدا من الأعمال، ويجلب قوة عاملة مختلفة تماماً.

فهذه المجموعة من المهنيين العاملين في مجالات البرمجة أو تلك المتعلقة بالتكنولوجيا الرقمية، والتي تتوزع وتنتشر ما بين المعابد ووسط السياح، تتكون في معظمها من شباب غربي يعيش و يعمل عن بعد انطلاقاً من هنا.

ويطلق على هؤلاء الشباب هنا اسم "الرقميون الرُحل"، الذين انجذبوا إلى هذا المكان بفعل طقسه الدافيء، وطبيعته الجميلة، بالإضافة إلى انخفاض أسعار السكن.

Image caption الطقوس الدينية الهندوسية لا تتوقف هنا، والمعابد تُزين باستمرار للمهرجانات الدينية وحفلات الأعراس

يقول غاريث شرودر، وهو مطور برمجيات من جنوب أفريقيا يتوقع أن يبقى هنا لسنة على الأقل: "لا أرى سبباً للدوران في نفس الحلقة المعتادة للعمل اليومي التقليدي". وحتى قبل أن يغادر موطنه، كان يعمل عن بعد، لكن خطر له ذات يوم أنه يمكن أن يمارس عمله من أي مكان آخر في العالم، مثل جزيرة بالي .

ويقول إنه يكون أكثر فعالية عندما يقضي وقته منفرداً. كما أن إمكانية أن يتفرغ من العمل في ساعات الصباح للذهاب إلى الشاطيء أو لممارسة اليوغا، تجعله أكثر إنتاجية، كما يقول.

ويقول شرودر: "على الأقل عندما أعود، أكون أكثر تركيزا، وأتمتع بذهن أكثر صفاء، بدل أن أكون عبارة عن ماكينة صغيرة مبرمجة على أن تعمل ذاتياً".

ورغم أن التكلفة المنخفضة تشكل عامل جذب للعديد من هؤلاء الرقميين الرُحل، إلا أن شرودر يقول إن تكلفة العيش هنا تساوي تقريباً تكلفة المعيشة في مدينته الأصلية كيب تاون.

لكن وجوده هنا سببه إلى حد كبير أسلوب الحياة، فالناس هنا ودودون جداً، كما يقول، وتذكره التلال والشواطيء الجميلة هنا ببلاده أيضا، مع أفضلية حالة الطقس هنا.

لكن ذلك لا يعني أن الأمور مثالية تماما. فالسكان هنا ضيوف عابرون، وهو الأمر الذي يعني أن الأصدقاء يميلون للمغادرة إلى أماكن أخرى.

كما أن وجودك للعمل في مكان ناء بعيد عن مكاتب العمل، يعني أنك ستتلقى اتصالات هاتفية في أوقات غريبة وغير معتادة، بسبب فروق التوقيت.

هناك أيضاً بعض الصعوبات العادية المتعلقة بالمعيشة في بلد نام. ولدى شرودر ندبة كبيرة على ساقه نتيجة إصابته بجرح أثناء ممارسة التزلج على الأمواج، ومن الشائع في آسيا أن شهادة التأمين الصحي لا تغطي تكلفة العلاج لمثل هذه الأمور.

زيادة مستمرة

من الصعب معرفة عدد "الرقميين الرحل" بالضبط الذين يعملون في أوبود. فالسكان العابرون من الصعب إحصاؤهم، وإحصاءات الهجرة لا تساعد كثيراً في معرفة ذلك العدد.

Image caption دانيال كريستيانتو، أندونيسي يعمل في مجال تحليل البيانات، عاد للعمل في أوبود بعد قضاء عدة سنوات في سياتل بالولايات المتحدة

إلى جانب ذلك، لا يوجد تعريف متفق عليه للشباب "الرقميين". هل يمكن حساب أو اعتبار من يحضر اللاب توب الخاص به في رحلة أثناء عطلة نهاية السبوع قادماً من سنغافورة، على أنه من هؤلاء الرحل، أم أن الأمر يتطلب التزاماً ومداومة أكثر، حتى يحتسب الشخص من عدد الرقميين الرحل في البلدة؟

لكن وفقا لسوق تقديم الخدمات، فإن أعدادهم في تزايد مستمر. وهناك نحو عشرة مراكز عمل مجهزة في البلدة حاليا يمكن لهؤلاء العمل منها.

هذا الوضع جزء من توجه عالمي أكبر. فالعمل بنظام التوظيف الذاتي في بريطانيا مثلا ازداد من 3.8 مليون عام 2008 إلى 4.6 مليون عام 2015، بينما توصلت دراسة حديثة إلى أن ثلث القوة العاملة الأمريكية تقريباً تعمل في وظائف جزئية وبطريقة عدم التفرغ، (رغم وجود آخرين يشككون في صحة هذه المزاعم).

وتوصلت شركة الاستطلاعات الأمريكية جالوب إلى أنه ما بين 2012 و 2016 ازداد عدد الموظفين الذين يعملون من خارج المكاتب على الأقل لجزء من أوقاتهم من 39 في المئة، إلى 43 في المئة، وأن الوقت الذي يمضيه الموظفون في العمل بعيداً عن المكاتب قد ازداد. فرخص أسعار تذاكر الطيران وإمكانية التواصل بطرق أسهل وأسرع، تجعل من الممكن القيام بالعمل من مكان بعيد عن المكتب.

وبينما يقول كثيرون إن أسلوب الحياة في أوبود يجعلهم أكثر إنتاجية، فالأمر ليس كذلك بالنسبة للجميع. فبالنسبة للبعض، هناك ميل شديد للعطلة المعتادة وليس عطلة نهاية الأسبوع. فهنا كثير من الأمور التي تشتت الإنتباه والتركيز.

وهناك بعض الناس لا يملكون الانضباط اللازم للتركيز على العمل وإنجاز المهام. يقول ديفيد أبراهام، الذي يعمل من مركز العمل المشترك "أوتبوست أوبود" بشكل منتظم: "أسوأ ما يمكن أن يقع هو أن يأتي شخص هنا ولديه عطلة لمدة أسبوعين. هؤلاء أناس لديهم وظائفهم، أو أنهم كذلك زبائن لشركات ومؤسسات أخرى".

ويقول توم هيكمان، وهو يعمل هنا منذ ثلاث سنوات، إن العديد من الناس واجهوا صعوبات في التركيز في عملهم. وقد عانى هو أيضاً في بداية وصوله إلى هنا. ويضيف: "الأمر يشبه الزواج. أكثر الناس يقولون إن هناك فترة شهر عسل لمدة ثلاثة شهور يكون فيها كل ما يحيط بك مثيراً حقاً، بداية من الحياة الجديدة، والمكان الجديد، والأشخاص الجدد".

Image caption تنتشر الأعمال الفنية والتماثيل ذات الألوان الزاهية في أماكن متفرقة من بلدة أوبود

الفقاعة

وصل دانيال كريستيانتو، وهو أندونيسي يعمل في مجال تحليل البيانات، لتوه إلى أوبود بعد قضاء عدة سنوات في سياتل بالولايات المتحدة للعمل والدراسة. وقد عاد إلى أندونيسيا، وهو يستمتع بإقامته في أوبود حتى الآن، ويقول: "أشعر بطاقة أكبر هنا، وأنجز أشياء كثيرة، رغم كل الصعوبات".

ولم يفهم كريستيانتو أبداً سبب افتتان أصدقائه الأمريكيين بالبلدة. فدائماً ما عرفت أوبود بأنها فقاعة سياحية أنشئت في الأساس لجذب الغربيين. رغم ذلك، شعر ببعض الدهشة لعدم عثوره على بعض الأطباق الأندونيسية المفضلة لديه في مطاعم البلدة.

لقد كان من العسير عليه أن يعمل من بلدته الأصلية في جافا الوسطى لأن شبكة الإنترنت غير مستقرة. والخيار الآخر لديه كان جاكرتا، لكن الازدحام المروري في شوارعها لم يجعلها وجهة جاذبة له.

وهو يعمل في مجال متخصص، ولا يعتقد أنه سيقيم هنا للأبد. وهناك تكلفة للبقاء خارج المكتب أو مكان العمل. ويقول إنه لا يتطور من ناحية مهنية ويفقد فرصاً للعمل في مجال البرمجة كان سيحظى بها لو أنه أقام في سياتل مثلا.

ويضيف: "في مقابل الإقامة هنا، فقدت التواصل مع تلك الأجواء، ومع أولئك المتخصصين في هذا المجال. أشعر بأنني مستبعد".

"جنة" الأسعار

أوبود هي المكان المثالي لمن يعرفون بالرقميين الرُحل، من عدة نواح. فهي مكان جذاب وعملي يتمتع ببنية تحتية على مستوى عال من الجودة، يمكن الذين يعملون عن بعد من إنجاز أعمالهم.

والبلدة أكثر تكلفة بكثير من دينباسار الواقعة على امتداد الطريق. وهي أيضاً أكثر راحة ويستطيع معظم الذين يتلقون رواتب غربية تحمل تكلفة الحياة فيها.

موقع نومادليست الالكتروني، والذي يراقب الأسعار والتسهيلات المتوفرة في عدة مدن لخدمة مثل هؤلاء الرقميين الرُحل، يقول إن المعيشة في أوبود تكلف أكثر من 1000 دولار بقليل. وهذا يشكل حوالي نصف تكلفة المعيشة في مدن متوسطة المستوى في أوروبا، أو الولايات المتحدة، وأقل من ثلث المعيشة في نيويورك.

Image caption تتميز أوبود بطقس معتدل وجميل، يجذب الكثير من السياح وأصحاب الأعمال الحرة

إنه أسلوب معيشة مريح، لكن من بعض الجوانب يصعب تجنبه. ويقر الكثيرون بأنه من الصعب الخروج من فقاعة العمالة الوافدة. فالحياة بجوار ثقافة معينة تختلف عن فهم هذه الثقافة.

الطقوس الدينية الهندوسية لا تتوقف هنا. فالمعابد تُزين باستمرار للمهرجانات الدينية وحفلات الأعراس.

لقد اعتاد سكان جزيرة بالي على وجود الغربيين، الذين يزورون بلادهم منذ عشرات السنين. فجزيرة بالي مكان مرحب بزواره بكل المعايير، ويشعر فيه الزائر بالراحة.

لكن قدراً من عدم الارتياح واضح من اللافتات الموضوعة على أبواب المعابد، مكتوبة باللغة الإنجليزية، تطالب الغربيين بالاحتشام في ملابسهم.

التجربة المحلية

غالبية السكان المحليين يعيشون حياة عملية مختلفة بشكل كبير عن حياة الرقميين الرحل.

بعض الإندونيسيين يعملون جنباً إلى جنب مع الغربيين في أماكن العمل المشتركة في البلدة. كما أن هناك من يعتمدون في كسب قوتهم على أموال السياح.

ويقيم في أوبود أعداد من سائقي الزلاجات وسائقي التاكسي والمرشدين السياحيين، كما أن صالونات التدليك أكثر مما يبدو أن مدينة بحجمها يمكن أن تستوعبه.

وأسهمت السياحة في وجود فنادق فارهة وعلامات تجارية غربية مثل ستاربكس. كما متجر "أرتيسينال بوتشر" المحلي لن يكون غريباً، إذ أن أوبود بالتأكيد ليست بلداً لم يتم اكتشافه.

لكن خارج البلدة، الأمور مختلفة، فالمنطقة المحيطة بها تصبح أكثر تقليدية، وذات طابع ريفي. حيث يوجد مزارعون، ومتاجر صغيرة، وعدد مدهش من العاملين في قطع الحجارة، الذين يشحنون الصخور البركانية لتزويد معابد البلدة بها.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel

المزيد حول هذه القصة