كريت: الجزيرة التي هزمت النازيين وغيرت مسار الحرب العالمية الثانية

الجزيرة التي هزمت النازيين وغيرت مسار الحرب العالمية الثانية مصدر الصورة Getty Images

تسببت المقاومة الشديدة التي واجهها الجنود الألمان في جزيرة كريت اليونانية بضرر بالغ لمعنويات الجيش الألماني ويرجح أنها كانت السبب الرئيسي في إخفاق هتلر في اجتياح الاتحاد السوفيتي خلال الحرب العالمية الثانية.

توقفت سيارتنا في طريق مُغبر مجاور لحقل من أشجار الزيتون. وترجل مرشدي في تلك الرحلة، ستيليوس تريباليتاكيس، وبدأ يهرول بين جذوع أشجار الزيتون متوقفاً بعد كل مترين تقريبا ليتفحص أشياء لاحظ وجودها على الأرض. مشيت خلفه وأنا أحاول جاهدة تحمل حرارة الطقس الحارقة في جزيرة كريت.

وقال وهو يتفحص قطعة حديد يعلوها الصدأ: "إنها مجرد قطعة من السياج".

ويعد تريباليتاكيس، البالغ من العمر 35 عاماً، واحدا من بين الكثيرين في جزيرة كريت الذين يبحثون عن كنوز تعود إلى الحرب العالمية، مخصصاً ساعات كاملة يوميا للبحث في الجزيرة عن أي قطع عسكرية تركها الجنود عندما اجتاح النازيون الجزيرة إبان الحرب العالمية الثانية.

وتمكن على مدار العقدين السابقين من جمع حوالي 40 ألف قطعة من هذه الآثار، محولاً غرفة نومه إلى متحف مؤقت. وقد أخبرني تريباليتاكيس بينما كنا نبحث عن مزيد من القطع الأثرية لإضافتها إلى مجموعته أن حوالي 70 عسكرياً ألمانياً قُتلوا على أيدي القرويين المحليين ودُفنوا في هذه الأرض الزراعية التي لا يلقي لها أحد بالاً.

ورغم أن جثامينهم قد نُقلت إلى مقبرة رسمية في قرية ملامي القريبة خلال الستينات من القرن الماضي، فإن الكثير من الأمتعة الشخصية مثل الخوذ والسكاكين العسكرية تركت خلفهم.

وقال تريباليتاكيس: "هذه الأرض قد نُظفت على يد المزارع الذي يملكها في الآونة الأخيرة، لذلك ربما أعثر على شيء جديد".

مصدر الصورة Louiza Vradi
Image caption خصص ستيليون تريباليتاكيس معظم وقته لتمشيط جزيرة كريت بحثاً عن آثار ومقتنيات عسكرية تعود للحرب العالمية الثانية

وتقع جزيرة كريت في مكان استراتيجي جعلها مطمعا للعديد من الغزاة، بما في ذلك سكان مدينة البندقية والعثمانيين، وحتى النازيين. وقد ركز الجيش الألماني بقيادة هتلر أنظاره على كريت في مايو/آيار عام 1941 بعد احتلاله لليونان قبل ذلك بشهر واحد، مستخدما قوات المظلات والطائرات الشراعية.

وانضم سكان كريت إلى 40 ألف من القوات البريطانية واليونانية والأسترالية والنيوزيلاندية في الدفاع عن الجزيرة. لكن القوات المشتركة أساءت تقدير الهجوم، فبعد قتال استمر ثمانية أيام سقطت كريت في أيدي الألمان، ما دفع قوات الحلفاء إلى الانسحاب.

ولما شعر سكان كريت بأن الحلفاء تخلوا عنهم، خرجوا من منازلهم وواصلوا تحديهم للقوات الألمانية مستخدمين كل ما وصل إلي أيديهم من سلاح. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يواجه فيها الألمان مقاومة شرسة من سكان محليين. وينسب الفضل للمقاومة الكريتية في تأخير الاجتياح النازي للاتحاد السوفيتي واضطرار الألمان لخفض عدد القوات المتجهة للقيام بمهام عسكرية في أقريقيا والشرق الأوسط.

ورغم الهجمات المتكررة من الألمان على القرى والسكان المحليين، ظلت المقاومة الكريتية مستمرة حتى استسلم الألمان بعد ذلك بأربع سنوات عام 1945. وقد رسمت هذه الحقبة التاريخية بشكل كبير معالم الهوية الكريتية، وقال تريباليتاكيس إن "كريت حررت نفسها بنفسها، وقاتل كل فرد من سكانها من أجل حريته".

وتقع بلدة غالاتاس التي ينحدر منها تريباليتاكيس قرب مدينة رئيسية هي تشانيا على الساحل الشمالي الغربي للجزيرة، واحتلها الألمان في سادس يوم من اندلاع القتال. يقول تريباليتاكيس: "عندما كنت في الثانية عشرة من عمري أصدرت بلدية غالاتاس مجلة صغيرة عن المعركة ووزعتها مجاناً على كافة طلاب المدارس. لقد كنت معجبا بها للغاية".

ويولي تريباليتاكيس اهتماما كبيرا ببقايا العمليات العسكرية في الجزيرة، ويقول عن ذلك: "كل شخص لديه قطع أثرية من زمن الحرب. لم يكن لدى سكان كريت الكثير من أدوات القتال، لذا استخدموا كل ما وصل إلى إيديهم للدفاع عن الجزيرة."

وبدأ سكان كريت يعملون على إعادة بناء منازلهم، فكانوا يشيدون السياج من براميل البارود، والأسطح من قطع الطائرات، واستخدموا الخوذ العسكرية كأحواض لزراعة الزهور. ويمكن رؤية ذلك حتى الآن في بعض القرى النائية.

يقول تريباليتاكيس: "لقد أدركت، عندما كنت صغير السن، أن هذه الأشياء لا بد من الاحتفاظ بها، لأنها تتعرض للتلف والإهمال بمرور الوقت. ومن المهم أن تتعرف الأجيال الجديدة على تاريخنا. وإذا لم نساعد الأجيال الناشئة على رؤية هذه الأشياء فلن يتعلموا شيئاً عن التاريخ".

مصدر الصورة Louiza Vradi
Image caption يمكن الحصول على موعد مسبق لرؤية مجموعة تريباليتاكيس التي تحوي أكثر من 40 ألف قطعة أثرية

وبدأ تريباليتاكيس رحلته البحثية الأولى عام 1999، حيث جمع قطعاً من حطام طائرة ألمانية في جزيرة صغيرة قريبة من ساحل غالاتاس. ومنذ ذلك الوقت، يواصل البحث في كل أرجاء جزيرة كريت.

يقول تريباليتاكيس: "أحياناً أذهب مرة أو مرتين في الأسبوع، وأحياناً أربع مرات، وأحياناً أخرى أبحث لعدة ساعات فقط. إذا كنت أنوي الذهاب إلى الجبال فإنني أحمل معي غطاء للنوم وطعاماً وماءً وأمكث هناك بضعة أيام".

وتعلم تريباليتاكيس كيف يمكث طويلاً في الغوص تحت الماء، ويقول عن ذلك: "إنه لشيء رائع أن تشعر وكأنك تحلق فوق حطام طائرة". وبسبب تعدد وكثرة المواقع الأثرية في كريت، يتعين على جامعي الآثار الحصول على تصاريح من السلطات لاستعمال أجهزة الكشف عن المعادن، لكن تريباليتاكيس يفضل البحث باستخدام عينيه ويديه فحسب.

لكن الحظ لم يحالفنا في ذلك اليوم، حيث لم نعثر على أي آثار في بحثنا الشامل في بستان الزيتون، لهذا عدنا بالسيارة مسافة 10 كيلومترات إلى غالاتاس لإلقاء نظرة على متحفه.

دخلت الشقة التي يعيش فيها مع كل من أبيه وخطيبته، ورأيت أربعة جدران تعلوها أرفف من الأرض حتى السقف وتعج بكل تذكار يمكن تخيله، بدءا من البنادق مرورا بمعدات الطبخ ووصولا إلى دمى لخياطات ملابس ملفوفة بالأزياء الألمانية والبريطانية. وكان هناك أيضا قطع من طائرات شراعية وأجزاء من بنادق نصف آلية فاضت بها الشقة فوضعت خارجها في الممر.

وقال تريباليتاكيس وهو يلتقط وعاء معدنياً حصل عليه من جامع آثار آخر في اليوم السابق مقابل 100 يورو، وشرع في إزالة الصدأ عنه: "لدي كل شيء، لكن لا زالت هناك أشياء أريدها مثل المزيد من الدراجات النارية".

مصدر الصورة Louiza Vradi
Image caption ستيليوس تريباليتاكيس يكدس مجموعة من أكثر من 40 ألف قطعة آثار تركت في كريت بعد الحرب العالمية الثانية

ويوجد حالياً 50 جامع آثار في تشانيا وحدها، من بينهم 10 حولوا منازلهم إلى متاحف غير رسمية. ويمكن العثور على مجموعات أخرى من الآثار في قرية أسكيفو في منطقة سفاكيا، وقريتي سوماتاس وأتيسبوبولو جنوب ريثيمنو.

ورغم أن جامعي الآثار لم يعيشوا في فترة الحرب، فإنهم يخصصون وقتا كبيرا للحفاظ على قصص الناجين وأبطال المقاومة الكريتية. يقول تريباليتاكيس: "أحياناً يكون هناك شكل من أشكال المنافسة، لكن في الغالب يسود بيننا التعاون".

وأضاف: "نقيم معارض معا، أو أحياناً نتبادل الأشياء أو نخرج للبحث عن الآثار في مجموعات".

أما أكثر القطع الأثرية قيمةً في مجموعة تريباليتاكيس فهي معدات هبوط من طائرة بروستر بوفالو أمريكية الصنع، التي لم يرسل منها إلى اليونان إلا ثلاث طائرات فقط. يقول تريباليتاكيس: "عثرت عليها في البحر على عمق 100 متر مدفونة تحت الرمال، وتطلب استخراجها خمسة أيام". وقد عرض عليه جامع آخر للآثار مبلغ عشرة آلاف يورو لشرائها لكنه رفض بيعها.

مصدر الصورة Louiza Vradi
Image caption يقول تريباليتاكيس: "أدركت أن هذه الأشياء ينبغي أن يحافظ عليها من الضياع، لأنه مع مرور الزمن تتعرض للتلف والإهمال"

وقال تريباليتاكيس: "عثرت على جثة جندي نيوزيلندي قبل ثماني شنوات. أرشدني إليه جهاز الكشف عن المعادن بسبب الذخيرة التي كانت ما تزال على الجثمان. أعتقد أن زملاءه قد دفنوه في قبر غير عميق. لقد كان اكتشافه بمثابة صدمة لي، لكنني عملياً شعرت بالسعادة للعثور عليه، لأنني عرفت أنه يمكن أن يدفن بالشكل الذي يستحقه".

ومن ثم اتصل تريباليتاكيس بالشرطة التي أخذت الجثمان لإجراء فحص الحمض النووي. ومنذ ذلك الوقت، يحاول تريباليتاكيس جاهداً معرفة هوية الرجل، ويقول: "راجعت أسماء جميع الأفواج العسكرية وحصرتها في 20 اسماً ممن لا يزالون مفقودين".

ويقول تريباليتاكيس إن تكلفة الوقود الذي استخدمه في رحلاته الاستكشافية تصل لنحو 50 ألف يورو، كما أنفق 30 ألف يورو أخرى في شراء قطع أثرية من آخرين. واعترف تريباليتاكيس بأن والده قد ضاق ذرعاً بتحويل الشقة إلى متحف، لكنه يصر على أنه لن يبيع القطع التي جمعها ويقول: "حتى لو عرض علي مقابلها ثروة كبيرة".

ويخطط تريباليتاكيس للبحث عن مكان لتحويله إلى ما يشبه المتحف الرسمي، ويقول: "لا يمكننا أن ندع الناس ينسون التاريخ، فنحن نحافظ عليه من خلال هذه القطع الأثرية".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel

-----------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة