فيلم "الإنسان الأول": أسرار رحلة أول رجل يمشي على سطح القمر

رايان غوزلينغ يلعب دور البطولة في الفيلم الجديد عن قصة حياة رائد الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونغ مصدر الصورة Universal Pictures

يؤدي رايان غوزلينغ دور البطولة في فيلم جديد عن قصة حياة رائد الفضاء الأمريكي، نيل أرمسترونغ، الذي عرض في افتتاح مهرجان البندقية السينمائي 2018.

قصة حياة نيل أرمسترونغ، أول إنسان يطأ سطح القمر، تختلط فيها الشجاعة المبهرة، بالمأساة، وبالفوز مما يجعلها بالطبع مرشحة لأن تكون مادة خصبة لفيلم من أفلام المدرسة التقليدية لهوليوود، من خطب آسرة، وموسيقى قوية وأفكار نبيلة. ولكن الفيلم، الذي حمل اسم "الإنسان الأول"، لم يسر على شاكلة تلك الأفلام.

فالفيلم من إخراج دميان شازيل (مخرج لا لا لاند) وسيناريو جوش سينغر (سبوت لايت) اعتمد البساطة كصاروخ غايته الإفلات من جاذبية الأرض بالتخلص من كل ثقل غير مطلوب.

فالحوار عند حده الأدنى، ولا مكان لخلفية تشرح مجريات الفيلم، فيما اكتفى الفيلم بالشخصيات الأساسية، حتى الرائد باز ألدرين (أدى دوره كوري سترول) الذي خطا إلى جانب أرمسترونغ خطواتهما الأولى على القمر بالكاد يظهر في الفيلم، ومايك كولينز (لوكاس هاس) الذي قاد المركبة المدارية لا يكاد يظهر إطلاقا.

ولا يأتي الفيلم على ذكر بطولات أرمسترونغ خلال الحرب الكورية، أما الخلفية السياسية لسباق الفضاء التي دفعت ببرنامج أبولو للمقدمة فتظل مجرد خلفية. ومع اقتضاب الفيلم، يجذب "الإنسان الأول" المشاهد بقوة لاعتماده على دراسة متأنية جعلته واقعيا للغاية، بل ويبهر المشاهد ويأجج مشاعره لدرجة البكاء.

والفيلم مقتضب كاقتضاب أرمسترونغ نفسه، يؤديه رايان غوزلين، أبرع الممثلين جمودا على الساحة، والمناسب تماما للتعبير عن الرائد الطيار متقد الذكاء والمهارة الضابط لمشاعره لأبعد حد، سواء بينما يتأرجح في الهواء على متن طائرته، أو يحتسي الجعة في مطبخ بيته، والذي حين يتحدث إلى صغاره يبدو كمن يدلي بمؤتمر صحفي، وحين يتحدث بمؤتمر صحفي يبدو كمن يقاوم الاستجواب على أيدي مخابرات العدو.

وأرمسترونغ زوج يشاطر زوجته جانيت حياة هانئة (تؤدي دورها كلير فوي - وهي ممثلة أخرى تعبر بنظرة واحدة حادة أكثر من أغلب الممثلين ولو أفردت لهم ثلاث صفحات حوارية) ولا تعتمد سعادتهما على فرط التعبير أو الكلام، بل يقضيان جل أوقاتهما داخل منشآت تابعة لوكالة الفضاء والطيران الأمريكية.

وربما هذا الثبات الأقرب إلى الجمود هو تماما ما جعل أرمسترونغ الأنجح لمهمة استكشاف القمر.

والفيلم يتتبع رائده في فترة الستينيات من القرن الماضي، خلال برنامج "جيميناي" المكلف بوضع مركبتي فضاء في مداريهما، وحتى برنامج أبولو الهادف للوصول إلى القمر، معبرا بزخم هائل عن الضغط والخطورة المتمثلة في اختبار مركبة هي الأولى من نوعها.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption أدت الممثلة كلير فوي ببراعة دور زوجة أرمسترونغ في هذا الفيلم

يزج بالرواد في مساحات ضيقة تحيط بهم مسطحات معدنية حادة تربطهم إلى مقاعدهم أحزمة أمان أشبه بالتي يتعرض لها ركاب طائرات الرحلات الرخيصة، ولا يكاد يظهر الفيلم الرؤية الكاملة لداخل طائرة أو صاروخ، بل يركز المخرج على مشاطرة المشاهِد قمرة القيادة إلى جوار أرمسترونغ وهو ينطلق بين السحاب.

ويؤثر المصور لايناس ساندغرين المشاهد شديدة القرب حتى ترى تجاعيد الوجه وتفاصيله، أما مسؤول الصوت آي-لينغ لي فيحبذ الانتقال المفاجئ من الصمت إلى الصخب، مما يعزز التوتر حتى تبدو أكثر الرحلات اعتيادا كالوجود داخل أحد أدراج خزانة مكتب تتهاوى فوق منحدر جبلي، بينما يعصف الرعد بالخارج!

تلك الرحلات التجريبية ليست مزعجة فحسب بل تؤدي أحيانا إلى الوفاة، والفيلم يشهد جنازتين بينما نعلم أن عدة جنازات أخرى جرت خارج المشهد وكأنه يحذر المشاهد ألا يتعلق بأي من الشخصيات حتى لا يصدم لفقدها فجأة.

وحينما يصل برنامج أبولو إلى مرحلة الإقدام على الهبوط على سطح القمر، يقع الاختيار على أرمسترونغ كقائد ليس فقط لرباطة جأشه وصواب قراراته، بل أيضا لأنه لم يبق على قيد الحياة كثيرون من الرواد المتمكنين.

ويدرك المشاهد مدى فداحة تلك التضحيات وهي التضحيات التي يمر بها الفيلم مرور الكرام، وكذلك يفعل أرمسترونغ.

وربما ظن المشاهد أنه كان أحرى بالفيلم أن يفسح المجال للمشاعر الفياضة مع كل مأساة، لكن "الإنسان الأول" يهرع بين الحدث والآخر بسرعة فائقة وتركيز بالغ.

ورغم أن الفيلم لا يقف طويلا أمام المجازفات التي يتخذها أرمسترونغ، يبقي تسلسل الأحداث المشاهد في توتر شبه دائم.

ويظهر أرمسترونغ وزوجته في توتر دائم أيضا، فهما يدركان أنه سيواصل البرنامج ولو كان في ذلك نهايته، وهو إدراك ضمني دون أن يتفوه أحدهما بكلمة في هذا الصدد.

فسنوات من الجسارة ومجابهة الصعاب خلف الكواليس جديرة بتحريك المشاعر أكثر من مشاهد الشد والجذب والدموع والبكاء والمصالحة بين الزوجين، والتي كان يمكن أن تتخلل مشاهد مختلفة من الفيلم.

وفي الأغلب لن يحظ غوزلينغ ولا فوي بجوائز عن أدائهما المميز في "الإنسان الأول" لأن الأداء لا يعتمد على الإبهار، ولكنه أداء جدير في جوهره بأي جائزة لبراعته الفائقة في الإطار الذي وضع فيه.

وما ينطبق على أداء البطلين ينطبق أيضا على الفيلم ككل، كونه عملا فنيا من الطراز الأول.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture

المزيد حول هذه القصة