هل تنجح ناتالي بورتمان في أحدث أدوارها في "فوكس لوكس"؟

الممثلة ناتالي بورتمان مصدر الصورة NEON

جاء الدور الجديد لناتالي بورتمان في فيلم "فوكس لوكس" ليجمع بين "جزء من المغني ديفيد باوي، وجزء من المغنية ليدي غاغا"، فقد ظهرت بورتمان "مفعمة بالحيوية ومتألقة.. وسطحية أيضا!"ن كما تقول الناقدة السينمائية كارين جيمس.

ظهرت ناتالي بورتمان كمغنية بوب تضع حبات الزينة الصغيرة فضية اللون على حاجبها لتخطف الأضواء، متشبهة من ناحية بمغني البوب ديفيد باوي، ومن ناحية أخرى بالمغنية ليدي غاغا.

وبذلك كانت بورتمان الصورة الأشد تألقا لفيلم "فوكس لوكس"، ومحور قصته - لكن الدور الذي أدته كأخت مراهقة تحمل اسم "سيلست" ثم كأم، يشبه سرابا اختفى في النصف الثاني من الفيلم الذي أخرجه برادي كوربيه، بعد أن كان قد وعد المشاهد ببداية قوية في نصفه الأول!

تتحول البطلة "سيلست" من ضحية إطلاق نار بالمدرسة الثانوية عام 1999 إلى نجمة متألقة تلاحقها الكاميرات، وإلى شخصية مأساوية في عام 2017؛ في محاولة لربط الفيلم بالتيارات العنيفة والصاخبة التي شهدها عالمنا مؤخرا، والتعرض للصلة بين ثقافة البوب والشهرة من ناحية، والمأساة الاجتماعية من ناحية أخرى.

والنتيجة هي عمل فني طامح لأبعد حد، غير موفق أحيانا، ومثير بشكل جنوني بسبب سعة أفقه في أحيان أخرى!

يبدأ الفيلم بواقعية شديدة: سماء رمادية تعلو شارعا بأحد الأحياء العمالية، وأضواء الميلاد في النوافذ والأعلام الأمريكية في البيوت. يخبرنا الراوي، بصوت ويليم دفو، أن "سيلست" في الثالثة عشرة من عمرها، وهو الراوي الذي يحدثنا بين الحين والآخر خلال الفيلم بحيادية عن تطور حياة البطلة وعلاقة ذلك بما يسري من تيارات في المجتمع حولها.

أدت رافي كاسيدي دور "سيلست" الصغيرة بمزيج رائع من الخجل الجميل والمشاعر الغضة بينما داهم مدرستها أحد الرفاق متشحا بالسواد وحاملا سلاحا ناريا، ليضعنا المخرج معها في الصف في مشهد مخيف يصعب على المشاهد الخروج منه، بينما يتساقط القتلى وتتناثر الدماء في كل مكان.

مصدر الصورة Stefania D'Alessandro
Image caption يعد فيلم "فوكس لوكس" ثاني تجربة إخراج لبرادي كوربيه

تصاب "سيلست" في عمودها الفقري، فتكتب بمساعدة شقيقتها الكبرى صاحبة الموهبة الموسيقية الأكبر "إلينور" (مثلتها ستيسي مارتن)، أغنية تعبر عما بها من ألم، وتؤديها بحفل تأبين الضحايا.

والأغنية تلمس بكلمات بسيطة مشاعر أعمق كعادة المغنية الأسترالية سيا التي ألفتها، واختار كوربيه لها موسيقى تفعِّل أفكاره، كما أن سيا شاركت أيضا، فضلا عن تأليفها للأغاني التي أداها الممثلون، في إنتاج الفيلم، وعبرت موسيقاه المصاحبة، من تأليف سكوت ووكر، بنغمات بسيطة عن واقع قاتم.

يعلق الراوي بأن أولى أغنيات سيلست "جسدت ما شعرت به البلاد من ألم" مضيفا بشيء من التهكم أنها لاقت أيضا نجاحا منقطع النظير! ولا يخفى على المشاهد تلميح الفيلم إلى سهولة أن تطغى الشهرة على صدق القلب.

يلعب جود لو في الفيلم دور مدير أعمال، لا ذكر لاسمه، يقود "سيلست" على سلم الشهرة بخطوات حازمة لإنجاحها وإن بدا غير مكترث بمعاناتها.

وفي نيويورك تنفتح الأبواب على مصراعيها للشقيقتين "سيلست" و"إلينور" لتتصدرا المشهد الموسيقي، ليتخلى المخرج عن واقعية الفيلم السابقة ويأتي متخبطا.

يبدأ الفيلم التأرجح بين التلميح والتصريح، إذ تصف "سيلست" حلما ترى نفسها فيه في نفق، وسرعان ما يتجسد في ذلك الحلم في أحد أغانيها من وحي مخاوفها، لكن التعبير هنا ضحل، وأسلوب التقريب بالكاميرا والتصوير بالألوان الزاهية مستهلك.

و"فوكس لوكس" هو ثاني أفلام كوربيه كمخرج بعد أن تحول من التمثيل إلى الكتابة والإخراج، وفيلمه الأول "طفولة زعيم" (2015) يبدأ أيضا بشخصية في طفولتها كصبي في مطلع القرن العشرين يكبر ليصبح دكتاتورا فاشيا.

ولكن حين يحاول كوربيه ربط بلوغ "سيلست" بهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الإرهابية عام 2001 وتعليق الراوي بأن البطلة فقدت براءتها كما الولايات المتحدة، يفترض بذلك قدرا من السذاجة وربما الإقحام.

أما تجربة تعرضها لحادث إطلاق النار في المدرسة فأوقع، فقد شهدت الحادث بنفسها وهو أكثر من مجرد معاصرة حدث ضخم دون الانخراط مباشرة فيه.

من الماضي إلى الحاضر

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تؤدي بورتمان دورها في هذا الفيلم بحيوية وتألق بمساعدة كبيرة من المكياج والأزياء، كما تقول كارين جيمس

ثم يسترجع الفيلم منحاه القوي حين يقفز بذكاء لعام 2017. تظهر بورتمان في دور "سيلست" في الحادية والثلاثين من عمرها، وسرعان ما نرى آثار الشهرة التي جعلتها أضحوكة خاوية مفتعلة كافتعالها لهجة ستاتن أيلاند العمالية التي لا تمت لطفولتها بصلة، وباتت الآن تستخدمها في حياتها سواء أمام الكواليس أو خلفها، حتى لم يعد بالإمكان التفريق بين شخصيتها العامة والخاصة ومعرفة حقيقتها.

يتماشى تصوير الفيلم في مراحله المختلفة مع البطلة، ففي 2017 تجدها تتنقل بين فندق وآخر تحت أضواء الفلورسنت المبهرة تحتسي الخمر وتتعاطى المخدرات، ولديها ابنة مراهقة "ألبرتين" تلعب دورها كاسيدي التي سبق ولعبت دور "سيلست" الصغيرة في اختيار سديد، لكن الصغيرة هذه المرة تفتحت مداركها الجنسية قبل الأوان وباتت تمقت والدتها.

تعكس "سيلست" كافة أعراض النجومية من الانغماس في الذات والصياح الغاضب في مساعديها، والشكوى من أن "ألبرتين" لا تحبها وتفضل عليها خالتها "إلينور" دون أن تنظر إلى نفسها باعتبارها السبب في ذلك.

وتؤدي بورتمان الدور بحيوية وتألق بمساعدة كبيرة من المكياج والأزياء، وتفتقر للعمق لأن "سيلست" لم تعد تبدو شخصية تحمل أكثر من ظاهرها، إذ باعت كل شيء مقابل قشرة براقة.

ولفرط نجومية "سيلست" وعالميتها يلبس إرهابيون في كرواتيا، دون سبب وجيه، أقنعة ظهرت في أحد فيديوهاتها، ولكن كوربيه يستغل بذكاء الصلة بين "سيلست" والهجوم الإرهابي - وهي صلة واقعية واعتباطية - لا لينحي باللوم بل ليعبر عن مدى تغلغل العنف في المجتمع.

يسدل الفيلم الستار بمشاهد ضخمة لحفل موسيقي تنقل الكاميرا أغلبها من على المسرح حيث "سيلست"، والموسيقى من نوع التكنو-بوب بينما تغني بورتمان عن الشهرة يحيطها الراقصون بأداء مكرر كأنه انعكاس حقيقي لما آلت إليه: إبهار وأضواء وبعض من سأم.

ويقول الراوي إن "سيلست" بدت وكأنها باعت نفسها للشيطان، وكان يمكن أن يسهب الفيلم أكثر في التعبير عن ذلك، ولكن يبدو أنه تأثر بتفاهة الشخصية أكثر من قدرته على التعبير عنها.

ومع ذلك يعبر الفيلم عن إمكانات كوربيه كمخرج، فقد نجح حتى في أكثر لحظات الفيلم سآمة أن يعكس جراءة وخيالا قويا.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture

المزيد حول هذه القصة