"ماري ملكة الاسكتلنديين" في دور العرض البريطانية

مشهد من فيلم "ماري ملكة الاسكتلنديين" مصدر الصورة Focus Featurs

بعد وقت قصير من بدء أحداث فيلم "ماري ملكة الاسكتلنديين"، نرى ماري التي تقوم بدورها الممثلة سيرشا رونان وهي تصل إلى اسكتلندا قادمة من فرنسا على متن قارب يتحرك بالمجاديف، وذلك بعد أن قضت في البحر ساعات أو أياما لا يعلمها إلا الله.

ورغم ذلك، فقد بدت بردائها الأنيق الخالي من أي عيب أو تجاعيد، وبتصفيفة شعرها الرائعة التي جعلته يأخذ شكل المضرب المُستخدم في لعبة تنس الطاولة، كأنها نزلت للتو من سيارة ليموزين في طريقها لحضور الحفل السنوي المخصص لجمع التبرعات لصالح معهد فنون الأزياء التابع لمتحف متروبوليتان للفنون في نيويورك.

مشهدٌ مثل هذا يكشف عن طبيعة الفيلم وطرازه، لا سيما أن الأمر لا يقتصر على ماري؛ فالسيدات الأربع اللواتي كُنّ ينتظرنها - وكلهن يحملن نفس اسمها رغم أن السيناريو لا يذكر ذلك - بدا أنهن جاهزات على الدوام لأن يصبحن نجماتٍ لأغلفة المجلات من فرط أناقتهن. أما الرجال فالغالبية منهم ارتدوا سترات جلدية بلا أكمام متماثلة وسوداء اللون مثل أبطال سلسلة أفلام "إكس-مِن" (رجال - إكس).

بل إن الأخ نصف الشقيق لماري - الذي أدى دوره جيمس ماكاردل - وضع مساحيق تجميل ثقيلة فوق عينيْه. في الوقت نفسه، ظهر دافيد تينانت في شخصية جون نوكس بلحيةٍ كثة بشكل هائلٍ وعلى رأسه قبعةٌ مسطحةٌ ذات مستويين، وكأنه يحاول إثبات أنه كان أجدر من جود لو بتجسيد شخصية "ألبس دمبلدور" الشاب، في سلسلة أفلام "هاري بوتر".

ورغم أن كل ما سبق يتماشى للغاية مع أحدث الصيحات السينمائية؛ بوصفه أسلوباً يستهدف إسباغ طابعٍ عصريٍ على الفيلم، فإن المظهرية والاستعراض غلبتا عليه وجعلت نتيجته لا تعدو إضفاء مزيدٍ من السخف على عمل سخيف من الأصل.

ومع أن تقديم فيلمٍ تاريخيٍ بريطانيٍ تتقاسم بطولته ممثلتان مرشحتان لنيل جائزة الأوسكار وتجسدان فيه شخصيتيْ ملكتيْن من القرن السادس عشر يشكل إنتاجاً مهماً ومهيباً عادةً ما يحرز مكاسب لا يُستهان بها في موسم الجوائز السينمائية، فإن هذا العمل الذي يشكل حالةً فوضويةً مبهرجةً وسطحيةً، ولكنها مُعدةٌ بعنايةٍ في الوقت نفسه، لن يفوز بالكثير، اللهم إلا في فئاتٍ متعلقة بالأزياء وتصفيف الشعر والتجميل "المكياج".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption أدت الممثلة سيرشا رونان دور ماري في فيلم "ماري ملكة الاسكتلنديين"

و"ماري ملكة الاسكتلنديين" هو فيلم للمخرجة السينمائية والمسرحية المخضرمة جوسي روك، وكتب له السيناريو والحوار بو ويليمون، الذي كان أحد المشاركين في كتابة بعض أجزاء المسلسل الأمريكي "هاوس أوف كاردس".

وتدور أحداثه في أواخر القرن السادس عشر، عندما كانت إنجلترا تخضع لحكم الملكة إليزابيث الأولى التي تجسد شخصيتها مارغو روبي.

ويروي العمل كيف عادت ماري ستيوارت ابنة عم الملكة وهي في الثامنة عشر من عمرها من فرنسا حيث كانت تقيم إلى اسكتلندا، للمطالبة بالجلوس على العرش الاسكتلندي. المشكلة هنا أن ماري كانت كاثوليكية المذهب، وهو ما جعل الملكة إليزابيث البروتستانتية تشعر بالقلق من أن تطالب قريبتها العائدة من فرنسا بعرش إنجلترا كذلك.

ولخصت عبارةٌ افتتاحيةٌ للعمل هذا الوضع بالقول: "شكّل وجودها في حد ذاته تهديداً لسلطة إليزابيث".

لكن الفيلم فشل في أن يوضح لنا بجلاء لماذا يجب أن نهتم بأيٍ من تفاصيل هذه الوقائع بعد 400 عامٍ من حدوثها تغير فيها الكثير. كما أنه لم يطرح حتى تساؤلاً حول ما إذا كانت ماري تريد بحق أن تصبح ملكةً لإنجلترا، ولم يتطرق لفكرة إذا ما كان ارتقاؤها المفترض للعرش سيشكل أمراً إيجابياً أم سلبياً.

ورغم أنه من المفترض أن يكون للشعب البريطاني رأيٌ في هذا الأمر، فإن غالبية أحداث العمل تدور خلف جدران قصريْ إليزابيث وماري وما فيهما من أجواء كئيبة وقاتمة (بالمناسبة يبدو أن الكهف الصخري الذي تعيش فيه ماري في أدنبرة، صُمِمَ على غرار كهف شخصية الوطواط التي تظهر في كتب الرسوم الهزلية الأمريكية).

ويؤدي غياب المواطنين العاديين عن المشهد إلى جعلنا لا نستطيع تقريباً أن نلقي ولو نظرةٍ خاطفةٍ على أي شخصٍ لا ينتمي للطبقة الارستقراطية. ربما أرادت المخرجة روك من وراء ذلك إظهار مدى عزلة الحكام عن رعاياهم سواءٌ كانوا موالين لهم أو أقل ولاء.

لكن الأمر يبدو مثيراً لشكوك أخرى من قبيل عدم وجود ميزانية كافية لتصوير مشاهد تتضمن حشوداً من الأشخاص، نظراً لأن القائمين على الإنتاج أنفقوا ربما أموالاً أكثر مما ينبغي على مثبتات الشعر التي استخدمها الممثلون!

مصدر الصورة Getty Images
Image caption جسدت الممثلة مارغو روبي شخصية الملكة إليزابيث الأولى في الفيلم

ثمة مشكلةٌ أخرى تكتنف الأحداث، ألا وهي أن الملكتين لا تلتقيان سوى مرةٍ واحدةٍ في إطار قمةٍ اختُرِعَتْ خصيصاً لإثراء السياق الدرامي للفيلم. باستثناء ذلك، تقيم كل منهما على بعد مئات الأميال من الأخرى، وهو ما يجعل الصراع بينهما - بكل ما يشوبه من ثغرات - يتمثل في الكثير من المبعوثين الذين يقطعون المسافة ذهاباً وإياباً من هذه المملكة إلى تلك.

ولا تختلف طبيعة المفاوضات التي تجري بينهما عن ذلك أيضاً. فالأمر يبدأ مثلاً بأن تطلب إليزابيث أن تتزوج ماري من لورد إنجليزي، لتوافق عليه الملكة الثانية، ثم تعود إليزابيث لتقول إنها لا تقصد هذا اللورد، بل آخر.

وهكذا تمضي الأمور بينهما مراراً وتكراراً مع فتراتٍ فاصلةٍ قصيرةٍ، تناقش خلالها الملكتان الحياة الجنسية لكلٍ منهما مع عشاقهما وخدمهما كذلك. وقد حاول المسؤولون عن إجراء مونتاج العمل تسريع وتيرة إيقاعه وأحداثه عبر جعل مشاهده قصيرة المدة، واستخدام أسلوب القطع المستمر بين المشاهد الخاصة بإنجلترا وتلك التي تجري في اسكتلندا، بسرعةٍ خاطفةٍ لاهثةٍ كضربة السوط.

ويؤدي الممثلون أدوارهم على أروع ما يكون. فـ "رونان" التي اختيرت للمشاركة في العمل منذ ست سنوات مضت، ألقت نصف جُمَل الحوار الخاصة بها بالفرنسية والنصف الثاني بالإنجليزية، وبلهجةٍ اسكتلنديةٍ لا تشوبها شائبة، وهو أمرٌ مفاجئٌ في حقيقة الأمر بالنظر إلى أن ماري - التي تجسد شخصيتها - لم تقض سوى فترةٍ محدودةٍ من طفولتها في اسكتلندا.

كما استفادت رونان من نظراتها الثاقبة الشبيهة بنظرة النسر، وذلك في جعل كل ما تتفوه به يبدو أكثر ذكاءً مما هو عليه في الواقع. لكن حتى قدرات رونان التمثيلية هذه لم تفلح في تجميل صورة هذا الحوار المتكلف الذي يتضمن عباراتٍ يصعب نطقها، لأنها تتضمن الكثير من الحروف الساكنة في اللغة الإنجليزية، مثل عبارةٍ تقول "إذا أراد الرب الزواج بماري، فلن تتزوج ماري سوى من تريد هي الزواج به".

في المقابل، كانت مساحة دور روبي - التي تجسد دور الملكة إليزابيث - أقل كثيراً.

ويؤدي تصوير العمل لشخصيتها على أنها سيدةٌ مخبولةٌ مثيرةٌ للشفقةٌ، تبدد وقتها في الجلوس والاسترخاء بلا فائدة - منهمكةٌ في صنع ورودٍ من الأشرطة القماشية وفي التباكي على أنها لم تُرزق بأطفالٍ - إلى تقويض الفكرة التي يوحي بها السيناريو، من أن التعاون بين الملكتيْن أُفْسِدَ بفعل عدوانٍ ذكوريٍ.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption استفادت رونان من نظراتها الثاقبة الشبيهة بنظرة النسر، وذلك في جعل كل ما تتفوه به يبدو أكثر ذكاءً مما هو عليه في الواقع، كما يقول نيكولاس باربر

وبالمناسبة يمكن القول إن العلاقة المعقدة بين شخصيتيْن أنثويتيْن ترتبطان بصلة قرابةٍ وتتنافسان على نيل حظوة ما في الوقت نفسه، تم تناولها بشكلٍ أكثر إقناعاً في فيلم "ذا فافوريت" (المفضلة) للمخرج اليوناني يورغوس لانثيموس.

ومن جهة أخرى، ربما ينبغي للمرء أن يتساءل عما إذا كان من الحكمة أن يختار القائمون على الفيلم ممثلةً فائقة الجمال مثل روبي لتجسيد شخصيةٍ تُظهرها أحداثه وهي تشعر بالغيرة على نحوٍ بائسٍ من جمال سيدةٍ أخرى أم لا. فحتى عندما عانت إليزابيث - بحسب الأحداث - من داء بَثْرَة الجدري، ووُضِعَ ما يشبه حبيبات أرزٍ على وجهها بالكامل لإظهار أعراض المرض، ظلت روبي - التي تجسد شخصيتها - نجمةً سينمائيةً ساحرة وجذابةً بلا ريب.

لكن الطابع الساحر والمتجهم كذلك لقصة بطلة "ماري ملكة الاسكتلنديين"، هو ما يمكن أن يجعل مشاهدته ليست بمضيعةٍ للوقت بشكلٍ كامل، حتى وإن كانت تلك القصة تُروى ربما بطريقةٍ عشوائية.

فالعمل لا يتناول سوى بالكاد السنوات التي خضعت خلالها بطلته ماري للإقامة الجبرية، كما يسري الأمر نفسه على تورطها في ما يُعرف بمؤامرةٍ بابينغتون لاغتيال إليزابيث، بينما يغص في المقابل بالكثير من حالات الخيانة والزواج وجرائم القتل، وكأنه أحد مواسم مسلسل "غيم أوف ثرونز" (لعبة العروش).

فضلاً عن ذلك، ربما يتعين أن نتطرق أيضاً إلى غرابة الأطوار الشديدة التي يتسم بها هذا العمل. كما أن البلاطيْن الملكييْن اللذيْن يظهران فيه يتسمان بطابعٍ متعدد الأعراق بالنسبة للوضع في بريطانيا القرن السادس عشر. كما أن العمل يشير إلى أن دافيد ريتزيو (الذي يؤدي دوره إسماعيل كروز كوردوفا)، وهو سكرتير الملكة ماري الذي راجت الشائعات حول كونه محباً لها أيضاً، كان متحولاً جنسياً.

بل إننا نجد الملكة ماري تقول له في أحد المشاهد، بعدما استيقظت مباشرةً من النوم عبارةً مُطمئنةً مفادها: "كن كما تتمنى، فأنت تشكل أختاً رائعةً".

ولعل الجانب الأكثر غرابة من الفيلم هو الأداء الذي يقدمه غاي بيرس في تجسيده لشخصية ويليام سيسيل الساعد الأيمن المخلص للملكة إليزابيث. فـ "بيرس" يغتنم الفرصة لاستعراض قدرته على تقليد المذيع ومنتج الأعمال الوثائقية البريطاني دافيد أتنبارا على نحوٍ متقنٍ بشدة يخلو من الثغرات.

ونجده لا يتوقف عن التفوه بعباراتٍ مثل "ماري عدونا ولا يمكن أن ننحني لها أبداً". لكن صوته الهامس بنعومةٍ واعتناءه بنطق الألفاظ بدقة، يبدو مشابهاً للغاية للطريقة التي كان يتبعها أتنبارا، أعظم المهتمين بالطبيعة والبيئة على شاشة التليفزيون البريطاني إلى حدٍ يجعلنا نشعر كما لو كان بيرس يقول في واقع الأمر أشياءً من قبيل "تقترب أنثى الأسد ببطءٍ وسكونٍ وحذرٍ، لئلا يجفل الخنزير الذي ينال قسطاً من الراحة".

لكن المفارقة أن الفيلم ربما كان سيكتسب مغزى أكبر إذا ما تُرِك الرجل ليتفوه خلاله بمثل هذه العبارات بالفعل.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة