الخيال العلمي: أشهر الأفلام التي تسعى للتمرد على الواقع

فيلم "اغتراب الأرض" من المنتظر عرضه في شهر شباط/فبراير المقبل مصدر الصورة The Wandering Earth
Image caption فيلم "اغتراب الأرض" من المنتظر عرضه في شهر شباط/فبراير المقبل

"أصبحت الشمس أكثر برودة حتى لم تعد الحياة ممكنة على كوكب الأرض وليس من حل لبقاء البشرية سوى الخروج من المجموعة الشمسية برمتها والبحث عن وطن بديل"، تلك هي قصة فيلم "اغتراب الأرض"، الذي يستحق مكانا مميزا بين أفلام هوليوود.

لكن "اغتراب الأرض" ليس أمريكيا، وليس ممثلوه من البيض، بل جاء عن رواية صينية للخيال العلمي بنفس الاسم للمؤلف تسيشين ليو، وفيه الصينيون هم منقذو البشرية، وليس الأمريكيون.

لقد اعتدنا أن تأتي قصص الخيال العلمي من الغرب، وأن يكون أبطالها غربيين، غير أن مؤلفين ببقاع أخرى خرجوا هم أيضا برؤاهم للمستقبل، وفي السنوات الأخيرة ازدهر الخيال العلمي الصيني من قبيل روايات تسيشين ليو المتميزة.

كذلك صعد نجم الخيال العلمي الأفريقي منذ عرض فيلم "النمر الأسود" ونجاحه في شباك التذاكر. كذلك تشهد قصص وأفلام الخيال العلمي رواجا في مناطق أخرى من العالم.

ويقول مينغ-وي سونغ، الأستاذ المشارك بكلية ويلزلي والمتخصص في الأدب والخيال العلمي الصيني: "أصبح الخيال العلمي ظاهرة كونية، وهي ظاهرة من بين أبرز تطوراتها الخروج من فلك الغرب ومن الهيمنة الإنجليزية-الأمريكية تحديدا".

ويشهد الخيال العلمي حراكا سواء على الساحة الروسية - التي أسهمت منذ القرن التاسع عشر - إلى ما يعرف بالرؤية الأفريقية للمستقبل، وتمثل تحركا يعكس ما تعرض له السود من القمع، إلى الكتب الصينية التي تطرقت للماضي الثوري، ومزجت بينه وبين خيال الفضاء؛ وحتى الأفلام المكسيكية المتأثرة بقضايا الهجرة والتجارة الحرة.

مصدر الصورة Alamy
Image caption "النمر الأسود" أول فيلم من سلسلة مارفيل أغلب طاقمه من السود

وتؤكد أنينديتا بانرجي، الأستاذة المشاركة بجامعة كورنيل، ذلك الأمر قائلة إن بقاعا "لم نعتدها أنتجت أفضل قصص الخيال العلمي، ورغم أن العالم بدأ مؤخرا ينتبه لمناطق مثل الصين وأفريقيا إلا أن إسهام تلك المناطق في تاريخ هذا النوع من الأدب المنتعش حاليا يعود إلى قبل ذلك بكثير".

خيال متمرد

وحاليا بدأ الخيال العلمي الصيني في الرواج في الغرب بفضل ترجمة أعمال لكتاب مثل تسيشين ليو، وهاو جينغ-فانغ للإنجليزية، ولكن هناك من الأعمال ما يسبق هؤلاء المعاصرين بزمن.

وقد شهد أدب الخيال العلمي ثلاث مراحل في تاريخ الصين، كان أولها بعد سقوط الإمبراطورية عام 1902، والثانية إثر الثورة الصينية عام 1949، وحاليا المرحلة الثالثة بدءا من التسعينيات مع تسارع وتيرة التطوير في البلاد.

ويعقب مينغ-وي قائلا: "شهدت التسعينيات ظهور جيل جديد من الكتاب".

وقد صدرت الطبعة الأولى لقصة تسيشين "معضلة الأجسام الثلاثة" عام 2006، ويُعزي إليها الفضل في إيصال الخيال العلمي الصيني إلى العالمية. وفي عام 2014 ترجمت الرواية إلى الإنجليزية ولم يمض عام إلا وحازت على جائزة هوغو الأبرز لأعمال الخيال العلمي.

وتحكي قصتها عن عالم فضاء ينخرط في أبحاث تباشرها الحكومة سرا خلال الثورة الثقافية الصينية، مما يؤدي إلى توجيه دعوة بالخطأ لكائنات فضائية للقدوم إلى الأرض.

ويمثل الخيال العلمي الصيني انعكاسا لصعود الصين السريع على درب الحداثة، وهي الفكرة التي تشغل بال الغرب أيضا.

ويتجاوز هذا النوع من الأدب ذلك الأمر، ليتطرق إلى قمع حرية التعبير؛ إذ يعكس واقعا قاتما لا يراه العالم الخارجي كثيرا. وتعبر أعمال تسيشين ليو عن ذلك بتقديم واقع موازٍ وعالم لا يخضع لقوانين الطبيعة المعروفة، بينما تعرض رواية هاو جينغ-فانغ بعنوان "طي بكين" مستقبلا طبقيا صارما بالعاصمة الصينية حيث تدور الأرض لتمنح ثلاث طبقات اجتماعية كميات متفاوتة من الشمس.

مصدر الصورة Alamy
Image caption أصبح تسيشين ليو أول آسيوي يفوز بجائزة هوغو لأفضل رواية عام 2015 عن روايته بعنوان "معضلة الأجسام الثلاثة"

ويقول مينغ-وي: "للموجة الجديدة من الخيال العلمي جانب متمرد خفي يعمل على إخراج واقع غير معروف إلى النور، ويتطرق إلى استحالة تحقيق حلم وطني كثيرا ما يمتدح في العلن".

وتستعرض "معضلة الأجسام الثلاثة" والخيال العلمي الصيني عموما قضايا مثيرة للجدل، إذ تستهل "المعضلة" بتعرض والد الشخصية الرئيسية للفتك على أيدي العامة في إطار "حراك جماعي" إبان الثورة الثقافية.

ويضيف مينغ-وي: "كثيرا ما أدهشني استمرار هذا النوع بنجاحه رغم ما ينطوي عليه أحيانا من جراءة وتمرد، فحتى الآن لم يطاله مقص الرقيب. وأعتقد أن السبب في ازدهاره هو أنه ليس وسيلة احتجاجية معتادة بل هو نوع من الخيال يسبر أغوار واقع خفي دون تحدي السلطات الصينية بشكل مباشر، فالخيال العلمي يصور جانبا متواريا كثيرا ما يختفي من الواقع الصيني خلف صورة الصين الصاعدة بقوة".

كشف المستور

ومن الأشكال الأخرى للواقع المغاير ما يعرف بالرؤية المستقبلية الأفريقية، إذ تقول سوزانا موريس الأستاذة المشاركة بمعهد جورجيا للتكنولوجيا: "بالنظر إلى الخيال العلمي للمستقبل والأعمال من قبيل 'بليد رانر' أو 'ذا جيتسونز' ترى المستقبل للبيض فقط، ولا مكان فيه للملونين. لكن الرؤية الأفريقية للمستقبل تعيد تخيل المستقبل بوضع السود في المقدمة".

وتعود جذور الرؤية المستقبلية الأفريقية إلى الوقت الذي كتب فيه ويليام إدوارد برغهارت دوبويس قصته القصيرة عام 1920 بعنوان "المذنَّب" وفيها تَصور انتهاء الجنس البشري عن بكرة أبيه باستثناء رجل أسود وامرأة بيضاء.

وفي عام 2018 كان المثل الأفضل تجسيدا للرؤية الأفريقية المستقبلية هو فيلم "النمر الأسود" بتصويره لبطل خيالي ولبلد افتراضي يدعى "واكاندا" وهو بلد أفريقي لم يخضع لاستعمار بل تطور تلقائيا ويملك المورد الأهم للأرض وهو "الفيبرانيوم"، في خلفية يرتسم عليها مجتمع مستقبلي أسود بحسب الفيلم.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption كان ويليام إدوارد برغهارت دوبويس من مؤسسي الرابطة الوطنية لتعزيز أصحاب البشرة الملونة (غير البيض) عام 1909

وتتجاوز الرؤية الأفريقية للمستقبل مجرد الأبطال الخياليين، لتصبح أكثر من نوع أدبي، بل هي بحسب موريس "حركة ثقافية، ليست مجرد خيال علمي للسود بل وسيلة تعبر عن رؤية السود في كل مكان لماضيهم وتطلعهم نحو المستقبل".

ومن هذه الحركة تخرج أفلام وأعمال خيالية فنية وكذلك صرعات الموضة، كتجسيد المغنية بيونسيه تلك الرؤية أحيانا.

وفي عالم الروايات تبرز رواية الكاتبة النيجيرية-الأمريكية ننيدي أوكورافور بعنوان "بنتي" وتصور الرواية الصادرة عام 2015 قبيلة أفريقية على غرار قبيلة الهيمبا بناميبيا بعد ألف سنة في المستقبل كشعب متطور ومنعزل.

وفي الرواية يبعث أحد خبرائها بالرياضيات إلى جامعة فلكية وهنا تتكشف القصة التي تقول موريس إنها "تمزج بشكل رائع بين المبتكر والتقليد".

ولا ترتبط الرؤية المستقبلية الأفريقية ببلد أو منطقة بعينها بل هي ملك للسود في كافة أنحاء العالم، وهو ما تصفه موريس بالشتات الذي يرتبط بشكل وثيق بالإرث الأفريقي، وتستحضر هنا رمز "السانفوكا" لدى شعب الآكان في غانا، كطائر يمشي قدما بينما ينظر إلى الوراء.

وتقول موريس إن الرؤية الأفريقية للمستقبل تنطوي على "علاقة حيوية بين الجديد والقديم بشكل حي للشتات الأفريقي، إذ ينظر للماضي بينما يمضي قدما نحو المستقبل.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption ننيدي أوكورافور كتبت قصة بعنوان "من يخشى الموت" وستحولها شركة إنتاج إلى عمل سينمائي

بلاشفة الفضاء

كذلك يعود تاريخ الخيال العلمي الروسي وفي أوروبا الشرقية لأمد بعيد، إذ يرجع إلى القرن التاسع عشر، وقد كان من أعلامه الكاتب الروسي يفغيني زامياتين، الذي كتب رواية "نحن" عام 1924 وكذلك البولندي ستانيسلاف ليم، وقد ترك أثرا كبيرا على الخيال العلمي الأمريكي.

ومن بين البلاشفة الأوائل ألّف ألكسندر بوغدانوف خيالا علميا (منه رواية "النجم الأحمر" عام 1908 حيث صور كوكب المريخ وقد سكنه مجتمع اشتراكي).

وكان لبعثة سبوتنيك الفضائية أثر حاسم، إذ سبق السوفييت عام 1957 بإرسال أول قمر صناعي يدور حول الأرض، وقد أدت بعثته لتفجير طاقات الخيال العلمي وإعادة اكتشاف القديم منها.

وتقول بانرجي إن انطلاق القمر الصناعي سبوتنيك "جعل من الخيال العلمي مادة يومية" ، مستشهدة بخبير الخيال العلمي بجامعة ديبو، استفان تشيتشري-روناي.

ووصل صدى هذا الحدث إلى الأفلام، ومنها فيلم "سولاريس" إخراج أندري تاركوفسكي عام 1972، والذي اعتبر نظيرا لفيلم "2001: مغامرة في الفضاء"، بينما صور فيلم آخر لتاركوفسكي هو فيلم "ستوكر" المأخوذ عن رواية عام 1971 بعنوان "نزهة على قارعة الطريق"، قصة عبور منطقة نووية غامضة ومهجورة.

وترتبط الخبرة الروسية، بالأخص إبان الاتحاد السوفييتي، بالانتعاش الحالي للخيال العلمي في غير الغرب، وتذكر بانرجي من خبرتها الشخصية قائلة: "ولدت وتربيت شرقي الهند بمنطقة مناجم، ولم تكن تلك البيئة ثرية بالثقافة بخلاف الكتب المترجمة عن الروسية وقد توافرت بترجمات محلية، فقد واكب سباق الفضاء نهضة في أدب الخيال العلمي في الاتحاد السوفيتي وترجمت أعماله بشكل واسع في بلدان الجنوب حتى وصلت إلى مناطق الريف بالهند".

مصدر الصورة Alamy
Image caption ألف ألكسندر بوغدانوف (في الصورة مع فلاديمير لينين) رواية "النجم الأحمر" عن ثوري روسي يزور مجتمعا شيوعيا بالمريخ

وهكذا مثل الخيال العلمي الروسي حاضنة لإنتاج خيال علمي عالمي جديد، حتى إن بانرجي تقول إن أعمال تسيشين ليو من بين الأعمال التي تأثرت بالخيال العلمي السوفيتي.

حركة معاكسة

ويجسد صعود نجم الخيال العلمي عالميا حركة تطور مستمرة. وتقول بانرجي إن الخيال العلمي "انتقل بالتوازي مع حركة الرأسمالية الصناعية عالميا، أو هكذا كان الاعتقاد؛ أي انتشر من الغرب إلى باقي العالم مقتفيا أثر الرأسمالية الصناعية. أما الآن فهناك من يشكك في هذا الاعتقاد، فقد باتت الأنظار تتجه إلى ما يحدث خارج الغرب".

ورغم أن الخيال العلمي في غير الغرب يتناول موضوعات أخرى غير السياسة، إلا أن الخروج بتصورات بديلة للمستقبل عُد أداة حشد وتعبئة، وتقول بانرجي "نجد أن الخيال العلمي في بلدان الجنوب يرفض النموذج المجتمعي والثقافي العالمي الليبرالي الحديث باعتباره غير قابل للاستمرار".

وتشير هنا إلى فيلم "المقاول النائم"، وهو فيلم خيال علمي مكسيكي لعام 2008، والذي يتصور مستقبلا أغلقت فيه الولايات المتحدة حدودها مع المكسيك، وفيه يتحكم المكسيكيون عن بعد بروبوتات آلية حلت محلهم كعمالة أمريكية، ويعكس الفيلم قضايا مثل التجارة الحرة والهجرة في إطار مستقبلي.

كما يفي الخيال العلمي غير الغربي بوعي عالمي يلمس جماهير في كل البلدان، ويقول مينغ-وي إن الخيال العلمي الصيني لديه ما يقدمه للآخرين؛ "إذ يمس قضايا إنسانية عامة كبقاء البشر والتحلي بأخلاق في ظروف بالغة الصعوبة، وهي قضايا إنسانية عامة تمس المرء في عالمنا اليوم".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة