ما سر تناول اليابانيين لوجبة "الحبار الراقص العائد للحياة"؟

ما سر تناول اليابانيين لوجبة الحبار الراقص العائد للحياة؟ مصدر الصورة Lev Dolgachov/Alamy

استحوذت وجبة "الحبار الراقص العائد للحياة" اليابانية على اهتمام عالمي عام 2010 بفضل انتشار مقطع فيديو على موقع "يوتيوب". ويُظهر الفيديو حباراً بلا رأس ملقى فوق طبق من المعكرونة والكافيار. كما تظهر يد تحمل إبريقاً وتسكب ما يبدو أنه صلصة الصويا فوق الحبار. يبدأ الحبار بالتلوي بعنف، وهو ما يجعل كثيرين يطلقون عليه اسم "الحبار الميت العائد للحياة".

وبنفس الغرابة التي يبدو عليها هذا الطبق، هناك اتجاه معاصر يتمثل في استهلاك الأسماك وهي تتحرك، والتي يشار إليها في اليابان بكلمة "أودوريغي"، والتي تعني "الطعام الراقص".

ورغم أن الحبار في هذه الحالة ميت، فإن خلاياه العصبية تنشط بفعل الصوديوم الموجود في صلصة الصويا، ما يحفز الخلايا ويجبرها على التقلص، وكأنها تتعرض للحرق. ورغم أنه يمكن العثور على الطعام الراقص في جميع أنحاء اليابان، فإن أصل هذه الظاهرة الفريدة من نوعها لا يزال غامضا.

ومن المرجح أن عادة "أودوريغي"، التي تتضمن تناول أسماك صغيرة وهي حية، تعود إلى الصيادين في المدن الساحلية، مع دخول بعض التعديلات على طريقة التناول في المناطق المختلفة.

مصدر الصورة Hagen Hopkins/Getty Images
Image caption غالبا ما يتضمن الطعام الراقص أسماك صغيرة حية مثل ثعبان البحر

يقول ديف لوري، المهتم بالتعليق على شؤون المطاعم اليابانية ومؤلف كتاب "دليل تذوق السوشي" :"في منطقة شيزوكا، التي تقع في وسط ساحل هونشو المطل على المحيط الهادي، نجد أن طبق السمك المتحرك أو ما يطلق عليه اسم "شيراسو" هو الوجبة المفضلة".

ويشير إلى أن سمك "شيرو-يو"، الذي يوجد بكثرة قرب مدينة فوكوكا، يؤكل حياً لأنه يبدأ في التحلل بمجرد موته، ويضيف: "في فوكوكا، يعتبر طبق الحبار الراقص العائد للحياة مرادفاً تقريباً لطبق شيرو-يو، وهو عبارة عن سمك يشبه ثعبان البحر وينتقل من البحر إلى المياه العذبة ليضع بيضه".

يقول جون أشبيرن، محرر بمدونة "فوديز غو لوكال" :"إذا سألت غالبية اليابانيين عن الأماكن التي يحبون تناول الأسماك الحية الراقصة فيها فسيكون جوابهم: في فوكوكا".

وإذا توجهت إلى هذه المدينة المطلة على الشاطىء الشمالي لمنطقة كيوشو ستجد مبنى أبيض اللون مكتوب عليه كلمة كوهارو، التي تعني "الجدول الصغير"، وهو مطعم متخصص في تقديم وجبات "شيرو-يو". ويغلق هذه المبنى أبوابه بعد انقضاء موسم تقديم وجبة "شيرو-يو"، والذي يمتد من منتصف فبراير/ شباط حتى أبريل/ نيسان من كل عام.

وفي الخارج توجد لوحة كبيرة تروي ما يقال إنه أسطورة طبق الأسماك الحية، وهي رواية "دايميوس" أو "الإقطاعيين" الذين حكموا اليابان في حقبة إيدو قبل 300 عام.

يقول لروي: "تتلخص القصة في أنه بعد وقوع فيضان مدمر في فوكوكا، أمر الحاكم المحلي الناس بتنظيف آثار الفيضان، ومنحهم برميلاً من الجعة اليابانية كجائزة على ذلك. وقد لاحظ العمال وجود أسماك شيرو-يو عالقة فيما تبقى من مياه الفيضان، فالتقطوها واحتسوا الجعة معها".

مصدر الصورة Robert Evans/Alamy
Image caption في بعض الأسواق والمطاعم، يُطلب من الزبائن اختيار الأسماك من حوض ويشاهدون الطاهي وهو يحضرها

ويُعد تناول الأسماك الصغيرة تجربة فريدة من نوعها، حيث يصلك على المائدة وعاء به عدد كبير من الأسماك الصغيرة التي تتلوى داخله مع بيض السمان وزجاجة من الخل. ويمزج البيض والخل في وعاء منفصل، كما تستخدم ملعقة لوضع السمك في الوعاء الذي يحتوى على مزيج من البيض والخل. وفي النهاية، تستخدم أعواد الأكل لالتقاط الأسماك وأكلها.

يقول لوري: "الحبار الراقص هو مجرد صنف واحد من ضمن مجموعة كبيرة من المأكولات الحية في المطبخ الياباني. ونطلق على هذا الأمر في العادة اسم إكيزوكوري، أو الوجبات الحية".

وتشير كلمة "إكيزوكوري" إلى الطريقة التي يُعد فيها الطاهي وجبات من حبار حي أو سمك حي أو جمبري حي (أو حتى من الأخطبوط أو الضفدع). ويطلب من الزبائن الذين يحضرون لتناول الطعام في هذه المطاعم أن يختاروا ما يشاءون من حوض في المطعم وأن يراقبوا الطاهي وهو يعد الطعام، في ظل الإيمان بفكرة أنه كلما كان الحبار طازجاً كان أفضل مذاقاً.

وتعتمد هذه الطريقة على أقل قدر ممكن من التقطيع للتخفيف من معاناة الكائن البحري الذي يتسبب شعوره بالألم في إفراز حمض اللكتيك الذي يخفض من جودة اللحم. لكن هناك بعض الفروق المهمة بين تحضير الحبار حياً وتناول الحبار الراقص.

ففي حالة "إكيزوكوري" يجري تحضير الحبار وهو ما يزال حياً، إذ يُقطع إلى ثلاثة أجزاء ويقدم في الغالب وهو لا يزال يتحرك. أما في تحضير طبق الحبار الراقص، فيُقطع رأس الحبار فقط، ثم يوضع على المعكرونة أو الأرز. وينصح الضيوف بسكب صلصة الصويا ومشاهدة الحبار وهو "يرقص".

مصدر الصورة Duy Phuong Nguyen/Alamy
Image caption يجري إعداد طبق إكيزوكوري بتقديم الحبار وهو حي، بينما طبق الحبار الميت الراقص يتضمن قطع الرأس فقط عن الحبار

ويعتقد بعض الناس أن طبق الحبار الراقص استوحي من طبق كوري يُصنع من الأخطبوط الحي، يطلق عليه اسم "ساناكجي"، أي الرؤوس التي يُعتقد أنها مثيرة للشهوة الجنسية. لكن يرى آخرون، بمن فيهم أشبيرن، أن كلاً من طبقي الحبار الراقص والحبار الذي يُحضر حياً كان يتم إعدادهما بسبب الرغبة في إظهار الثروة والسلطة لدى النخبة بطريقة استعراضية.

يقول أشبيرن: "ربما كان يُنظر إلى طبق الحبار الذي يحضر حياً على أنه يمثل رغبة في العودة إلى سنوات الفقاعة الاقتصادية (وهو وقت شهد ازدهاراً كبيراً في اليابان خلال الفترة بين عامي 1985 و1990)، عندما كان الزبائن لا ينظرون إلى التكلفة المالية الكبيرة لطبق إكيزوكوري، وكانوا يرغبون في المقام الأول في إظهار الثراء والسلطة بشكل أكثر أهمية من جودة الطعام نفسه".

يقول إيريك راث، أستاذ التاريخ بجامعة كانساس وخبير في تاريخ الثقافة اليابانية في فترة ما قبل الحداثة، إنه لم يعرف مصطلح أوديوريغي، الذي يعني الأكل الراقص، إلا عندما كان في مطعم للسوشي في كيوتو ولم يجد إشارة لهذا التقليد في السياق التاريخي. ويرى راث أن كلمة أودوريغي هي مجرد فكرة أو حيلة حديثة لجذب الزبائن.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture

-----------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة