صور تكشف خفايا الماضي في الشرق الأوسط

صور تكشف خفايا الماضي في الشرق الأوسط مصدر الصورة Armand collection, courtesy of the Arab Image Foun
Image caption تمارا تومانوفا، راقصة باليه، للمصور أرمند (أرميناك أرزوني) في عام 1945

يزخر موقع المؤسسة العربية للصورة بصور صادمة ومثيرة للدهشة تكشف عن جانب خفي من تاريخ الشرق الأوسط، بدءا بصور لقبلات بين مثليين ورجال يرتدون أزياء نساء، ومرورا بصور العري وانتهاء بصور لأطفال يحملون البنادق.

لكن الصور التي توثق مظاهر الحياة اليومية والعادات المهجورة وأنماط الحياة التي لم يعد لها وجود، تجعل من موقع المؤسسة موردا فريدا ومبهرا للصور.

وقد ظلت المؤسسة لما يربو على 20 عاما، تنشر كتبا وتنظم معارض وتجمع الصور وتحفظها في أرشيفها، لكن المنصة الرقمية الجديدة التي دشنتها المؤسسة ستتيح للجمهور مشاهدة آلاف الصور التي لم يكن من السهل الوصول إليها في السابق.

وتحمل هذه الصور بين ثناياها تفاصيل لحظات منسية وقصص لم ترو.

وتأسست المؤسسة العربية للصورة، التي لا تهدف للربح، في بيروت عام 1997 لدراسة تاريخ التصوير الفوتوغرافي لشمال أفريقيا والشام ودول الخليج وحفظه وصيانته، وقد جمعت حتى الآن أكثر من 500 ألف صورة بعضها مطبوع وبعضها غير محمض، عن طريق التبرعات.

ويقول مارك معركش، مدير المؤسسة: "هذه المؤسسة هي منصة للبحث في التصوير الفوتوغرافي وأساليب ممارسته واستخداماته المختلفة. وتسعى المؤسسة لتوسيع نطاق مفهوم التصوير الفوتوغرافي، لفتح أفاق جديدة للبحث تواكب تطلعات الناس في عالمنا المعاصر".

مصدر الصورة Mohsen Yammine collection, courtesy of the Arab Im
Image caption جنازة في العشرينيات من القرن الماضي التقطها كميل القارح

وتضم الصفحة الرئيسية روابط تنقل الزائر إلى مجموعات من الصور وأسماء مصورين لتحضه على استكشاف معلومات جديدة في كل زيارة. وصنفت الصور لفئات مختلفة ويمكن البحث عنها بكلمات مفتاحية، لإشباع فضول الزائر الذي يبحث عن معلومات معمّقة عن حقبة بعينها أو دولة أو موضوع ما.

وبإمكان الزائر تكبير الصور للتعرف على تفاصيلها، كما يمكنه مشاركة الصور على مواقع التواصل الاجتماعي وإضافة معلومات وتعليقات على الموقع. ويقول معركش: "نريد أن يشارك المجتمع أيضا في بناء هذه المنصة."

ولا شك أن الكثير من الصور القديمة قد طالها التلف على مدى سنوات، لكن المؤسسة آثرت أن تعرضها على حالتها كإرث فوتوغرافي، بدلا من إصلاحها أو معالجتها رقميا.

وقد أضفى التلف على بعض الصور طابعا دراميا، مثل صورة لراقصة الباليه، التي التقطها المصور المصري الأرمني، أرماند، والتي امتلأت بعلامات بيضاء تشبه البصمات، لكنها بدت وكأنها هالة بيضاء رقيقة تحيط بوجه راقصة البالية التي تنظر إلى أعلى بثوبها الأبيض الشفاف.

وتوثق الكثير من الصور عادات مهجورة، مثل عادة تصوير الجثث والجنازات التي راجت في شمال لبنان في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، وكان من أشهر المصورين الذي برزوا في هذا المجال كميل القارح، الذي كان يصور المتوفى على فراش الموت أمام أقاربه ومحبيه لعمل صورة عائلية يتوسطها الجسد المسجي.

وتتجسد عظمة عمله في صورة لجثة رجل عجوز يرتدي بدلة سوداء، وُوضعت الزهور في يديه المربوطتين وفمه. واصطفت عائلته من خلفه، بينما يظهر في أقصى يسار الصورة زمرة من الناس يمدون أعناقهم لإلقاء النظرة الأخيرة على المتوفى.

مصدر الصورة Norma Jabbur collection, courtesy of the Arab Imag
Image caption رجل بدوي في الصحراء السورية يحمل صقرا يستخدمه في الصيد للمصور جبرائيل جبور

ومن سوريا، التقط المصور والأكاديمي جبرائيل جبور الذي ولد عام 1900، صورة لرجل بدوي في صحراء سوريا، يرتدي غطاء رأس أبيض ويحمل صقرا للصيد. وتقدم صورة جبور لمحة عن الحياة اليومية للبدو الرحل الذين كانوا يجوبون الصحاري السورية في مطلع القرن العشرين.

ويضم الأرشيف صورا تاريخية توثق لحظات فارقة طالما أغفلها المؤرخون، لتسليط الضوء على تغير الأعراف الاجتماعية على مدى قرن من الزمن. إذ تظهر في صورة التقطها مصور مصري غير معروف في مطلع القرن العشرين، شابتان ترتديان غطاء الرأس، وأزاحتا الخمار الأبيض عن وجهيهما أثناء التصوير.

ويقول معركش تعقيبا على هذه الصورة إنها كانت من أوائل الصور الرسمية التي التقطت لنساء عربيات كاشفات عن وجوههن.

مصدر الصورة Shahwar Hegazi collection, courtesy of the Arab Im
Image caption حياة جمال الدين وسعاد صالح صبحي، عام 1922، التقطها مصور مصري غير معروف

وتتجلى التغيرات التي طرأت على طريقة التعامل مع جسد المرأة بوضوح في صور المصور الأرمني المصري الشهير فان ليو، الذي التقط مئات الصور لفنانات وراقصات في أوضاع مثيرة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، قبل أن تُحرق غالبيتها في الثمانينيات مع صعود التيارات الدينية المحافظة.

صور كاشفة

ولا تزال المؤسسة تحتفظ في مجموعاتها ببعض هذه الصور المثيرة التي نجت من الحرق، منها صور للفنانة المصرية نادية عبد الواحد، التي طلبت من فان ليو أن يلتقط لها صورا في 18 وضعا مختلفا أثناء تجردها من ثيابها تدريجيا. وفي إحدى الصور التي التقطت عام 1959، كانت نادية ترفع إحدى ساقيها في الهواء وتخلع جوربها أمام الكاميرا.

مصدر الصورة American University in Cairo collection, courtesy
Image caption نادية عبد الواحد للمصور فان ليو

ولم يقتصر التعري على النساء، إذ راجت فكرة "كمال الأجسام" في منتصف القرن العشرين، وظهرت صور لرجال عراة أو شبه عراة يستعرضون عضلاتهم أو يقفون إلى جوار كؤوسهم. والتقط المصور المصري جمال يوسف، إحدى هذه الصور التي تظهر ثلاثة رجال ينظرون بفخر واعتزاز كالفائزين على منصة التتويج، وأبرز المصور عضلاتهم بالمؤثرات الضوئية.

مصدر الصورة Amgad Neguib collection, courtesy of the Arab Imag
Image caption صورة غير مؤرخة التقطها جمال يوسف

وتوثق بعض مجموعات الصور المصرية الأخرى عادات لا تزال حية، مثل صناعة الحلوى المصرية. وفي عام 1960، استلقى المصور محمد يوسف على ظهره تحت لوح زجاجي لتصوير صانع الكنافة. وفي هذه الصور، أحاطت خيوط الكنافة بوجه صانعها البشوش وعمامته البيضاء.

مصدر الصورة Gihane Ahmad collection, courtesy of the Arab Imag
Image caption صانع الكنافة عام 1960 التقطها محمد يوسف

وظهرت بعض الصور القديمة التي استخدم فيها مصورون بعض الحيل والمؤثرات المبكرة، مثل الصورة التي التقطها في بيت لحم مصور فلسطيني غير معروف عام 1922، وأظهر فيها نفس الرجل في أربعة أوضاع مختلفة، لتركيب مشهد خيالي لثلاثة رجال متشابهين يجلسون معا لتناول الطعام، بينما بدت على وجه أحدهم ابتسامة عريضة أثناء تقطيع رأس شبيهه.

مصدر الصورة Yacoub Katimi collection, courtesy of the Arab Ima
Image caption السيد سكاف في أربعة أوضاع مختلفة في الصورة التي التقطت عام 1922

وفي الفترة نفسها تقريبا، استخدمت أيضا ماري الخازن، واحدة من أوائل المصورات الفوتوغرافيات في الشرق الأوسط تقنية تركيب الصور في إحدى صورها. ووُلدت ماري الخازن في لبنان عام 1899، وكانت مصورة هاوية ومناصرة لحقوق المرأة. واعتادت ماري تصوير نفسها وغيرها من النساء وهن يمارسن هوايات ارتبطت بالرجال في ذلك الوقت، كالتدخين والقيادة والصيد، الأمر الذي أهلها لتصبح من الرموز اللافتة وغير التقليدية.

ويظهر في هذه الصورة رجل وامرأة على ظهر حصانين وسط الأراضي الخضراء، وتبدو المرأة في الخلفية أعلى من الرجل. واستطاعت ماري أن تحقق توازنا رائعا بين مكونات الصورة المركبة رغم أنها تبدو غير واقعية.

مصدر الصورة Mohsen Yammine collection, courtesy of the Arab Im
Image caption صورة ماري الخازن عام 1924

وظهرت أسلحة في الكثير من الصور لتعكس الصراعات التي شهدتها المنطقة، لكن معركش يحذر من أن هذه الصور كان يساء تفسيرها أحيانا. إذ التقط المصور اللبناني هاشم المدني مئات الصور التي تكشف عن طبيعة الحياة اليومية في مسقط رأسه صيدا بلبنان، منها عشرات الصور لرجال وأطفال يحملون أسلحة، كان قد التقطها في مستهل السبعينيات من القرن الماضي قبيل اندلاع الحرب الأهلية في لبنان.

ويظهر في إحدى هذه الصور رجل يرتدي سترة مموهة ويلف رأسه بالكوفية ويحمل بندقية. لكن حفيد هذا الرجل، الذي تعرف على صورته عند زيارة مقر المؤسسة بمحض الصدفة، يقول إن جده كان يعمل في شركة الكهرباء الحكومية، ولم يشارك في ميليشيات، ويرى معركش أنه ربما اختار أن يظهر بهذا الزي من أجل "تأكيد رجولته" أمام الكاميرا.

مصدر الصورة From Akram Zaatari's project Objects of Study, Stu
Image caption صورة ظريف، التقطها هاشم المدني عام 1971

وتحوي هذه المنصة التفاعلية الكثير من الصور التي تخدم هدف المنظمة لتوسيع نظرة العالم الضيقة عن الشرق الأوسط. ويرى معركش أن إتاحة هذه الصور للجمهور ستسهم في صيانتها.

ويقول: "تتعدد أشكال حفظ التراث في نظرنا. وإذا رأى طفل صغير صورة وساهمت في إثراء مخيلته أو احتفظ بها لأسباب عاطفية، فهذا من قبيل حفظ المادة التي ورثناها والتراث الذي نمتلكه والذاكرة التاريخية للمنطقة".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture

المزيد حول هذه القصة