محطة ضخمة للطاقة الشمسية في أفريقيا قد تمد أوروبا بالطاقة

محطة ضخمة للطاقة الشمسية في أفريقيا قد تمد أوروبا بالطاقة مصدر الصورة Getty Images
Image caption d

نزور محطة شاسعة لإنتاج الطاقة الشمسية في بلدة ورزازات على أطراف الصحراء الكبرى. وتسهم هذه المحطة في تحديد ملامح مستقبل الطاقة في العالم.

تعبر الحافلات الصغيرة الهضبة الشاسعة عبر الطريق الممهد حديثًا. وتمتد الأراضي القاحلة جنوبًا نحو الصحراء، ولكن هذه الأراضي لم تعد مقفرة كما كانت في السابق. ففي العام الحالي، باتت تحتضن أكبر محطة لإنتاج الطاقة الشمسية في العالم.

على مساحة مليون و400 ألف متر مربع في الصحراء، مايعادل مساحة 200 ملعب لكرة قدم، صُفّت مئات المرايا المحدبة، كل واحدة منها في حجم الحافلة. وقد أقيم مجمع المحطات الضخم على الرمال التي لفحتها أشعة الشمس في سفوح جبال أطلس الشاهقة، على بعد 10 كيلومترات من مدينة ورزازات، التي يطلق عليها "بوابة الصحراء". ويعد هذا الموقع مثاليًا، إذ تسطع فيه الشمس نحو 330 يومًا في السنة.

ولا تهدف المغرب من وراء هذا المشروع إلى تغطية احتياجاتها المحلية فحسب، بل أيضًا إلى تصدير الطاقة الشمسية إلى أوروبا. وقد تسهم هذه المحطة في تشكيل مستقبل الطاقة في أفريقيا، بل وفي العالم أجمع.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption صُفّت مئات المرايا المحدبة، كل منها في حجم الحافلة، على مساحة مليون و400 ألف متر مربع في الصحراء، ما يعادل مساحة 200 ملعب كرة قدم.

في اليوم الذي زرت فيه المحطة، كانت السماء ملبدة بالغيوم. ويقول راشد بايد، بالوكالة المغربية للطاقة الشمسية، المنوط بها تنفيذ هذا المشروع المتميز: "لن ننتج كهرباء اليوم".

إلا أن توقف انتاج الكهرباء لا يدوم طويلًا. فبعد سنوات طويلة من الإخفاقات، لم يؤت توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية ثماره، إلا بعد أن بدأت الدول التي تنعم بأشعة الشمس تستفيد من أكثر مصادر الطاقة النظيفة وفرةً في أراضيها.

وثمة مواقع عديدة مشابهة لهذا الموقع في قارة أفريقيا، وتقام في الوقت الحالي محطات لإنتاج الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط، مثل الأردن ودبي والمملكة العربية السعودية. وقد باتت الطاقة الشمسية، منذ أن هبطت أسعارها، بديلًا لا غنى عنه للنفط، حتى في الأجزاء الأغنى بالنفظ من العالم.

وقد فاقت المرحلة الأولى من المحطة المغربية، نور-1، كل التوقعات بالفعل، من حيث كمية الطاقة التي أنتجتها. وقد جاءت هذه النتيجة مواكبة لأهداف المغرب، التي تتمثل في تقليل تكاليف استيراد الوقود الأحفوري من خلال التركيز على مصادر الطاقة المتجددة، في حين تلبي احتياجات الطاقة التي تزيد بمعدل 7 في المائة سنويًا.

وقد ساعد استقرار المغرب سياسيًا واقتصاديًا في تأمين الدعم المالي اللازم. فقد ساهم الاتحاد الأوروبي مثلًا بنسبة 60 في المائة من تكلفة مشروع ورزازات.

مصدر الصورة Sandrine Ceurstemont
Image caption تعد المنطقة المحيطة بمدينة ورزازات، التي تسمى بوابة الصحراء، التي تنعم بأشعة الشمس نحو 330 يومًا في السنة، موقعًا مثاليًا لإقامة محطة إنتاج الطاقة الشمسية.

وتعتزم المغرب توفير 14 في المائة من احتياجاتها من الطاقة من محطات إنتاج الطاقة الشمسية، بحلول عام 2020، وبإضافة مصادر متجددة أخرى للطاقة مثل الرياح والماء، تهدف المغرب إلى توليد 52 في المائة من احتياجاتها من الطاقة من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030.

وهذا يضع المغرب على قدم المساواة مع المملكة المتحدة التي ترمي إلى توليد 30 في المائة من احتياجاتها من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بنهاية العقد الحالي، وكذلك الولايات المتحدة، حيث كان الرئيس السابق باراك أوباما يهدف إلى توفير 20 في المائة من احتياجات الولايات المتحدة من الطاقة من المصادر المتجددة بنهاية 2020.

وكانت المرايا العاكسة ثابتة وهادئة اليوم، فعندما تكون السماء ملبدة بالغيوم، كما هو الحال اليوم، قد يستعين الفريق بمصادر أخرى للطاقة لتحل محل الطاقة الشمسية.

فعادةً تسمع صوت المرايا العاكسة وهي تتحرك في انسجام مع بعضها بعضًا لتتابع حركة الشمس، وكأنها زهور عباد الشمس. وتركز المرايا الطاقة المستمدة من الشمس على زيت اصطناعي يتدفق عبر شبكة من الأنابيب. ويستخدم الزيت الساخن، عندما تصل درجة حرارته إلى 350 درجة مئوية، لإنتاج بخار ماء الذي يعمل على تشغيل مولد طاقة يدار بمحرك تربيني.

ويقول بايد: "إنها نفس العملية التقليدية المستخدمة مع الوقود الأحفوري، باستثناء أننا نستعين هنا بالحرارة المستمدة من الشمس".

ولا يتوقف توليد الطاقة في المحطة بمغيب الشمس، حين يصل الطلب على الكهرباء إلى ذروته. إذ تختزن الطاقة المستمدة من الشمس نهارًا في صهاريج من الرمال المنصهرة فائقة السخونة المصنوعة من نترات البوتاسيوم والصوديوم، وبهذا تظل المحطة تنتج طاقة شمسية لما يصل إلى ثلاث ساعات بعد المغيب، وفي المرحلة اللاحقة سيستمر إنتاج الطاقة لما يصل إلى ثماني ساعات بعد المغيب.

مصدر الصورة Sandrine Ceurstemon
Image caption بمجرد تشغيل المحطة بكامل طاقتها، لن تتطلب إلا نحو 50 إلى 100 موظف.

وإلى جانب دعم إنتاج الطاقة في المغرب، يساعد مشروع ورزارات في النهوض باقتصاد المغرب. فمنذ بدء أعمال إنشاء المحطة، استؤجر في العامين الأولين ألفين عامل، معظمهم من المغاربة.

كما ساعدت الطرق التي عُبدت من أجل الوصول إلى المحطة على ربط القرى المجاورة ببعضها، مما ساعد الأطفال على الوصول إلى مدارسهم.

وامتدت مواسير المياه إلى خارج نطاق مجمع نور بورزازات، لتربط 33 قرية بشبكة إمداد المياه.

وساعدت محطة الطاقة الشمسية المغربية المزارعين في المنطقة بتعلميهم ممارسات زراعية لا تضر بالبيئة. وقد زرت في طريقي نحو الجبال، قرية اسيغمو، التي يعيش فيها البربر على بعد 48 كيلومترًا شمال ورزازات، حيث تتّبع مزرعة صغيرة طريقة جديدة لتربية النعاج. إذ تعلم أغلب المزارعين هنا أساليب جديدة يعول عليها، مثل فصل الحيوانات في الحظائر لتحسين الإنتاج.

كما أمدت الوكالة المغربية للطاقة الشمسية 25 مزرعة بالأغنام لرعايتها. ويقول شاوي، الذي يدير مزرعة في المنطقة: "لدينا الآن ما يكفينا من الطعام". وقد ترعرت شجرة اللوز في حديقته بفضل النصائح الزراعية.

إلا أن بعض السكان في المنطقة لديهم بعض المخاوف. فيرى عبد اللطيف، الذي يعيش في مدينة زاكورة في الجنوب، حيث ترتفع معدلات البطالة، أنه يجب أن تهتم المحطة بإيجاد وظائف دائمة. ويقول إنهم يوظفون العمال في المحطة بعقود مؤقتة لبضعة شهور فقط.

وعند تشغيل المحطة بكامل طاقتها، لن تتطلب إلا نحو 50 إلى 100 موظف فقط، وسينتهي ذاك الرواج في سوق الوظائف. وأضاف قائلًا: "تصنّع مكونات المحطة بالخارج، ولكن سيكون من الأفضل لو أنتجت محليًا لإيجاد فرص عمل دائمة للسكان".

مصدر الصورة Sandrine Ceurstemont
Image caption تستهلك محطة الطاقة الشمسية كميات هائلة من مياه سد منصور الذهبي بورزازات. وتمثل ندرة المياة أحد المشاكل التي تواجه المنطقة شبه الصحرواية

والمشكلة الأكبر أن محطة الطاقة الشمسية تسحب كميات هائلة من المياه المختزنة في سد منصور الذهبي بورزازات، لأغراض التنظيف والتبريد. وقد عانت هذه المنطقة شبه الصحراوية مؤخرًا من ندرة المياه، ووضعت تدابير لترشيد استهلاك المياه.

وتعتمد الأراضي الزراعية في وادي درعة على مياه السد، التي تنساب أحيانًا لتملأ النهر الجاف. ولكن يقول مصطفى سلام، مدير الموقع، إن إجمالي المياه التي يستخدمها المجمع لا تتعدى 0.5 في المائة من إجمالي المياه المختزنة في السد، وهي نسبه ضئيلة للغاية مقارنة بطاقة السد الاستيعابية.

ومع ذلك، فهذه الكميات من المياه التي تستهلكها المحطة من شأنها أن تؤثر على حصة المزارعين الذين يعانون من نقص المياه بالفعل. ولذا يعتزم القائمون على المحطة إدخال بعض التحسينات فيها لتقليل كميات المياة التي تستهلكها، منها مثلًا الاعتماد على الهواء المضغوط لتنظيف المرايا، بدلًا من الماء.

وسيجري تركيب نظام تبريد جاف في محطة نور 1، ليحل محل الماء الذي يستخدم لتبريد البخار الناتج عن المولدات، ليتحول إلى ماء ويعاد استخدامه لانتاج المزيد من الكهرباء.

وفي الوقت الحالي، بدأت أعمال بناء جزئين جديدين من المحطة. فبينما تشبه محطة نور-2 المرحلة الأولى، فإن محطة نور-3 ستكون ذات تصميم مختلف. فبدلًا من وضع صفوف من المرايا، ستلتقط محطة نور 3 الطاقة الشمسية وتختزنها عن طريق برج واحد كبير، ويعتقدون أن هذا التصميم سيكون أكثر فعالية.

ففي محطة نور 3، ستتبع سبعة آلاف مرآة مسطحة محيطة بالبرج حركة الشمس وتعكس أشعتها على جهاز تلقي الأشعة فوق قمة البرج، وبهذا ستتطلب مساحة أقل من تلك التي تشغلها صفوف المرايا. ومن المقرر أن تلتقط الرمال المنصهرة التي تملأ الجزء الداخلي من البرج الحرارة وتختزنها مباشرة من دون استخدام الزيت الساخن.

وتستخدم أنظمة مشابهة بالفعل في جنوب أفريقيا وأسبانيا وبضعة مواقع في الولايات المتحدة، مثل محطات الطاقة في صحراء موهافي بولاية كاليفورنيا وولاية نيفادا. إلا أن المبنى الذي أقيم مؤخرًا في محطة ورزازات، الذي يبلغ طوله 86 قدمًا، هو الأطول من نوعه في العالم.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption قد تصبح قارة أفريقيا، بسبب وفرة أشعة الشمس، يومًا ما موردًا للطاقة لسائر أنحاء العالم.

وثمة محطات أخرى في المغرب قيد التنفيذ. ففي العام القادم ستبدأ أعمال البناء في موقعين جنوب غربي المغرب، بالقرب من العيون وبوجدور، ويعتزم بناء محطات في إقليمي طاطا وميدلت.

إن النجاح الذي حققته هذه المحطات في المغرب وكذلك في جنوب أفريقيا، قد يحث سائر البلدان الأفريقية على الاتجاه نحو الطاقة الشمسية. وتعد جنوب أفريقيا بالفعل من الدول العشر الأكثر إنتاجًا للطاقة الشمسية في العالم، وقد أفتتحت في رواندا سنة 2014 أول محطة للطاقة الشمسية في شرق أفريقيا.

ويعتزم بناء محطات كبيرة للطاقة في غانا وأوغندا.

قد تصبح قارة أفريقيا يومًا ما بفضل شمسها الساطعة من بين موردي الطاقة لسائر دول العالم. ويقول سلام الذي يبني أمالًا عريضة على مجمع نور: "هدفنا الرئيسي أن نحقق اكتفاء ذاتيًا من الطاقة، وإذا تمكنا في المستقبل من انتاج فائض من الطاقة، فربما نورد الطاقة للدول الأخرى".

وتخيل يومًا ما أن تشحن سياراتك الكهربائية في برلين بالكهرباء المنتجة في المغرب.

وبما أن السحب قد بدأت تنقشع عن سماء ورزازات، تستعد قارة أفريقيا لاستقبال يوم مشمس جديد.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.

المزيد حول هذه القصة