مراحيض "متطورة" تعمل بالهاتف الذكي

المرحاض الذكي مصدر الصورة Toto
Image caption يشمل ذاك المرحاض المتطور إضاءة تحتوي على "أشعة فوق بنفسجية طويلة" تنبعث عندما ينغلق غطاؤه. للقضاء على أي مادة قابلة للتحلل هناك

مرحبا بكم في عالم مراحيض المستقبل؛ حيث يمكنك أن تجد مرحاضا مزودا بذراع آلية وصندوق طرد يضخ المياه كهربائياً، كما تنبعث فيه إضاءةٌ تعمل بـ"الأشعة فوق البنفسجية الطويلة".

هناك أنواع مختلفة من تلك المراحيض المتطورة، ومنها مرحاض يتم تفعيل الخدمات الموجودة فيه عبر اتصالٍ بتقنية البلوتوث، ويمكن تشغيله من خلال هاتف ذكي، (ونأمل إذن ألا يتم اختراق هذه المنظومة من قبل قراصنة إلكترونيين).

لا يشكل كون مقعد المرحاض دافئاً أمراً مبهجاً بالنسبة لغالبية الناس، فعادةً ما يعني ذلك أن شخصاً ما كان جالساً عليه وغادره للتو. لكن ماذا إن حدث ذلك معك؛ أي أن تجد نفسك قابعاً على مقعد مرحاض دافئ وحولك مجرد جدران ملساء دون توافر أي أوراق تنظيفٍ على الإطلاق؟ لكن مهلاً؛ هناك أيضاً جهاز تحكم عن بعد؛ ألن يبدو الأمر في هذه الحالة رائعاً على نحو لا يصدق؟

فجهاز التحكم ذاك مُزودٌ بخاصيتيّ تنظيف وتجفيف. وبمجرد الضغط على أحد أزراره؛ تخرج ذراعٌ آليةٌ من جوف المرحاض لتصبح تحتك مباشرةً، مُوفرةً لك إمكانية أن تضخ الماء منها بسرعات مختلفة وزوايا متباينة، قبل أن تنفث في نهاية المطاف هواءً ساخناً.

وعند نهوضك بعد قضاء الحاجة، ينغلق غطاء المرحاض من تلقاء نفسه، وتنطلق المياه من صندوق الطرد لتزيل ما يحتويه، قبل أن تبدأ عملية تنظيف ذاتية، باستخدام إضاءة تحتوي على "أشعة فوق بنفسجية طويلة"، وهو ما يُطلق عليه البعض اسم "الضوء الأسود".

ومن غير المفاجئ ربما أن نعلم أن هذا المرحاض المتطور تكنولوجياً ياباني الصنع، ويبلغ سعر الواحد منه نحو 12.500 دولاراً أمريكياً. وتوفر شركةٌ "توتو" اليابانية هذا المنتج الجديد في إطار فئة مراحيض تُطلق عليها اسم "أكتيلايت". وتُعرف الذراع الآلية الخاصة بالتنظيف المزود بها ذلك المرحاض، باسم "ووشليت".

وتحاول الشركة، منذ أن فتحت مقراً لفرعها الأوروبي في لندن عام 2009، أن تقتحم السوق الأوروبية الأكثر تحفظاً وحساسيةً حيال مثل هذه الأمور. بل إن هناك في الأفق العديد من المنافسين لها في هذا المضمار. وفي يومٍ ما قد تتحول تلك المراحيض المزودة بتقنيات شديدة التطور من حكرٍ على الأشخاص بالغي الثراء، إلى أداةٍ لتحسين الظروف الصحية المتعلقة بمسألة قضاء الحاجة في العالم بأسره.

دعونا بدايةً نتحدث عن النقاط الأساسية المتعلقة بالمراحيض ذات التقنيات المتطورة للغاية، وأولاها الآلية التي تعمل بها، خاصة وأن القلق ربما يساور المرء إزاء مغبة سماحه لذراعٍ آلية بالاقتراب من المناطق الحساسة في جسده.

لكن فلويد كَيس، المسؤول عن قسم المشروعات والمواصفات الخاصة ببريطانيا في الفرع الأوروبي لشركة "توتو"، هدأ من روعي، وأكد أنه ما من داعٍ لأي خوف في هذا الصدد، قائلاً: "الأمر لا يشبه غسيل السيارات. فأنت لا تجلس ولا حيلة لك سوى الأمل في أن تسير الأمور على ما يرام، بل إن مقعد المرحاض مُزودٌ بجهاز استشعار يسجل جلوسك.

على الأقل ستلاحظ عندئذٍ انبعاث الدفء فيه، وهو أمر لطيف. كما سيتم تفعيل آلية لتبديد الروائح الكريهة، لتفوح في المكان رائحةٌ طيبة. وإذا ما أردت تنظيف نفسك، فلديك جهاز التحكم عن بعد المزود بخاصيتيّ الغسل الخلفي، وغرضها واضحٌ بالطبع من اسمها، والغسل الأمامي الذي يُطلق عليه أحياناً اسم التنظيف الخاص بالسيدات".

مصدر الصورة Toto
Image caption تحتوي المراحيض، التي تنتجها شركة "توتو"، على ذراعٍ آلية يتم التحكم فيها عن بعد، تشتمل على مخرجٍ للمياه خاص بالتنظيف وآخر للهواء الساخن بغرض التجفيف

وأضاف كَيس بالقول: "بعد ذلك، تُسحب الذراع الآلية من فجوتها.. لتنظفك برشاشٍ من الماء تصل قوته إلى نحو 70 قُطيرة في الثانية الواحدة. وباستخدام جهاز التحكم عن بعد؛ بوسعك تعديل موضع الذراع وكثافة المياه، وبالطبع درجة حرارتها. ثم يمكنك تفعيل خاصية التجفيف، لكي تجفف ما ابتل من جسدك باستخدام هواء ساخن".

كما تتسم المراحيض من هذا الطراز بكونها صحيةً على نحو هائل. فصندوق الطرد الخاص بكلٍ منها، يُطلق مياهاً تم تنشيطها كهربائياً بهدف تفتيت الأملاح الذائبة فيها، لكي تتحول إلى محلولٍ ذي صبغة حمضية قادرٍ على قتل البكتريا.

كما يشمل ذاك المرحاض المتطور إضاءة تحتوي على "أشعة فوق بنفسجية طويلة" تنبعث عندما ينغلق غطاؤه. وتتفاعل هذه الأشعة مع التجويف الداخلي الخاص بالمرحاض والمصنوع من السيراميك، وهو تجويفٌ مزودٌ بخاصيةٍ تجعل سطحه قابلاً للتحفيز الضوئي. ومن شأن هذا التفاعل القضاء على أي مادة قابلة للتحلل موجودة هناك.

القرصنة الإليكترونية للمرحاض

وتنتج شركة يابانية أخرى تُدعى "ليكشيل" مرحاضاً مماثلاً تُطلق عليه اسم "ساتيس" من طراز "جي". ولا تختلف مواصفات هذا المرحاض كثيراً عن مواصفات سابقه، وإن كانت الشركة المنتجة له تطلق اسماً مختلفاً على الذراع الآلية المزود بها، كما أن سعره أرخص نسبياً، إذ يبلغ خمسة آلاف دولار أو نحو ذلك.

ويتسنى للمرء اختيار النمط الذي يفضله لتنظيف نفسه أثناء جلوسه عليه، من خلال تطبيق يحمل اسم "My Satis"، متوافرٌ على الهواتف الذكية. ويرتبط هذا التطبيق بالذراع الآلية الموجودة في جوف المرحاض عبر تقنية البلوتوث.

وعبر هذا التطبيق، يمكن لمستخدم المرحاض أن يختار بين خاصيتيّ التنظيف أو التجفيف، وأن يحدد قوة ضغط الماء، أو الهواء الساخن كذلك. ويتضمن التطبيق خاصيةً تحمل اسم "يوميات المرحاض"، لتمكين من يهتمون بتسجيل ومتابعة عدد مرات قضائهم الحاجة، للاطمئنان على حالتهم الصحية، من القيام بذلك.

ولكن كان يتعين على الشركة المنتجة أن تضع في اعتبارها إمكانية تعرض هذه المنظومة لـ"قرصنة إليكترونية"، مثلها مثل أي منظومة أخرى تندرج في إطار ما يُعرف بـ"إنترنت الأشياء"، وهو مفهوم متطور لشبكة الإنترنت يحول الشبكة إلى وسيلة يتواصل من خلالها الكثير من الأجهزة والأشياء التي نستخدمها في حياتنا اليومية.

وهكذا كان على الشركة السعي لتهدئة خواطر من يخشون من أن يتحكم أحدٌ سواهم في الذراع الإليكترونية الخاصة بالتنظيف والتجفيف خلال جلوسهم على المرحاض.

وفي هذا الشأن يقول مارتين ميزوتاني مدير قسم المنتجات الجديدة المُعدة للتسويق على مستوى العالم في شركة "ليكشيل ووتر تكنولوجي" بلهجة مُطمئِنة: "هناك العديد من الخطوات الواجب إتمامها قبل التحكم عن بعد في أحد مراحيض 'ساتيس'. فتشغيل مرحاض من هذا النوع عبر هاتف ذكي، يتطلب استكمال عملية (يُطلق عليها تكنولوجياً) اسم الاقتران، يجري خلالها إقامة اتصال ثنائي بين مرحاض 'ساتيس' وهاتف بعينه دون سواه."

ويتابع: "ولا تُفعّل أيٌ من الخواص المزود بها المرحاض إلا إذا كان غطاؤه مفتوحاً. وفي هذه الحالة، لا يمكن سوى لمستخدمٍ واحد في كل مرة تفعيل تطبيق يحمل اسم 'ماي ساتيس '، وهو ما يمنع أي طرف ثالث من الدخول على المنظومة التي يعمل بها المرحاض في ذلك الوقت".

مصدر الصورة Garv Toilets
Image caption تُستخدم المراحيض من طراز "غارف" في بعض أفقر المناطق في الهند، وهي تتسم بكونها قادرة على أن تكتفي باحتياجاتها ذاتياً فيما يتعلق باستهلاك الطاقة والتخلص من الفضلات والصيانة

وتحظى المراحيض التي تنتجها شركتا "توتو" و"ليكشيل" بالشعبية في اليابان. ووفقاً لما تقوله "ليكشيل"؛ فإن أكثر من 80 في المئة من الأسر اليابانية تستخدم هذا الطراز أو ذاك من طرز مقاعد المرحاض التي ينبعث منها الماء الدافئ للتنظيف. لكن تبين أن إقناع زبائن من خارج اليابان باستخدام مثل هذا النوع من المراحيض، يشكل أمراً أكثر صعوبة.

يقول كَيس إن من بين أسباب ذلك شعور بعض المستهلكين المحتملين بسخافة الفكرة برمتها، قائلاً: "لسنا معتادين كأوروبيين على غسل المناطق الحميمة في أجسادنا". ومع ذلك، باعت شركة "توتو" - على مستوى العالم - أكثر من 70 مليون مرحاض مُزودٍ بذراعٍ آلية للتنظيف والتجفيف، وذلك بسعرٍ يبدأ من 1870 دولاراً.

ولا يقتصر استخدام تلك المراحيض على القصور الضخمة التي يملكها أشخاص شديدو الثراء، بل تحظى كذلك بالشعبية في الفنادق والمطاعم الراقية. ويقول كَيس إن تزويد الفنادق أماكن قضاء الحاجة فيها بمثل هذه المراحيض يشكل إحدى الخدمات القليلة المتبقية التي يمكن أن تجعل من الفندق مكاناً أكثر فخامة ورفاهية للإقامة فيه مقارنةً بالمنزل.

ويضيف أن استخدام الذراع الآلية للتنظيف والتجفيف يشكل تجربة "لا تنسى بحق". وضرب مثالاً على ذلك بالإشارة إلى أن تقييماً نُشر مؤخراً لأحد الفنادق، اهتم بالحديث عن هذه التجربة بقدرٍ أكبر من اهتمامه بتناول جودة الطعام الذي يقدمه الفندق نفسه.

وربما يبدو ما سبق حديثاً عن مرافق صحية يشكل استخدامها ذروة الترف، غير أن ذلك لا ينفي أن ثمة حاجةً حقيقيةً وأكثر جدية للجوء إلى مراحيض مُزودة بتقنيات أكثر تطوراً وذكاءً. كما أن هذه التقنيات قد تفيد فقراء العالم وأثرياءه سواءٌ بسواء.

ففي بعض المناطق الحضرية الهندية التي يشكل الفقراء غالبية سكانها، توفر السلطات مراحيض عامة مجانية من نوع يُطلق عليه اسم "غارف تويلتس" أو (مراحيض غارف). وصُممت هذه المراحيض بحيث تكون قادرةً على تحقيق الاكتفاء الذاتي، فيما يتعلق باستهلاك الطاقة والتخلص من الفضلات، والصيانة كذلك؛ إذ أنها مُزودة بتقنيات ذكية من قبيل أجهزة استشعار، وشرائح لـ"تحديد الهوية من خلال موجات الراديو"، مُدمَجة فيها.

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption من الممكن أن يصبح استخدام المراحيض الذكية عنصراً جوهرياً فيما يتعلق بالرعاية الصحية في المستقبل

كما تُزود مراحيض "غارف" بمصابيح تعمل بتقنية الصمامات الثنائية الباعثة للضوء (إل إي دي) وكذلك مراوح طرد. وتُصنّع هذه المصابيح والمراوح من صلب براقٍ غير قابل للصدأ ومقاوم لأي عمليات تخريب وتدمير، وتعمل تلقائياً عندما يُفتح باب المرحاض.

وعندما يفرغ المرء من قضاء حاجته، تُفعِّل التقنيات المزود بها المرحاض منظوماتٍ مسؤولةً عن غسله وتنظيفه، وكذلك تنظيف أرضية المكان الذي يقبع فيه. وتسجل لوحة تحكم موجودة خارج المرحاض البيانات الخاصة بعدد مستخدميه، وعدد مرات استخدامهم جهاز الطرد المرتبط به، وكذلك جهاز ضخ الصابون السائل الموجود إلى جواره.

وثمة رؤية تفيد بأنه من الممكن أن يصبح استخدام المراحيض الذكية عنصراً جوهرياً فيما يتعلق بالرعاية الصحية في المستقبل. وتقول شبكة من الشركات المعنية بتحسين مستوى مرافق الصرف الصحي تُطلق على نفسها اسم "تويلت بورد كاواليشن" إن مرحاض المرء قد يؤدي إلى إنقاذ حياته في بعض الأحيان. وتضيف الشبكة: "ستتحول المراحيض من مجرد دِلاء غبية تُصرَّف (من خلالها) الفضلات إلى أجهزة طبية ذكية تعيد تدوير بياناتك الطبية"، وتربط بيننا وبين أطبائنا المعالجين.

لكن كم يبعد عنّا ذاك المستقبل الذي يشيع فيه استخدام تلك المراحيض المتطورة تقنياً؛ لدواعٍ تتعلق بالصحة العامة. ويرى فلويد كَيس أن شركة "توتو" دشنت ذلك العصر بالفعل، قائلا : "لقد بعنا آلافاً من المراحيض التي توفر لك خدمات التنظيف، والتجفيف، وكذلك الوزن وتحليل البول، لمستشفياتٍ في اليابان".

وبحسب كَيس؛ سيتسنى للمراحيض المنزلية توفير هذه الخدمات أيضاً، لكن في الوقت المناسب، وإرسال البيانات الخاصة بالوزن والبول إلى الهواتف الذكية الخاصة بمستخدميها.

لكن كَيس يقول إن شركته لا تريد أن تتعجل في طرح ذاك المرحاض المتطور في الأسواق، إلى أن يكون المستهلكون المحتملون له مستعدين لهذه الخطوة. ويبرر ذلك بالقول إن "الناس لا يزالون حتى هذه اللحظة مبهورين بتقنيةٍ مُستخدمةٍ في اليابان منذ 30 عاماً".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.

المزيد حول هذه القصة