قصة "الجنيات" التي خدعت مبتكر روايات "شيرلوك هولمز"

أرثر كونان دويل مصدر الصورة Thinkstock
Image caption حققت روايات شيرلوك هولمز التي كتبها أرثر كونان دويل شهرة واسعة له

لماذا وقع أرثر كونان دويل مبتكر شخصية المحقق "شيرلوك هولمز" ضحية لخدعة خيالية من فتاتين صغيرتين؟

يبدو الأمر كأننا في بداية قصة كلاسيكية من قصص شيرلوك هولمز، أو كما تقول أول فقرة في كتاب "الجنيات قادمات" للمؤلف كونان دويل: "إن سلسلة الأحداث التي تظهر في هذا المجلد الصغير تمثل إما أكثر الخدع إحكاما ومكرا قُدمت للجماهير، أو إنها تشكل حدثا في تاريخ البشرية قد يظهر في المستقبل على أنه يجسد ميلاد عصر جديد".

لكن ذلك الكتاب الذي ظهر في عام 1922 كان يقصد منه أن يقدم حقائق واقعية، وليس خيالا. ففي ذلك الكتاب، يقول دويل إنه يقدم دليلا على وجود كائنات سحرية بالفعل تظهر فقط لعدد قليل من الأشخاص المختارين.

وقبل ذلك بخمس سنوات، كان الكاتب والطبيب دويل يدرس سلسلة من الصور التي بدا أنها تُظهر هذا الكائنات "غير البشرية" ترقص فرحا مع فتاتين في وادٍ بمدينة يوركشاير، وبات مقتنعا بصحة هذه الصور.

كانت تلك الصور مجرد خدعة من فتاتين صدقها العديد من الناس بالإضافة إلى دويل نفسه. لكن كيف يمكن لرجل متقد الذكاء مثل دويل أن يقع فريسة لمثل هذه الخدعة؟

تبدأ تلك القصة منذ ما يقرب من مئة عام في بلدة كوتنغلي غربي يوركشاير بانجلترا، مع الفتاتين إلسي رايت البالغة من العمر 16 عاما، وابنة عمها فرانسيس غريفيس، ذات التسع سنوات.

وقد زعمت الفتاتان لفترة طويلة أنهما رأتا الجنيات يلعبن في الحديقة، وفي أحد أيام شهر يوليو/تموز، استعارت رايت كاميرا والدها لإثبات تلك القصة.

في البداية، شك والد رايت في الأمر وظن أن هناك خدعة ما، لكن والدتها اقتنعت بتلك القصة بسهولة، وأخذت تلك الصور لعرضها في أحد الاجتماعات الخاصة بمجموعة من المؤمنين بوجود مخلوقات خارقة، وبالعالم الروحي.

مصدر الصورة Frances Griffiths and Elsie Wright
Image caption إحدى الصور التي التقطتها إلسي رايت وفرانسيس غريفيس تظهر ما زعمتا من جنيات

وأحدثت تلك القصة ضجة في أوساط العلماء، ثم وصلت إلى كونان دويل، والذي نشرها في مجلة "ستراند".

وإذا نظرت بحرص إلى تلك الصور الأصلية، يمكنك أن تجد إشارات على أن تلك الصور كانت مجرد رسوم من الورق المقوى.

حتى بعض أصدقاء دويل اعتقدوا أيضا أن تلك الصور مزيفة، مثل أوليفر لودج، وهو عالم فيزياء بارز اشتهر بتعمقه في دراسة الظواهر الخارقة، والذي تساءل عن السبب الذي جعل تلك الجنيات يتبعن نفس تسريحة الشعر الحديثة التي كانت تتبعها الفتيات في انجلترا في ذلك الوقت.

وكان لودج يرى أن المخلوقات السحرية كانت بالتأكيد ستتبع صيحات الموضة الخاصة بها بدلا من تقليد الاتجاهات البشرية الحديثة.

وبعد نحو 60 عاما من هذه الواقعة، وبالتحديد في عام 1985، اعترفت فرانسيس ورايت أن الصور كانت مزيفة. بالرغم من أن فرانسيس زعمت أنها رأت بنفسها جنية ذات مرة.

لكن دويل لم يعش ليسمع هذا الاعتراف، وظل مؤمنا بوجود الجنيات حتى آخر يوم في حياته.

كانت هناك حالات مشابهة أخرى فشل فيها دويل في استنتاج الحقيقة. ففي العشرينيات، أصبح مفتونا بالأعمال الخارقة التي كان يقوم بها هاري هاوديني، وكان دويل يعتقد أن قوة السحر فقط هي التي يمكن أن تفسر القدرات التي يتمتع بها هاوديني.

وكان هاوديني يتمتع بقدرة غير معتادة على فك القيود والسلاسل التي يُقيد بها أمام الجمهور. وكان يتمكن من التخلص من تلك القيود حتى وهو معلق من قدميه، أو في عمق الماء.

مصدر الصورة Frances Griffiths and Elsie Wright
Image caption إحدى الصورة للفتاة إلسي رايت البالغة من العمر 16 عاما التي زعمت فيها إنها رأت هي وفرانسيس مجموعة من الجنيات

وقد حاول هاوديني دون جدوى أن يقنع دويل بأن "الحيل" التي يعرضها هي مجرد قدرة فردية تظهر مهاراته الخاصة، لكن دويل ظل مقتنعا أن الأمر ليس كذلك.

حتى إن دويل افترض أن هاوديني يمكنه أن يمرق من الهواء نفسه ليتخلص من القيود والسلاسل التي اعتاد أن يستعرض قدرته الفائقة على التخلص منها أمام الجمهور.

لكن كيف لشخص مثل دويل، والذي استطاع أن يكتب بهذه الفصاحة عن علوم التفكير العقلاني في قصصة الشهيرة شيرلوك هولمز، أن يفشل في التعرف على خدعة بسيطة من فتاتين صغيرتين؟

ربما يقدم لنا علم النفس المعاصر بعض الإجابات في هذا الشأن. فقد أظهرت بعض الدراسات أن العديد من الناس ينخرطون في نوع من التفيكر يعرف باسم "التفكير الموجه"، والذي يعتمد على اختيار الأدلة التي تناسب المعتقدات المترسخة سابقا لديك.

بالإضافة إلى ذلك، فإن لدى كل شخص منا ما يعرف باسم "نقطة التحيز العمياء"، وهي تمثل القدرة على تحديد المرء للثغرات في منطق الآخرين، وعدم قدرته على تحديد تلك الثغرات في المنطق الذي يطرحه هو نفسه.

وبشكل أساسي، لا يمكن لمستوى الذكاء أو التعليم أن يحمي المرء من مثل هذا النوع من التفكير غير العقلاني. وبالفعل، فإن القدرة العقلية الكبيرة قد تجعل من السهل عليك أن تشكل آراء تفصيلية لتبرر بها قناعاتك، سواء كانت حقيقة أم غير ذلك.

واليوم، قد لا نؤمن بوجود الجنيات، لكننا لا نزال نقع فريسة للأخبار الكاذبة التي تعزز ما لدينا من تحيزات أو معتقدات سابقة، كما حدث مع كونان دويل.

وقد تطرقت فرانسيس لهذه النقطة على وجه التحديد في إحدى مقابلاتها الصحفية الأخيرة، عندما قالت: "لا أستطيع أن أفهم لهذا اليوم لماذا انطلت عليهم الخدعة". وتابعت مُفسرة: "إنهم أرادوا ذلك".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future .

المزيد حول هذه القصة