كيف تكشف "الوجبات السريعة" عن أسرار الاقتصاد في بلد ما؟

أحد مطاعم البيتزا مصدر الصورة iStock
Image caption قد يشكل حجم الإقبال على أنواع معينة من الطعام مؤشرا على حدوث تغيرات ما في السلوك الاقتصادي للناس

يمكن أن تكشف الوجبات السريعة النقاب عن أمور مفاجئة تتعلق بسلوكنا، وكذلك بالتغيرات الخفية التي تحدث في الأسواق، وهو ما دفع الباحثين إلى بلورة مفاهيم ونظريات في هذا الشأن، مثل ما يعرف بـ "مبدأ البيتزا"، ومؤشر سلسلة "وافل هاوس" للوجبات السريعة في الولايات المتحدة.

ما هو الطعام المفضل لخبير في مجال الاقتصاد؟ عندما يفكر المرء في إجابة عن هذا السؤال، ربما لن ترد إلى ذهنه على الفور أطعمةٌ مثل شطائر البرغر، أو شرائح البطاطس المقلية، أو فطائر البيتزا.

رغم ذلك، قد يشكل حجم الإقبال على أنواع كهذه من الأطعمة مؤشرا على حدوث تغيرات ما في السلوك الاقتصادي للناس.

فسعر فطيرة البيتزا في نيويورك، أو تكلفة شراء وجبة "بيغ ماك" من أحد متاجر سلسلة "ماكدونالدز" في بيروت، قد يُخبران مراقبي حركة الأسواق عن طبيعة التحولات التي تطرأ على عجلة الاقتصاد في العالم.

"مبدأ البيتزا"

في عام 1980، لاحظ أحد سكان نيويورك، ويُدعى إريك برام، أن ثمن شريحة البيتزا ظل مساويا - لنحو عشرين عاما - لتكلفة شراء بطاقة ركوب المترو في المدينة ذهابا أو إيابا.

وفي الآونة الأخيرة، لاحظ كتاب صحفيون أن تعريفة ركوب وسائل النقل والمواصلات كانت ترتفع في الغالب بارتفاع أسعار فطائر البيتزا. وفي عام 2014، تقصى الخبير في علم البيانات جارِد ليندَر مدى صحة ودقة هذا المبدأ، وتوصل إلى أنه لا يزال قائما. ولكن ما السبب في ذلك؟ لا أحد يدرى.

مؤشرا الـ"بيغ ماك" و"كيه إف سي"

مصدر الصورة Getty Images
Image caption سعر وجبة "بيغ ماك" قد يخبرنا الكثير عن مفهوم "تعادل القوة الشرائية"

قد يبدو غريبا أن يعلم المرء أن إجابة سؤال مثل "كم يبلغ ثمن الوجبة الواحدة من الـ ' بيغ ماك ' في ليما، أو في أبوظبي؟" قد تعطيه الكثير من المعلومات بشأن ما يُعرف بـ "تعادل القوة الشرائية"، وهو مفهوم يتعلق ببحث ما إذا كان سعر الصرف المستخدم بين عملات مختلفة يعني أن سعر منتج ما لا يختلف باختلاف البلدان التي تستخدم هذه العملات.

وفي عام 1986، استحدثت مجلة الإيكونوميست أداة لجعل هذه النظرية "أكثر قابلية للفهم". وتسمح هذه الأداة بالمقارنة بين العديد من العملات الرئيسية على مستوى العالم.

وكتبت المجلة مؤخرا: "تكلف وجبة 'بيغ ماك 'واحدة 5.06 دولارات أمريكية حاليا في أمريكا، بينما لا تتجاوز تكلفتها 10.75 ليرة (دولاران و75 سنتا) في تركيا، وهو ما يشير ضمنا إلى أن الليرة تُقيم بأقل من قيمتها".

ونظرا لأن سلسلة مطاعم "ماكدونالدز" غير شائعة بشكل كبير في أفريقيا، استحدثت شركة "سيجاشي" لأبحاث السوق مؤشرا تكميليا لتحليل "تعادل القوة الشرائية" في القارة باسم "مؤشر كيه إف سي"، وهو مؤشرٌ يستعين - كما يقول اسمه - بمنتجات سلسلة "كنتاكي فرايد تشيكِن" الشهيرة.

قوالب شيكولاتة "مارس"

وفي عام 1932، أنتج مصنع في بلدة سلَو البريطانية أول قوالب من شيكولاتة "مارس" في العالم. وبعد نصف قرن من ذلك التاريخ، لاحظ الكاتب نيكو كولشستر في صحيفة "فاينَنشال تايمز" أن سعر الحلوى في بريطانيا يرتبط بشكل دقيق مع القيمة الشرائية للجنيه الاسترليني.

ومن خلال تقدير تكاليف المكونات اللازمة لإنتاج قوالب شيكولاتة "مارس" وتتبعها عبر الزمن، رصد كولشستر الوتيرة التي تحسنت بها - وبشكل طفيف - الرواتب التي يتقاضاها الخريجون خلال 40 عاما.

وفي الفترة نفسها، أصبحت تعريفة ركوب القطارات أقل ثمنا، لكن ذلك لم ينطبق على تكلفة تناول وجبة عشاء من لحم البقر المشوي في الحانات، إذ زادت هذه التكلفة بنسبة فاقت 60 في المئة.

البقوليات المطهوة والفشار

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تزايد مبيعات الفشار في دور السينما كان مؤشر على التعافي الاقتصادي في بريطانيا بعد الأزمة المالية التي شهدها عام 2008

يلجأ خبراء الشؤون المالية غالبا إلى تحليل مبيعات المواد الغذائية لتحديد ما إذا كان الاقتصاد بشكل عام في حالة جيدة أم لا. في عام 2009، أعلنت شركة "سينيمات أوديون"، المالكة للعديد من دور السينما في المملكة المتحدة وأيرلندا، استحداث ما سمته "مؤشر فشار أوديون"، والذي قالت إنه أظهر تسجيل مبيعات عالية من هذا المنتج، وأن ذلك كان بالتبعية مؤشر على حدوث تعافٍ اقتصادي في بريطانيا بعد الأزمة المالية التي شهدها عام 2008.

كما عكف المحللون الاقتصاديون على متابعة وتحليل مبيعات البقوليات المطهوة، التي تلقى رواجاً في الأوقات التي تشهد ضائقةً اقتصادية. إذ اعتبروا تلك المبيعات مؤشراً على الطريقة التي يتصرف بها الناس في الفترات التي يتراجع فيها الاقتصاد.

وعندما تراجعت مبيعات البقوليات المطهوة في عام 2013، اعتبر البعض ذلك بمثابة مؤشر على القوة التي اتسم بها اقتصاد المملكة المتحدة في ذلك العام.

البطاطس المقلية

في عام 1998، نشرت صحيفة "أورغونيان" الأمريكية مقالا بديعا لاحظ كاتبه أن مبيعات شرائح البطاطس المقلية قد تشكل مؤشرا مفيدا على التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وآسيا.

وقال الكاتب ريتشارد ريد إن هذا النوع من المواد الغذائية فتح المجال أمام الصناعات الأمريكية لدخول الأسواق الأجنبية، وذلك بفعل حقيقة أن الولايات المتحدة تصدر كميات كبيرة منه (وهو أمرٌ لا يزال قائما حتى اليوم).

وأضاف أن استهلاك البطاطس المقلية يشكل بدوره مؤشرا على مدى التطور والنمو القائم في اقتصاد أي من الدول الآسيوية. وعَنَى ذلك أن المزارعين الأمريكيين تضرروا بشدة عندما كانت المشكلات الاقتصادية في آسيا تتبلور في أواخر تسعينيات القرن الماضي.

مؤشر سلسلة "وافل هاوس"

مصدر الصورة Flickr/Steve Snodgrass
Image caption اعتبرت السلطات الأمريكية طول قائمة الطعام المُتاحة في سلسلة "وافل هاوس" مؤشرا على ما إذا كانت الإمدادات التي تصل إلى المطاعم كافية أم لا بعد حدوث الأعاصير

ربما يكون مفاجئا أن يعلم المرء أن طول قائمة الطعام الموجودة في مطعمٍ للوجبات السريعة قد يشكل مؤشرا يستخلص منه المحللون - وبسرعة - مدى الدمار الذي لحق بمنطقة ما جراء تعرضها لإعصار معين.

لذا، تعمل "الوكالة الاتحادية لإدارة الطوارئ" في الولايات المتحدة على التحقق دوما من طول قائمة الطعام في منافذ البيع التابعة لسلسلة "وافل هاوس" بعد كل كارثة طبيعية.

فإذا كانت القائمة المُقدمة للزبائن محدودة من حيث أنواع الوجبات الموجودة فيها، فإن ذلك يعني أن إمدادات المطعم من المواد الغذائية اللازمة لعمله قد تكون قليلةً بدورها، وأن المكان نفسه ربما يعمل بمولدات للطاقة نظرا لعدم توافر التيار الكهربائي.

أما إذا أُغلِقَ المطعم من الأساس؛ فإن ذلك يشكل مؤشرا سيئا بحق، كما سبق أن قال كريغ فيوغات مدير الوكالة الاتحادية لإدارة الطوارئ بالولايات المتحدة.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future .

المزيد حول هذه القصة