لماذا نشعر بالألم عند التعرض للحرارة أو البرودة الشديدة؟

الشعور بالألم مصدر الصورة Thinkstock
Image caption يرصد الدماغ البشري الحرارة الشديدة أو البرودة القارسة بطريقة متشابهة تؤدي إلى الشعور بألم مفرط

عندما نلمس شيئا ساخنا جدا، أو باردا للغاية، فإن حواسنا تترجم ذلك إلى شعور بالألم. فلِمَ يحدث هذا، وما هو السبب العلمي وراء ذلك الشعور بالألم؟

ظاهريا، لا يبدو أن هناك أوجه تشابه كثيرة بين مكعب من الثلج، وجهاز ساخن لخبز الفطائر المعروفة باسم "وافل". رغم ذلك، فإنهما يشتركان في أن لديهما القدرة على إشعار الإنسان بالألم إذا ما لامس أو اقترب من أي منهما.

ومن شأن السخونة الشديدة والبرودة القارسة إحداث صعقة مزعجة للبشرة، إذ تبين أن الدماغ يرصد هذين المؤثريّن، الذيّن يعبران عن تطرف حراري شديد، بطرق متشابهة.

وغالبا ما نحسب أن المسؤول الأول عن حاسة اللمس هو الجلد والأعصاب الموجودة فيه. لكن ما يشير إليه علماء الأحياء باعتباره "المنظومة الخاصة باللمس" يتضمن في واقع الأمر مجموعة كبيرة من الحواس.

من بين هذه الحواس - بطبيعة الحال - حاسة اللمس نفسها، أو القدرة على الإحساس من خلال الجلد، وما يُعرف بالمحفزات والمنبهات الميكانيكية. كما يوجد ما يسمى بحاسة "استقبال الحس العميق"، التي تتعلق بالقدرة على التعرف على اتجاه الجسم وموضعه.

إلى جانب ذلك، هناك ما يُعرف في علم الطب بـ "حِس الألم"، والذي يتمثل في قدرة الجسم على التعرف على المنبهات والمثيرات الضارة، أو تلك التي يُحتمل أن تُلحق به الضرر.

ويشكل الإحساس بالألم رد فعل الجسم على الإحساس بمثل هذه المنبهات.

ويدفعنا "حِسُ الألم" هذا إلى محاولة الابتعاد عن أي مُثيرٍ يسبب لنا الألم؛ سواء كان هذا المنبه أو المثير ذا طبيعة ميكانيكية، أو كيميائية، أو حرارية.

وإذا ما وضعت يدك في النار، سيؤدي الشعور بالاحتراق الناجم عن ذلك إلى دفع جسدك إلى إبعاد يدك بأسرع ما يمكن. ويشكل الشعور بالألم في الحقيقة برهانا على أن جسمك يعمل جاهدا على إبقائك سالما. لذا، فإن فقدان القدرة على ذلك يعني أنك في مأزق حقيقي.

مصدر الصورة iStock
Image caption يعود رد فعلنا على الإحساس بشيء بارد، وبشكل كامل، إلى بروتين بعينه موجود في أجسامنا

ويقول يورغ غراندل، أستاذ الأمراض العصبية في جامعة ديوك الأمريكية، إن المبدأ الأساسي هنا يتمثل في أن لدى الخلايا العصبية الحسية الممتدة في مختلف أنحاء الجسم "مجموعة من القنوات التي تنشط مباشرة، بفعل درجات الحرارة سواء كانت ساخنة أم باردة".

ومن خلال دراسة أجريت على فئران متحورة جينيا، وامتدت على مدى الأعوام الـ 15 الماضية تقريبا، تمكن العلماء من إثبات أن هذه القنوات - وهي عبارة عن بروتينات مدمجة في جدران الخلايا العصبية - تشارك بشكل مباشر في مسألة الإحساس بالحرارة.

ومن أكثر هذه المُسْتَقْبِلات الحسية، التي يتفهم العلماء دورها أكثر من غيرها؛ مُسْتَقْبِلٌ يُعرف باسم "تي آر بي في 1"، وهو مسؤولٌ عن الإحساس بالحرارة الشديدة.

وينبغي أن تصل درجة الحرارة عادة إلى 42 درجة مئوية (107.6 فهرنهايت) لتنشيط وتفعيل هذا المسْتَقْبِل، وهي درجة حرارة من المعتاد أن يعتبرها البشر والفئران - على حد سواء - ساخنة على نحو مؤلم.

وبمجرد وصول الجلد إلى هذه الدرجة من الإحساس، تصبح تلك القناة العصبية نشطة، وهو ما يُفعِّل بدوره العصب بأكمله، لتنتقل إشارة موجهة إلى المخ تحمل رسالة بسيطة للغاية، والتي تظهر في صورة "صرخة" من الألم.

ويضيف غراندل أن الآلية نفسها تعمل - من حيث المبدأ - فيما يتعلق بالإحساس بالبرودة. لكن البروتين المعني هنا يُدعى "تي آر بي إم 8"، وهو لا ينشط عند الوصول إلى درجات برودة شديدة فحسب، وإنما يُفعّل إذا ما تعرض جسم الإنسان لبرودة معتدلة، وليست قارسة على نحو مؤلم.

يتبقى هنا بروتينٌ ثالث يحمل اسم "تي آر بي آيه1"، ربما يكون أكثر البروتينات المندرجة في هذه الفئة غموضا بالنسبة للعلماء. فبينما اكتشف هؤلاء أن ذلك البروتين يُصبح نشطا بفعل المنبهات والمثيرات الباردة بشدة، فليس من الواضح ما إذا كان مُشاركا بشكل فعلي في رصد مثل هذه المنبهات أم لا.

وتُمَكِنُ هذه البروتينات الثلاثة مجتمعة جلد الإنسان من رصد مجموعة واسعة من درجات الحرارة، كما تُمَكِنُ الجسم من التصرف بشكل ملائم استجابة لذلك.

ويتمثل دور هذه البروتينات، باعتبارها مُسْتَقْبِلاتٍ حسية للألم، في مساعدة الإنسان على تجنب درجات حرارة بعينها. لذا، لم تعد الفئران، التي تعاني من تشوهات في المُسْتَقْبِلات من نوع "تي آر بي إم 8"، تتجنب درجات الحرارة الباردة. وهو ما يعني أن هذه الفئران (وربما ينطبق ذلك علينا أيضا) لا تبذل جهدا للاستمتاع بدرجات حرارة ذات طابع بارد لطيف بالنسبة لها. وبدلا من ذلك، تعمل تلك القوارض جاهدةً على تجنب الحرارة الشديدة أو البرد القارس، وهو ما يوضح سبب تفضيلها للبيئات المعتدلة الدافئة.

مصدر الصورة iStock
Image caption إذا وضعت أصبعك في لهب شمعة أو بالقرب منه، فسيتدخل بروتين "تي آر بي في1" ويبدأ في أداء وظيفته

ورغم أن الباحثين حددوا مستويات درجات الحرارة التي تؤدي إلى تنشيط هذه البروتينات، فإن ذلك لا ينفي إمكانية أن يطرأ عليها تعديلات أو تغييرات.

وإذا ما أصيب جلدك بحروقٍ جراء التعرض لأشعة الشمس الشديدة، فقد تشعر بأن ماء الاستحمام الفاتر بات ساخنا على نحو لا يُطاق.

ويقول غراندل إنه تبين أن ذلك يرجع إلى أن حدوث التهابات في الجلد تجعل المُسْتَقْبِل المعروف باسم "تي آر بي في 1" حساسا، وهو ما يؤدي إلى تقليل مستوى الحرارة اللازم لتنشيط هذا المُسْتَقْبِل، ودفعه لإرسال إشارة إلى الدماغ للإحساس بالألم.

لكن درجات الحرارة لا تشكل المثيرات والمنبهات الوحيدة التي تؤدي لتنشيط مُسْتَقْبِلات مثل هذه، فالنباتات تُحْدِثُ هذا التأثير أيضا. وقد يكون مفاجئا أن نعلم أن البروتين "تي آر بي في 1"، الذي تُفَعِّلُه الحرارة الشديدة، ينَشْط كذلك إذا ما تعرض لمادة "كابسيسين"، وهي المركب الذي يعطي الفلفل الحار مذاقه اللاذع المُحْرِق.

كما أن بروتين "تي آر بي إم 8" يُستثار بفعل الأثر المنعش الذي تحدثه مادة الـ"منثول"، وهي مادة كيميائية توجد في أوراق النعناع. أما البروتين "تي آر بي آيه 1"، فيُعرف كذلك باسم "مُسْتَقْبِل الوسابي" - في إشارة إلى نبات الوسابي المعروف باسم الفجل الياباني - وذلك نظرا إلى أنه ينشط بفعل تعرضه للمركبات الضارة الموجودة في نبات الخردل، وهو النبات المنتمي إلى الفصيلة ذاتها.

ولكن لماذا طوّرت نباتات مواد كيميائية من شأنها تفعيل مُسْتَقْبِلات يُفَعِلُها كذلك التعرض لدرجاتٍ بعينها من الحرارة؟

هنا يقول آجاي داكا، الأستاذ في علم الأحياء الجزيئية بجامعة واشنطن، إن بعض النباتات ربما تكون قد طوّرت مواد كيميائية مثل الـ"كابسيسين" لمنع كائنات بعينها من التهامها، أو حمل تلك الكائنات على تركها وشأنها، فيما ظلت لقمةً سائغة لمخلوقات أخرى.

ويشير داكا في هذا السياق إلى أن تلك المادة لا تثير المُسْتَقْبِل المعروف باسم "تي آر بي في 1" في كائناتٍ مثل الأسماك والطيور أو الأرانب، بينما تؤثر على المستقبل نفسه لدى البشر والقوارض. ويبدو أن النظرية نفسها تنطبق على أسباب تطور مواد أخرى مثل المنثول والخردل.

مصدر الصورة iStock
Image caption يمكن أن تستثير مادة الـ"كابسيسين" الموجودة في الفلفل بروتين "تي آر بي في 1"، الذي ينشط كذلك بفعل التعرض لدرجات حرارة عالية

بعبارةٍ أخرى، فإن هذه العلاقة غريبة الأطوار التي تجمع بين النباتات ودرجات الحرارة، ربما تكشف الكثير بشأن تاريخ تطور النبات أيضا.

وربما وجدت هذه النباتات - بمحض الصدفة - وسيلةً ما لـ"قرصنة" القدرات الكامنة في أجسادنا، فيما يتعلق برصد مستويات الحرارة المختلفة التي نتعرض لها، ومن ثم تطوير مكوناتٍ قادرة على تنشيط ذات المُسْتَقْبِلات المسؤولة عن ذلك، كي نشعر حينما نتعرض لتلك المكونات، بألمٍ مماثل لذاك الذي نكابده إذا تعرضنا لحرارة شديدة أو برودة قارسة.

لذا، فإن تصبب العرق منّا لدى تناولنا وجبة خفيفة تحتوي على فلفل حار من نوع "هالبينو"، لا ينجم عن خاصية ما متأصلة في هذا النوع من الفلفل في حد ذاته، وإنما ينتج فقط عن حقيقة أن لدى مادة الـ"كابسيسين" والحرارة الشديدة القدرة ذاتها على استثارة الأعصاب الموجودة في الجلد - ومن ثم الجسم بأكمله - بطريقة واحدة.

ومن خلال الاستفادة من مُسْتَقْبِلٍ مُهيَّأ من الأصل للتفاعل مع المنبهات والمثيرات المزعجة والضارة، نجحت هذه النباتات في إيجاد طريقةٍ ملتوية، تتجنب بها أن يلتهمها الإنسان بكميات كبيرة وبسرعة بالغة.

وظل ذلك قائما - على الأقل - حتى وجدنا طريقةً للاستمتاع بالمذاق الحارق على نحوٍ مؤلم للأطعمة الغنية بالتوابل والبهارات، وبنكهة "الوسابي" التي تجعل العينيّن تدمعان.

لهذا، ففي المرة التالية التي تلتهم فيها طبقا مليئا بالفلفل، وتشعر جراء ذلك بدقات قلبك تتسارع؛ يتوجب عليك أن تتوقف للحظة للتفكير في إمكانية أن يكون شعورك هذا ناجما عن معركة تطورٍ جرت على مدار ملايين السنين بين النباتات والحيوانات. وهي معركةٌ يبدو أننا الطرف الغالب فيها، في الوقت الحالي على الأقل.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future .

المزيد حول هذه القصة