هل يمكنك أداء عدة مهام بكفاءة في آن واحد؟

شخص يلتقط صورا بالكاميرا خلال التحدث في هاتفه المحمول مصدر الصورة Eflon/Flickr/CC BY 2.0
Image caption تشير عدة دراسات إلى أن هناك عددا محدودا فقط من الناس يمكنه أداء أكثر من مهمة بكفاءة وفي آن واحد

يستطيع عددٌ محدودٌ فقط من الناس أن يؤدوا أكثر من مهمة واحدة بكفاءة في آن واحد، فهل يمكن أن تكون أنت واحدا من بين هؤلاء؟

أقر أنني من بين هؤلاء الذين يمكن أن تجد أمامهم شاشة كمبيوتر تضم عشر نوافذ على الأقل مفتوحة في وقت واحد، وذلك بالتزامن مع إجراء محادثة هاتفية، أو الاستماع إلى بثٍ إذاعي، وإرسال رسائل قصيرة.

ورغم أنني أصر على أنه بمقدوري التركيز بكفاءة في كل هذه الأمور في وقت واحد، فإن البراهين والأدلة تشير إلى أن ذلك ليس صحيحا على الأغلب.

والحقيقة أنه كلما كان المرء يَحسَب أنه قادرٌ على أن يؤدي العديد من المهام بكفاءة بشكل متزامن، زادت فرص عدم قدرته على القيام بذلك. كما أن من يفعلون ذلك السلوك كثيرا، يسجلون نتائج أقل في الاختبارات من غيرهم ممن لا يركزون في مهام عديدة في وقت واحد.

بعبارة أخرى؛ لا تعني كثرة ممارسة ذلك السلوك إكساب المرء القدرة على إتقانه بشكل أكبر. غير أنه ثمة استثناءات لهذه القاعدة بالطبع.

وقد كشف علماء نفس، عن طريق الصدفة، النقاب عن وجود مجموعة من البشر قادرة على أداء أكثر من مهمة بكفاءة في ذات الوقت، بل وقد تزيد كفاءة ذلك الأداء كلما اضطروا إلى توزيع انتباههم على مهام أكثر.

وأطلق العلماء على هؤلاء الأشخاص وصف "متعددي المهام"، والذي يشير إلى أنهم "قادرون على أداء مهام متعددة بكفاءة وفي آن واحد".

وقد أجرى دافيد ستراير، وجيسون واطسون، أستاذا علم الأعصاب المعرفي بجامعتي يوتاه وكولورادو دنفر الأمريكيتيّن، تجربةً لدراسة ما ينجم عن جلوس المرء على مقعد السائق في جهازٍ محاكاة قيادة السيارة، في ظل انشغاله أثناء القيادة بالثرثرة في الهاتف باستخدام سماعات الأذن.

ولجعل الأمر أكثر صعوبة، كان يتعين على من يخوض هذه التجربة البقاء على مسافة معينة من السيارات التي تسبقه، وكذلك محاولة حفظ قائمة من الكلمات، وحل مسائل حسابية في الوقت ذاته.

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption يحول القيام بمهام مختلفة في آن واحد دون إنجاز ما هو مطلوبٌ منّا بكفاءة

ومن غير المفاجئ أن نعلم أن من خضعوا للتجربة لم يبلوا فيها بلاء حسنا، فقد أدى تشتت انتباههم إلى إبطاء ردود فعلهم، وأضر بقدرتهم على القيادة بكفاءة.

لكن شخصا واحدا فقط اجتاز التجربة بشكلٍ متميزٍ للغاية، فاق به كل أقرانه. فقد كان قادرا على أداء كل ما يُوكل إليه من مهام، مهما كانت مصادر الإلهاء أو التشتيت. وقد تحقق هذان العالمان من نتائج التجربة، وتأكدا من عدم وجود أي أخطاء فيها.

وللتحقق مما إذا كان ذلك يعود إلى الحظ ليس أكثر أم لا؛ أجرى العالمان تجربةً تشمل 200 شخص آخرين، رسب فيها 97 في المئة منهم. لكنهما خرجا منها بأربعة أشخاص آخرين، لم تتأثر كفاءة أدائهم للمهام بتكليفهم بإنجاز عدد منها بشكل متزامن.

وهكذا بات لدى هذين الباحثيّن خمسة أشخاص ممن ينعمون بهذه القدرات الخاصة؛ ثلاثة منهم من الرجال، ليخلصا من ذلك إلى أن نحو 2.5 في المئة من إجمالي البشر يحظون بتلك القدرات الاستثنائية.

وقد أظهرت أبحاث جرت على مدى عقود، على صعيد ما يُعرف بـ"علوم الإدراك"، أن قدرتنا على توجيه الانتباه والاهتمام للأشياء والأشخاص من حولنا محدودة بمدى معين.

وبوسعنا التركيز على القيام ببضعة أشياء مختلفة في وقت واحد، وهو ما يعني أن من شأن إضافة شيء واحد آخر أن يشتت الانتباه، ويحول دون أن نؤدي ما هو مطلوبٌ منّا بكفاءة.

فنحن في هذه الحالة نُضطر إلى تقسيم قدراتنا المعرفية على تلك المهام المختلفة، وهو ما سيؤدي إلى فشلنا في إنجازها جميعا بالشكل المطلوب.

وفي هذا الصدد، هناك دليلٌ دامغٌ يفيد بأن الحديث في الهاتف المحمول يجعل قائدي السيارات يعجزون عن ملاحظة نصف الأشياء التي تجري حولهم، ويُبطئ من ردود فعلهم، ويقود بالتالي - كما هو متوقع - إلى زيادة نسبة الحوادث. رغم ذلك، هناك عدد محدود للغاية من السائقين لا يتأثر بذلك على ما يبدو.

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption حاذر من إرسال رسائل نصية أثناء القيادة، فذلك يعرضك وكثيرين غيرك للخطر

إذا، كيف يتمكن القادرون على إنجاز مهام متعددة بشكل كفء ومتزامن من القيام بذلك؟ هل هناك ما هو استثنائي في أدمغتهم يسمح لهم بتوزيع قدرتهم على الانتباه على العديد من المهام، دون أن يؤثر ذلك سلبا على أدائهم؟

قد يحسب المرء هنا أن مناطق الدماغ، المسؤولة عن الأنشطة الخاصة بالانتباه والتركيز والعمليات المعرفية، ستصبح فائقة النشاط خلال خضوع الشخص للاختبارات الخاصة بأداء مهام مختلفة في آن واحد.

لكن فحوصا أُجريت عام 2015 على أدمغة "القادرين على أداء مهام متعددة في وقت واحد وبكفاءة" باستخدام أسلوب الرنين المغناطيسي الوظيفي، لم تُظهر وجود مثل هذا النشاط الفائق.

فقد تبين وجود نشاط أقل وليس أكثر، في المناطق الدماغية التي قد يتوقع المرء أنها ستكون مفعمة بالحركة في هذه الحالة، مثل منطقتيّ "القشرة أمام جبهية" و"القشرة الحزامية الأمامية" في الدماغ.

وهناك سببان لهذا الأمر الذي قد يبدو مفاجئا، فعندما نمارس مهارة ما بشكل مستمر، يصبح المخ أكثر كفاءة في أدائها، ومن ثم يُظهر نشاطا أقل وليس أكثر.

فعندما نفحص أدمغة لاعبي الجولف والرُماة وسائقي سيارات السباق - على سبيل المثال - سنجد أنها تظهر نشاطا أقل حينما ينهمك أصحابها في أداء أنشطة ذهنية مرتبطة بخبراتهم الرياضية، وذلك مُقارنة بالنشاط الذي يُظهره فحص أدمغة أشخاص لا يحترفون هذه الرياضات.

وهذا هو الجزء المثير في الأمر بحق K فبالتزامن مع تزايد كفاءة الدماغ في إنجاز المهام الموكلة لصاحبه، يتغير توزيع النشاط بين مناطقه المختلفة.

وبالرغم من إمكانية تراجع معدلات هذا النشاط في المناطق الدماغية المرتبطة بأنشطة الانتباه والتركيز، فإنه يتزايد في منطقة أخرى في الدماغ تُعرف باسم "شبكة الوضع الافتراضي"، وهو مصطلح يشير إلى بقاع في الدماع تنشط عندما نستغرق في أحلام اليقظة، أو الحنين إلى الماضي، أو في التفكير مليا في المستقبل.

ومن هذا المنطلق، فإنه بمقدور من يجيدون أداء مهام مختلفة في وقت واحد وبشكل كفء القيام بذلك السلوك، نظرا لأن أدمغتهم مُهيأة للعمل بقدر أكبر من الكفاءة في هذه الحالة.

ولهذا السبب، من الخطأ الاعتقاد أن بذل الدماغ نشاطا أكبر يُعد دوما مؤشرا إيجابيا. فكلما كان يتعين على من وُهِبوا القدرة على أداء مهام متعددة إنجاز أشياء أكثر، زادت كفاءتهم في إنجاز المهام في هذا الصدد.

المفارقة أن الأشخاص الذين تحدثنا عنهم في بداية هذا الموضوع، من المتميزين في هذا المضمار، لم يكونوا على علم بأنهم يتمتعون بتلك المهارة الخاصة. وحتى الآن، لا يُعرف سوى القليل عن الكيفية التي قد يؤثر بها ذلك على حياتهم اليومية.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption ليس من اليسير على المرء التعامل بكفاءة في الحياة الواقعية مع مهام مختلفة بشكل متزامن ومتوازن

لذا، فمن بين الأمور التي يريد واطسون التعرف عليها في الفترة المقبلة، ما إذا كان الموهوبون في إنجاز مهام عديدة بشكل متزامن ينجذبون إلى وظائف بعينها، أو يتفوقون في مهنٍ ذات طبيعة معينة.

في الوقت نفسه، لسنا على علم - حتى الآن - بما إذا كانت هناك أية أعراض جانبية سلبية للتمتع بهذه المقدرة. فهل يمكن أن ينعم المرء مثلا بتلك الموهبة المذهلة على حساب شيء آخر؟

كما يدور بخَلد العلماء سؤالٌ آخر يتعلق بالسبب الذي يجعل مثل هذه المقدرة نادرة. ويتوقع واطسون أن يكون سبب تمتع عدد محدود من الناس بموهبة مثل هذه ناجما عن أن فائدتها لم تظهر سوى مؤخرا، بفعل ظهور التكنولوجيا الحديثة.

وربما يتمثل السؤال الذي قد يراود الكثيرين الآن في ما إذا كان بمقدورهم اكتساب هذه المهارة أم لا. لكن الإجابة المحتملة هي بالنفي للأسف الشديد. فبمقدور المرء قطعا أن يمارس مهام مختلفة، ويُحسّن أداءه في كل منها على حدة، ولكن ذلك لا يعني تحسين قدرته على إنجازها مُجتمعة في آنٍ واحد.

هل ترغب في خوض التجربة؟

الآن، ربما صرتَ راغبا في تحديد ما إذا كنت تتمتع بهذه المهارة أم لا، ولذا يجدر بك تجربة اختبار صممه فريقٌ من جامعتيّ "تاسمانيا" و"يوتاه" خصيصا لـ"بي بي سي". (يمكنك الوصول إلى موقع الاختبار باللغة الإنجليزية عبرهذا الرابط.)

في البداية، يجب عليك استخدام حاسب آلي تقليدي، وليس هاتفا ذكيا، أو حاسبا لوحيا. ويتعين عليّ تحذيرك أن التعليمات الخاصة بالاختبار معقدة، ناهيك عن طبيعته هو نفسه.

ويتمثل الاختبار في ظهور ثلاثة أبواب أمامك على الشاشة، تُفتح بشكل عشوائي. وتتمثل مهمتك في تذكر أي باب فُتح في المرة قبل الأخيرة. وبالتزامن مع ذلك، هناك نسخة مسموعة ومرئية من الاختبار، تطلب منك حفظ أربع معلومات في ذهنك في وقت واحد، ولعدة مرات.

ورغم أن الأمر يبدو سهلا نسبيا، فإنه ليس كذلك على أرض الواقع؛ على الأقل بالنسبة لي. ومن الأفضل أن يخوض المرء الاختبار، الذي يستمر نحو 40 دقيقة، في الوقت الذي يشعر فيه أنه قادر على التركيز على أفضل وجه ممكن، لأنني أخطأت عندما حاولت إنجازه وسط مكتب العمل الحافل بالضوضاء وعوامل التشتيت.

على أي حال، تحسن أدائي بمجرد أن استنبطتُ الطريقة الصحيحة للتعامل مع هذا الاختبار، وأصبحت شبه قادرة على إنجاز مهام مختلفة بكفاءة وبشكل متزامن، دون أن أصل إلى مرتبة امتلاك هذه المقدرة بشكل كامل.

وللأمانة، وفي ظل الشروط التي جرى في إطارها الاختبار، لست على يقين مما إذا كنت قد حققت النجاح فيه أم لا.

لكن بعدما قدمت مؤخرا حلقة من برنامجي على إذاعة "بي بي سي"، تناولتُ فيها هذا الموضوع، خاض 1,200 مستمع هذه التجربة، وتبين أن اثنين في المئة منهم يتمتعون بتلك الموهبة الاستثنائية، كما أرسل عدد قليل من المستخدمين رسائل عبر البريد الإلكتروني يخبرونني فيها أن الاختبار كان سهلا.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future .

المزيد حول هذه القصة